صالح الراشد : هكذا يعبث القادة بالشعوب
صالح الراشد :
مسرحية تتلو أخرى وفيلم يتبعه فيلم جديد، والغاية الحفاظ على صورة القائد البطل المُراد تخليده وجعله رئيساً أبدياً ينتهي دوره حين دفنه في التراب، لنجد ان هذه النوعية من القيادات تفعل أي شيء لحماية كرسي الرئاسة والتصاقها به، كونها تدرك يقيناً ان المغادرة تعني الموت بالتغييب أو غياهب السجون وربما القتل، لذا يبذل القادة ممن أساؤوا في المقام الاول لشعوبهم بتمرير الأكاذيب لتخدير شعوبهم وجعلهم يعتقدون ان ما بعد خروجهم من السلطة لا يوجد إلا الفناء والدمار الاقتصادي والضياع الاجتماعي، وللحق تتجذر هذه الشخوص في عالمنا الحالي بعدد كبير من قادة دول العالم يتقدمهم الصهيوني بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الغاصب لفلسطين، والصهيوأمريكي دونالد ترامب المُحاط بتهديدات ملفات إبستين، والروسي فلاديمير بوتين المتمسك بالسلطة بنظام راسخ والبيلاروسي صاحب السلطة المُغلقة ألكسندر لوكاشينكو، وهؤلاء ومن هم على شاكلتهم يستخدمون الأزمات السياسية والاقتصادية والعسكرية لخدمة بقاء النظام.
ويسارع هؤلاء ومعهم العديد من القيادات العالمية المصابين بمرض السلطة، بالزج بالوطن بأكمله في أزمات متتالية تجعل منها أداة لإعادة إنتاج السلطة، وللحفاظ على المكتسبات الخاصة بشخص الرئيس تستخدم السلطات العديد من الطُرق في مقدمتها خلق عدو دائم وتضخيم الخطر الخارجي أو الداخلي في حال كان العدو جماعات مسلحة أو فكرية، والغاية هنا تحويل الخطاب السياسي وترسيخ قناعات شعبية بأن الوطن مهدّد لذا يجب أن يتوحد الشعب خلف الرئيس، وهذا ما يقوم به بالعلن الثلاثي نتنياهو وترامب وبوتين وقد صنع كل منهم عدو يحاربه لسنوات طوال، بل ذهبوا لأبعد من ذلك حين جعلوا من قيام الآخرين بانتقاد أفعالهم إلى مسألة أمن قومي، وحتى تكتمل الخديعة يقومون بإعلان حالة الطوارىء وإدامتها تحت شعارات متعددة، وإعلان قوانين أو إجراءات استثنائية بسبب الحرب أو الإرهاب أو الاضطرابات، وتساهم هذه الإجراءات في تقليص مساحة المعارضة والحريات بحجة الضرورة الأمنية.
وفي العادة يلجأ القادة إلى صناعة أزمات مع الدول الخارجية وبالذات دول الجوار، كما يفعل نتنياهو دوماً والذي يبدع في تصدير أزماته حتى أصبح العالم أجمع يعاني من كل صداع في الكيان الصهيوني، كون نتنياهو يتخذ دوماً مواقف عسكرية ودبلوماسية تتجاوز حدود التصعيد المنطقي، لصرف النظر والتحقيق في المشكلات الداخلية ولإنتاج صورة القائد الحامي، والمضحك المُبكي أن هذه الطريقة لا تزال ناجحة في الكيان الصهيوني الذي يبحث قائده عن أي مصيبة تفتك بعدد من الصهاينة للمتاجرة بدمائهم، بعد فشله في استغلال إصابة إبن سفير الكيان في واشنطن بحادث دهس، وعدم قدرته للآن على إنتاج سيناريو مقنع لحادثة طائرة فلاي دبي يساهم في زيادة شعبيته، ويُقدم الساسة الملتصقون بالكراسي على استخدام الاقتصاد في النهج السياسي بتوزيع الامتيازات والعقود والوظائف على الموالين، وتحميل المنافسين وسياستهم في الادارة مسؤولية الأزمات الاقتصادية، وهذا أمر تميز به ترامب الذي لا زال يهاجم سابقه بايدن مع كل قرار اقتصادي، رغم ان التعثر الاقتصادي والعبث بالأمن الاقتصادي العالمي حصل بفعل قرارات ترامب.
وللخلاص من حجم الكارثة المنتظر يقوم هؤلاء القادة ومن هم على شاكلتهم بتقسيم الشعب إلى "موالاة ومعارضة"، والترويج بأن المعارضة تهديد للدولة وليس منافساً سياسياً، وهنا يبقى المجتمع خائف مرتعب كونه يجهل الحقيقة ومُحتل فكرياً من قبل قنوات تابعة للمتنافسين على حُكم البلاد، فتقوم بحجب الروايات التي تتعارض مع مصالحها دون أدنى إهتمام بقيمة ومكانة الوطن، وفي حالات إخفاق قادة الديكتاتورية عن إقناع الشعب يتحولون لإعادة تعريف الفشل بطرق تتناسب مع أهدافهم وفي مقدمتها إن الفشل سببه "المؤامرة" حيناً والخيانة أحياناً أخرى وصولاً للظروف الخارجية لتحويل المسؤول الفاشل إلى ضحية للأزمة التي يتم تركها في العادة دون حلول لضمان استخدامها في مرات قادمة.
آخر الكلام:
هذه الأنظمة وما يشابهها تعمل بكل جهودها على تدوير النخب والخصوم، وتقوم بإبعاد بعض الحلفاء عند الحاجة وتحميلهم مسؤولية الإخفاق، وإدخال وجوه جديدة لإظهار أن هناك تصحيحاً ثم يتم إعادة إنتاج السياسات نفسها تحت قيادة جديدة، وصولاً لربط بقاء النظام ببقاء الدولة، وهكذا تستمر القصة إلى ما لا نهاية.