عيسى يوسف حداد : إربد .. من بوابة الشمال إلى وجهته
لم تعد عبارة "بوابة الشمال" كافية لوصف إربد؛ فهي ليست مدينة يُمرُّ بها للوصول إلى وجهة أخرى، بل مدينة تمتلك مقومات أن تكون وجهة بحد ذاتها.
في إربد تتجاور طبقات التاريخ والثقافة؛ من الآثار الرومانية والبيزنطية، إلى الذاكرة العثمانية والتراث الاجتماعي والثقافي الحديث. فيها الأسواق القديمة، والبيوت التراثية، والمواقع الأثرية، والحكايات الشعبية، والمطبخ المحلي، والأدب والفن، وذاكرة اجتماعية صنعت جزءًا مهمًا من شخصية شمال الأردن.
غير أن المشكلة ليست في غياب هذا الإرث، بل في غياب المشروع الذي يجمعه ويُقدِّمه بصورة معاصرة، ويُحوّله من ذاكرة مُتفرقة إلى مُنتج ثقافي وسياحي واقتصادي قادر على جذب الناس.
وبينما استطاعت مدن ومواقع أخرى أن تبني حضوراً راسخاً على الخريطة السياحية، بقيت إربد، في كثير من الأحيان، محطة أكثر منها وجهة. وهنا تَبرُز الحاجة إلى تغيير طريقة النظر إلى المدينة؛ لا باعتبارها مواقع متفرقة، بل باعتبارها مشروعاً ثقافياً وسياحياً واستثمارياً متكاملاً.
ومن هُنا يمكن أن تبدأ فكرة "مهرجان إربد السنوي"، لا باعتباره موسماً احتفالياً عابراً، وإنما مشروعاً يُعيد تقديم المدينة لأهلها وللزائرين، ويمنحها موعداً ثابتاً على أجندة السياحة والثقافة في الأردن.
يُمكن للمهرجان أن يحكي إربد من خلال تاريخها وفنونها وطعامها وحرفها وأدبها وذاكرتها الشعبية وشخصياتها وبيوتها القديمة ومواقعها الأثرية وسرديتها الوطنية التاريخية؛ بحيث يُصبح الزائر أمامَ تجربةٍ مُتكاملة، لا أمامَ فعاليةٍ تنتهي بانتهاء يومها.
وفي هذا السياق، فإنِّ ما تقوم به بلدية إربد من تطوير وسط المدينة وإحياء عدد من البيوت التي تحمل تاريخاً وذاكرة مُرتبطة بقلب إربد، يُمكن أن يُشكِّل خطوةً مُهمّة في الاتجاه الصحيح. فالمدينة القديمة ليست مُجرَّد مبانٍ وشوارع، وإنما جزء من هوية المكان وذاكرته.
وإعادة تأهيل هذه البيوت والحفاظ عليها ينبغي ألا يُنظر إليها كمشاريع عمرانية منفصلة، بل كجزءٍ من مشروع أكبر لإحياء وسط المدينة، وربط البيوت والأسواق والمواقع التراثية والثقافية بالمطاعم والمقاهي والفعاليات ضمن مسارات واضحة وتجربة متكاملة للزائر.
وهنا تحديداً يمكن أن يبدأ التحول من وسط مدينة يُكتفى بالمرور فيه، إلى مساحة تستحق الاكتشاف والبقاء.
لكن تحويل إربد إلى وجهة إقامة لا يعتمد على المحتوى السياحي وحده؛ فالإقامة الفندقية جزء أساسي من تجربة السائح ومعيار مهم في صناعة الوجهات. ورغم وجود فنادق في المدينة، فإن الطموح يجب أن يتجه نحو منظومة فندقية أكثر تطوراً، ترتقي بمستوى الخدمة والضيافة إلى مستوى يُضاهي أفضل فنادق العاصمة، وتوفر للزائر تجربة إقامة تليق بمدينة تريد أن تُنافس على خريطة السياحة.
فالزائر لا يحتاج فقط إلى أماكن يزورها، بل إلى سبب يدفعه للبقاء. وكلما تنوعت خيارات الإقامة وارتفعت جودتها، ازدادت قدرة إربد على الانتقال من محطة مرور إلى وجهة يقصدها الناس ويُقيمون فيها.
وهنا تبرز فرصة القطاع الخاص؛ فالسياحة ليست إنفاقاً على الفعاليات فحسب، بل قطاع قادر على خلق فرص استثمار حقيقية في الفنادق والمطاعم والمقاهي والتجارب السياحية والحرف والصناعات الثقافية والخدمات المرتبطة بالزائر.
والمهرجان الناجح لا يُقاس بعدد الحضور فقط، بل بما يتركه من أثر اقتصادي واجتماعي؛ فهو قادر على تنشيط الفنادق والمطاعم والمقاهي والنقل والحرف والمشاريع الصغيرة، وفتح مساحة حقيقية للاقتصاد الإبداعي، بحيث يُصبح أبناء إربد جزءاً من صناعة التجربة لا مُجرَّد متلقين لها.
كما يمكن أن يقدم المهرجان تاريخ المدينة بوسائل معاصرة؛ من خلال العروض المسرحية، والجولات المتخصصة، والأسواق التراثية، وورش الحرف، والطعام الإربداوي، وأمسيات الشعر والموسيقى والفنون، والاستفادة من التكنولوجيا والعروض المرئية لإعادة رواية تاريخ المدينة بطريقةٍ تصل إلى الأجيال الجديدة.
لكن الأهم ألا ينتهي المشروع بانتهاء المهرجان.
التحدي الحقيقي هو أن يتحول إلى بوابة لمشروع سياحي مُستدام، يطور المسارات السياحية، ويؤهل المواقع التراثية، ويوثق الذاكرة الشعبية، ويدعم الحِرف والصناعات الثقافية، ويحسن تجربة الزائر، ويطور البنية الفندقية، ويربط إربد بالمواقع السياحية في الشمال ضمن مسار متكامل.
عندها يُصبح المهرجان موسماً سنوياً تبني عليه المؤسسات التجارية والثقافية والسياحية خططها واستثماراتها، ولا يبقى أثره محصوراً في أيام انعقاده.
إربد لا تحتاج إلى اختراع هوية جديدة؛ فهي تملك الهوية أصلاً. وما تحتاجه هو مشروع يكتشف هذه الهوية، وينظمها، ويٌقدِّمها للأردنيين وللزائر العربي والأجنبي بصورة تليق بها، ويحوّل ما تملكه من تاريخ وثقافة وموارد بشرية إلى قيمة سياحية واقتصادية حقيقية.
فإربد لا ينقصها التاريخ كي تُصبح وجهة، ولا ينقصها الناس كي تنبض بالحياة؛ ما ينقصها هو أن يتحول ما تملكه إلى مشروع.
وعندما تصبح المدينة قادرة على أن تقول للزائر: تعال، واكتشف، وأقم، وعش التجربة؛ عندها فقط لن تكون إربد بوابة إلى الشمال، بل ستكون إحدى أهم وجهاته الثقافية والسياحية والاقتصادية.
إربد جزء من الحكاية نفسها؛ وحانَ الوقت لأن تحكي قصتها بنفسها.