اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

السفير ماهر لوكاشه : الشرق الأوسط بين الردع وإدارة الصراع

السفير ماهر لوكاشه : الشرق الأوسط بين الردع وإدارة الصراع
أخبارنا :  

باب المندب، السعودية، والتحالفات المتحولة ..


في كل مرة تتسارع فيها أحداث الشرق الأوسط، يعود السؤال نفسه بصيغتين متناقضتين: هل ما يجري مؤامرة محكمة تديرها جهة واحدة، أم فوضى عشوائية لا يملك أحد السيطرة عليها؟ كلا التفسيرين مريح، لكنه لا يفسر الواقع. فالمنطقة لا تحكمها غرفة عمليات واحدة، ولا تتحرك بلا قواعد. ما نراه هو نتيجة تنافس شديد بين قوى دولية وإقليمية، تتقاطع مصالحها أحياناً وتتصادم أحياناً أخرى، وتستخدم في صراعها السلاح والاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات والإعلام.


لهذا تبدو المنطقة وكأنها تعيش فوضى منظمة جزئياً؛ ليست خطة واحدة مكتملة، بل حصيلة خطط متعددة يتصرف كل طرف فيها وفق مصلحته. وقد ينتج عن مجموع هذه الحسابات خطر لا يريده أحد بمفرده. صاروخ يهدد منشأة حيوية، أو سفينة تغير مسارها، أو صفقة سلاح تعيد حسابات الخصوم، أو اتصال رئاسي عاجل، كلها أحداث تبدو منفصلة، لكنها تصبح أكثر دلالة حين نضعها داخل صورة أكبر عنوانها إعادة توزيع النفوذ والقوة في الشرق الأوسط.


لم تعد الهيمنة على المنطقة تعني احتلال الأرض أو تنصيب حكومات موالية. النفوذ الحديث أكثر تعقيداً. قد تتحكم قوة كبرى في جزء من أمن دولة عبر السلاح والاستخبارات، وقد ترفع جماعة مسلحة كلفة الملاحة في ممر دولي من دون أن تسيطر عليه بالكامل، وقد تؤثر المنصات الرقمية في اتجاهات الرأي العام من دون أن تصدر قراراً سياسياً مباشراً. وفي المساحات التي تضعف فيها الدولة أو تنقسم مؤسساتها، يتقدم فاعلون من غير الدول لملء الفراغ، مستفيدين من مرونتهم وقلة التزامهم بالحدود والقواعد التقليدية.


ما زالت الولايات المتحدة القوة العسكرية والأمنية الأبرز في المنطقة، لكنها لا تبدو راغبة في إدارة كل ملف بتدخل مباشر وطويل. وهي تميل أكثر إلى إدارة التوازنات: دعم الحلفاء، حماية الممرات، بيع السلاح، احتواء الخصوم، ومنع أي قوة من امتلاك سيطرة كاملة على الإقليم. إسرائيل، من جهتها، تنظر إلى المنطقة من زاوية أمنية صلبة، وتسعى إلى منع تشكل بيئة إقليمية قادرة على تهديدها، مع بقاء مصالحها متقاطعة مع واشنطن في احتواء إيران وتعزيز الشراكات الأمنية.


أما الصين فتتقدم من بوابة الاقتصاد. الموانئ والطاقة والبنية التحتية والتجارة والاتصالات تمنح بكين نفوذاً يتوسع ببطء، غير أن الاقتصاد ليس منفصلاً تماماً عن السياسة؛ فالميناء الذي يخدم التجارة اليوم قد يصبح غداً جزءاً من شبكة ذات قيمة استراتيجية. وتستخدم روسيا حضورها العسكري والطاقوي والأمني في مناطق الفراغ للحفاظ على نفوذها وتحويله إلى أوراق تفاوض. وهكذا لا تعود المنطقة تابعة لمعسكر واحد، لكنها لا تصبح مستقلة تلقائياً؛ فقد تنتقل من تبعية واحدة إلى تبعيات متعددة في السلاح والتكنولوجيا والغذاء والطاقة والتمويل والمعلومات.


