د. هيفاء ابو غزالة : الأردن أكبر من موقع على الخريطة… كيف نحوّل الجغرافيا إلى اقتصاد؟
نكرر كثيراً أن الأردن يتمتع بموقع استراتيجي، ونعدد ما نملكه من مواقع سياحية وتاريخية ودينية وطبيعية. لكن ربما حان الوقت لأن ننتقل من وصف ما نملك إلى السؤال الأصعب: كم تساوي هذه الجغرافيا اقتصادياً؟
فالموقع لا يصبح ثروة لمجرد أنه مهم على الخريطة، والموقع السياحي لا يصبح مورداً اقتصادياً لمجرد أن الزوار يصلون إليه. القيمة الحقيقية تبدأ عندما نستطيع تحويل الجغرافيا إلى حركة، والحركة إلى إنفاق، والإنفاق إلى فرص عمل واستثمار وتنمية تصل إلى الناس.
والسياحة هي أحد أوضح الأمثلة على ذلك في الأردن.
ففي مساحة جغرافية محدودة، يمتلك الأردن تنوعاً لافتاً: تاريخ وآثار، مواقع دينية، البحر الميت، صحراء وطبيعة ومحميات، سياحة علاجية واستشفائية، مغامرات، ثقافة ومؤتمرات. ويمكن للزائر خلال رحلة واحدة أن ينتقل بين تجارب مختلفة تماماً.
لكن هل نبيع هذا التنوع كما ينبغي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في سياحتنا اليوم.
فنحن نتحدث كثيراً عن عدد السياح، بينما لا يقل عنه أهمية سؤال آخر: ماذا يفعل السائح بعد وصوله؟
كم يوماً يبقى؟ كم ينفق؟ كم مدينة ومحافظة يزور؟ وهل يصل إنفاقه إلى المطعم الصغير والحرفي والمرشد السياحي والمشروع المحلي، أم يبقى محصوراً في حلقة ضيقة؟
إن الفرق كبير بين استقطاب سائح وبين بناء اقتصاد حول السائح.
السائح الذي يأتي إلى البترا ويغادر بعد زيارة قصيرة ليس اقتصادياً كالسائح الذي تمتد رحلته إلى وادي رم والعقبة والبحر الميت. والزائر الذي يقصد موقع المعمودية يمكن أن يجد أمامه مساراً دينياً وثقافياً متكاملاً يضم مادبا وجبل نيبو وغيرها من المواقع. والقادم للعلاج يمكن أن تتحول رحلته من موعد طبي إلى تجربة أوسع تشمل الاستشفاء والبحر الميت والسياحة العائلية والتسوق.
المطلوب، إذاً، ألا نسوّق كل موقع بمفرده، بل أن نسوّق الأردن كرحلة متكاملة.
وهنا يتغير مفهوم النجاح السياحي. فليست الغاية فقط زيادة أعداد القادمين، وإنما زيادة قيمة كل زيارة.
ليلة إضافية يقضيها السائح ليست مجرد رقم في إحصاءات الفنادق؛ إنها وجبة ونقل وتسوق وزيارة وربما حرفة محلية أو فعالية ثقافية. وإذا امتدت الرحلة إلى محافظة أخرى، انتقلت معها دائرة الإنفاق وفرص العمل إلى مجتمع جديد.
بهذه الطريقة يمكن للسياحة أن تصبح أداة لتنمية المحافظات، لا قطاعاً يتركز أثره في عدد محدود من المواقع والمنشآت.
ولماذا نتوقف عند السائح القادم أصلاً إلى الأردن؟
موقع المملكة نفسه يفتح باباً آخر: كيف نحول جزءاً من حركة العبور إلى حركة سياحية؟
المسافر العابر، وزائر الأعمال، والمشارك في مؤتمر، والقادم للعلاج، جميعهم يمكن أن يصبحوا سياحاً إذا صممنا منتجات قصيرة ومرنة تناسب وقتهم واهتماماتهم. فالهدف ليس فقط أن يمر الإنسان عبر الأردن، وإنما أن نعطيه سبباً ليتوقف، وسبباً ليبقى، وسبباً ليعود.
وهنا تلتقي السياحة مع مفهوم أوسع أعتقد أننا بحاجة إلى وضعه في صلب التفكير الاقتصادي: اقتصاد الموقع الأردني.
فكما ينبغي ألا يمر السائح دون أن تتسع دائرة استفادة الاقتصاد منه، ينبغي ألا تمر البضاعة دون قيمة مضافة. وكلما ارتبطت الموانئ والطرق والسكك والمطارات والمناطق الصناعية والسياحية والطاقة والاتصالات في شبكة واحدة، ازدادت القيمة الاقتصادية للموقع الأردني.
فالجغرافيا الحديثة لم تعد مجرد حدود ومسافات. إنها شبكة من حركة البشر والبضائع والطاقة والبيانات ورؤوس الأموال.
والدول التي تنجح ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر مساحة أو أكثر الموارد، بل التي تعرف كيف تجعل الآخرين يأتون إليها، ويمرون عبرها، ويتعاملون معها، والأهم أن تضيف قيمة إلى كل هذه الحركة.
ولهذا أرى أننا بحاجة إلى تطوير طريقة قياسنا للنجاح السياحي. إلى جانب عدد الزوار والإيرادات، ينبغي أن يكون أمامنا دائماً سؤال بسيط لكنه شديد الدلالة:
كم بقي السائح في الأردن؟ وكم بقي من إنفاقه في الاقتصاد الأردني؟
بل يمكن الذهاب أبعد من ذلك: كم محافظة استفادت من زيارته؟ وكم مشروعاً صغيراً وصل إليه إنفاقه؟ وكم فرصة عمل ولّدها؟
هذه الأسئلة تنقل السياحة من إحصاءات الوصول والمغادرة إلى مفهوم أعمق: القيمة التي تبقى في البلد بعد أن يغادر الزائر.
لدينا البترا ووادي رم والبحر الميت والمغطس وجرش ومادبا والعقبة والمحميات، ولدينا السياحة العلاجية والثقافية والدينية وسياحة المغامرات. لكن قوة الأردن ليست في أن نضع هذه الأسماء في قائمة طويلة، بل في أن نربطها.
فالكنز الحقيقي ليس في كل موقع منفرداً، وإنما في الرحلة التي تجمع بينها.
الأردن لا يستطيع تغيير موقعه على الخريطة، لكنه يستطيع أن يغير قيمة هذا الموقع.
وإذا استطعنا أن نحول الزائر إلى مقيم مدة أطول، والعابر إلى زائر، والموقع إلى مسار، والمسار إلى استثمار وفرصة عمل؛ نكون قد انتقلنا من امتلاك المقومات إلى صناعة القيمة منها.
عندها لن نقول فقط إن الأردن بلد ذو موقع استراتيجي وكنوز سياحية.
سنقول شيئاً أهم:
لقد تعلمنا كيف نحول الجغرافيا إلى اقتصاد، والزيارة إلى قيمة، والمكان الذي نعيش فيه إلى ثروة يعيش منها الاردنيون .