وتكشف التجربة التاريخية أن القوى الكبرى تتدخل عندما ترى مصالحها أو أمنها أو نفوذها مهدداً، لكن دوافعها لا تكون اقتصادية فقط. فقد اجتمعت في التدخلات الأمريكية خلال الحرب الباردة اعتبارات احتواء الخصوم، ومنع انتقال الدول إلى معسكر منافس، وحماية النفوذ، إلى جانب المصالح المرتبطة بالطاقة والشركات والموارد. وتوثق وثائق وزارة الخارجية الأمريكية التخطيط لعملية أجاكس التي أطاحت حكومة محمد مصدق في إيران عام 1953، كما يوثق تقرير لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي العمل السري وتمويل قوى المعارضة ووسائل الإعلام في تشيلي خلال عهد سلفادور أليندي. غير أن هذه الوقائع التاريخية لا تبرر افتراض أن كل ما تفعله واشنطن في الشرق الأوسط اليوم تكرار حرفي للسيناريو نفسه؛ فلكل مرحلة سياقها، وتبقى المصالح الأمنية والجيوسياسية والاقتصادية متداخلة. كما أن الرقم المتداول عن إسقاط 84 حكومة ليس رقماً مستقراً في الأدبيات الأكاديمية؛ وتعرض دراسة ليندسي أورورك، مثلاً، أكثر من 60 محاولة أمريكية سرية لتغيير أنظمة بين عامي 1947 و1989، وفق تعريف محدد للتدخل.


في هذا الصراع، تصبح الجغرافيا مورداً استراتيجياً لا مجرد موقع على الخريطة. فالشرق الأوسط يقع عند تقاطع طرق التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ويضم مضائق وموانئ وخطوط أنابيب وحقولاً وممرات رقمية. ومن يملك القدرة على حماية هذه النقاط أو تعطيلها يمتلك نفوذاً يتجاوز حدود دولته.


يأتي باب المندب في مقدمة هذه النقاط. فأهميته لا تنبع من مساحته، بل من موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويصل حركة التجارة والطاقة القادمة من الخليج وآسيا بممر قناة السويس والبحر المتوسط. ولذلك فإن تهديد الملاحة فيه لا يبقى شأناً يمنياً؛ بل ينعكس على التأمين وأسعار الشحن وسلاسل التوريد والطاقة في مناطق بعيدة.


لكن من الضروري التمييز بين السيطرة الكاملة على المضيق والقدرة على تهديد الملاحة ورفع كلفة حمايتها. إن توسع الحوثيين على الساحل الغربي ووصولهم إلى مواقع وجزر قريبة من باب المندب يمنحهم قدرة أكبر على التأثير، حتى من دون السيطرة الكاملة على كل حركة بحرية. وهذه هي قيمة الحرب غير المتكافئة: لا تحتاج الجماعة إلى أسطول يوازي أساطيل القوى الكبرى؛ يكفيها امتلاك أدوات تجعل المرور محفوفاً بالمخاطر، وتجبر شركات النقل على تغيير المسارات ورفع تكاليف التأمين.


لا يمكن فهم صعود الحوثيين من خلال السلاح وحده. قوتهم تقوم على الجمع بين الجغرافيا والمرونة التنظيمية والقدرة على تحمل الكلفة واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والاستفادة من موقع اليمن على أحد أهم طرق التجارة في العالم. كما أن التهديدات التي تطال الأراضي والمنشآت السعودية تنقل المواجهة من جبهة محلية إلى اختبار مباشر لأمن دولة ذات وزن اقتصادي وسياسي كبير.


ومع ذلك، من الخطأ اختزال الحوثيين في كونهم أداة إيرانية بلا إرادة مستقلة. توجد صلات سياسية وعسكرية ودعم إيراني، لكن للجماعة حساباتها المحلية ومصالحها الخاصة في الصراع اليمني. إن قراءة كل قرار حوثي باعتباره أمراً إيرانياً مباشراً تؤدي إلى سوء تقدير، كما أن إنكار الدعم الخارجي تبسيط معاكس. والمغزى الأهم أن فاعلاً من غير الدول بات قادراً على إجبار دول كبرى على التعامل معه، ولو بصورة غير مباشرة، لمجرد امتلاكه القدرة على إزعاج التجارة الدولية.


تواجه السعودية في المقابل معادلة صعبة. فهي دولة ذات موارد ضخمة ومشروع اقتصادي طموح، لكنها تقع في بيئة أمنية لا تسمح بفصل التنمية عن الأمن. أي تهديد للمنشآت الحيوية أو المطارات أو طرق الملاحة يمكن أن يؤثر في الاستثمار والطاقة وثقة الأسواق. لذلك تتجه الرياض إلى تحديث قواتها وتطوير دفاعها الجوي وتوسيع شراكاتها وتنويع علاقاتها، لكن امتلاك السلاح لا يساوي بالضرورة امتلاك الاستقلال الاستراتيجي. فالاستقلال يحتاج إلى إنذار مبكر وصيانة وذخائر وتدريب وقدرة صناعية وأمن سيبراني وسلاسل إمداد وقرار سياسي مستقل.


في هذا السياق، تمثل موافقة الإدارة الأمريكية على بيع محتمل للسعودية 48 طائرة إف-35 بقيمة تقديرية تبلغ 24.3 مليار دولار خطوة سياسية وعسكرية مهمة، لكنها ليست صفقة مكتملة؛ إذ ما زالت تحتاج إلى موافقة الكونغرس، كما أن التسليم والتدريب والدمج العملياتي يحتاج إلى سنوات. دلالة الخطوة لا تكمن في الطائرة وحدها، بل في الرسالة التي تحملها: واشنطن مستعدة لتعميق شراكتها الدفاعية مع الرياض، والسعودية لا تريد أن تبقى شريكاً أمنياً يدفع كلفة التهديدات من دون أدوات ردع متقدمة.


لكن الطائرات لن تقلب ميزان القوى فوراً، ولن تحل وحدها مشكلة الصواريخ والطائرات المسيّرة. الأمن لا يعتمد على منصة واحدة، كما أن السلاح لا يعالج جذور الصراع. السؤال الحقيقي هو كيف تستخدم القوة الدفاعية لحماية التنمية، من دون أن تتحول التنمية نفسها إلى ذريعة لسباق تسلح دائم أو إلى سوق مفتوحة لمصالح المنتجين الخارجيين.


تبدو السياسة الأمريكية محكومة بتناقض مستمر: لا تريد حرباً إقليمية واسعة تجرها إلى تدخل طويل ومكلف، لكنها لا تريد انسحاباً يترك خصومها يملأون الفراغ. ولذلك تميل إلى إدارة الصراع بدلاً من حله؛ أي إبقاء الضغط عند مستوى يمنع الانفجار الكبير، من دون إزالة أسباب التوتر بالكامل. وتشمل هذه السياسة العقوبات والردع والدعم الاستخباري والوساطات المحدودة وصفقات السلاح والرسائل المتعارضة أحياناً.


ومن هنا ينبغي الحذر من تفسير كل تحرك رئاسي أو عسكري بوصفه دليلاً قاطعاً على ترتيبات سرية. قد تشير العودة السريعة من كامب ديفيد أو تحركات المسؤولين الإسرائيليين إلى ارتفاع مستوى الخطر أو التنسيق، لكنها لا تكشف وحدها مضمون القرار. التحليل الجاد يفرق بين الواقعة وما يمكن استنتاجه منها، ويعرض النيات المحتملة بوصفها سيناريوهات لا حقائق.


إيران بدورها بنت شبكة نفوذ تتجاوز حدودها، مستفيدة من ضعف الدولة في بعض الساحات ومن الصواريخ والطائرات المسيّرة والجماعات الحليفة. هذه الأدوات تمنحها قدرة على الردع بتكلفة أقل من تكلفة بناء قوة تقليدية تضاهي خصومها، لكنها تحمل نقاط ضعف أيضاً؛ فالقوة الممتدة خارج الحدود تحتاج إلى تمويل وإمداد واتصال، والجماعات الحليفة لا تتحرك دائماً بالطريقة نفسها. كما أن طهران لا تملك مصلحة واضحة في إغلاق الممرات البحرية لفترة طويلة، لأن ذلك قد يضر باقتصادها ويستفز قوى آسيوية تحتاج إلى التجارة والطاقة. ولهذا يظل التهديد المحدود ورقة تفاوضية، بينما يمثل الإغلاق الكامل مقامرة استراتيجية واسعة.


أبرز سمات المرحلة الراهنة هي الفصل بين المسار الأمني والمسار الاقتصادي. قد تتعاون دولة خليجية أمنياً مع واشنطن، وتشتري السلاح من الولايات المتحدة، بينما توسع تجارتها مع الصين وتحافظ على قنوات مع روسيا وتنسج ترتيبات مع تركيا أو باكستان. هذا ليس تناقضاً بالضرورة، بل شكل من التحوط الاستراتيجي، لكنه لا ينجح إلا إذا امتلكت الدولة قدرة تفاوضية وإنتاجية حقيقية. وإلا تحول تنويع الشركاء إلى تنويع في التبعية.


تُستغل مقدرات المنطقة بطرق تتجاوز التدخل العسكري. تُستغل الطاقة حين تتحول الحقول والموانئ وخطوط النقل إلى أدوات ضغط وأسواق للسلاح، وتُستغل الممرات البحرية حين تتحول إلى رهائن في صراعات لا تخدم سكانها، وتُستغل الانقسامات الداخلية حين تجد القوى الخارجية فيها منفذاً للتدخل. كما تُستغل سوق السلاح كلما تحولت المخاوف إلى دورة إنفاق متصاعدة، وتُستغل المعلومات حين يُنتقى جزء من الحقيقة ويُخفى الجزء الآخر، فيصبح كل خصم شيطاناً وكل تسوية خيانة.


أما أخطر ما يُستغل فهو الإنسان نفسه: شعوب تتلقى الحرب ثم الهدنة، والعقوبات ثم الوعود، فيما تتراجع أولويات التعليم والصحة والعمل والإنتاج. وحين يطول هذا الاستنزاف، لا تخسر الدول مواردها فقط؛ بل تخسر قدرتها على تخيل مستقبل مختلف.


المسارات المقبلة ليست محسومة. قد يستمر احتواء هش يبقي الممرات مهددة من دون إغلاق كامل، وقد يؤدي سوء تقدير إلى تصعيد إقليمي متدرج، وقد تدفع الكلفة الاقتصادية الأطراف إلى تسويات محدودة تضمن الملاحة وتخفض الهجمات من دون أن تنتج سلاماً شاملاً. وربما تتعايش هذه المسارات معاً: احتواء في جبهة، وتصعيد في أخرى، وتفاهم مؤقت في ثالثة.


لا يمكن مواجهة التبعية بالشعارات، ولا مواجهة القوة بالأمنيات. تبدأ الوكالة الاستراتيجية من بناء القدرة: اقتصاد منتج، ومؤسسات وطنية متماسكة، وتعليم تقني، وتكنولوجيا، وصناعة، وأمن غذائي ومائي ورقمي، وشراكات متنوعة لا تتحول إلى ارتهان. كما تحتاج المنطقة إلى ترتيبات إقليمية تحمي الملاحة والطاقة من دون تحويل كل ممر إلى ساحة نفوذ خارجي.


الشرق الأوسط ليس مجرد ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى، حتى لو حاولت بعض هذه القوى معاملته كذلك. المنطقة تملك الموارد والممرات والأسواق والطاقات البشرية، لكنها لم تحولها بعد إلى قوة جماعية تحمي مصالحها. المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في تشتت القرار وضعف المؤسسات وتحول الخلافات الداخلية إلى أبواب مفتوحة للتدخل.


ما يجري حول باب المندب وفي الخليج واليمن وإيران وإسرائيل ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل اختبار لمفهوم السيادة في زمن تستطيع فيه جماعة مسلحة تهديد التجارة، وتستطيع صفقة سلاح إعادة رسم الحسابات، وتستطيع خوارزمية رقمية تغيير المزاج العام، وتستطيع أزمة محلية رفع أسعار الطاقة في قارات بعيدة.


لن يصبح المستقبل مستقلاً لمجرد أننا نرفض التدخل الخارجي، ولن يصبح آمناً لمجرد أننا نشتري أسلحة أكثر. الاستقلال يحتاج إلى اقتصاد ومؤسسات وتكنولوجيا وتعليم وقدرة على التفاوض، ويحتاج قبل ذلك إلى وعي لا يرى العالم أبيض وأسود، ولا يحول كل خصم إلى شيطان ولا كل حليف إلى منقذ.


السؤال الحقيقي ليس فقط: من يرسم خرائط المنطقة فوق رؤوس شعوبها؟ فهذا يحدث فعلاً بدرجات مختلفة. السؤال الأهم هو: هل نكتفي بأن نكون مادة لهذه الخرائط، أم نمتلك من القدرة والوعي ما يجعلنا شركاء في رسمها؟ لا يمكن إلغاء الجغرافيا، ولا منع القوى من محاولة استثمارها، لكن يمكن تحويلها من عبء إلى قوة، ومن موقع تتصارع عليه الدول إلى مساحة تفاوض تفرض فيها شعوب المنطقة مصالحها. عندها فقط تنتقل المنطقة من دور الساحة إلى دور الفاعل، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن انتظار ما يقرره الآخرون إلى المشاركة في تحديد ما سيأتي.



مواضيع قد تهمك