اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

رمزي الغزوي : هندسة العوز

رمزي الغزوي : هندسة العوز
أخبارنا :  

ليس الفقر دائما جيبا فارغا. قد يكون بابا لا يفتح، وسلما مخلوع الدرجات، وطريقا يعرف الإنسان منذ خطوته الأولى أنه لن يوصله إلى مكان. وقد تكون البلاد غنية، والأرض سخية، والموارد أكثر مما تحتاجه الأجيال، ثم يستيقظ الناس كل صباح وهم يحملون فقرهم فوق ظهورهم، كأن الثروة تمر من جوارهم ولا تراهم.

الفقر لا ينبت وحده. تصنعه أبواب موصدة أمام الكفاءة، وحين يصبح القرب أثمن من القدرة، يفهم الشاب الرسالة باكرا: ليس مهما أن تكون جيدا، المهم أن تعرف من يفتح لك الباب. عندها لا نخسر وظيفة فقط، نخسر شيئا أخطر؛ نخسر إيمان الإنسان بأن تعبه يمكن أن يغير حياته.

وللفقر حيلة أخرى أشد قسوة. فهو يأكل المستقبل قبل أن يأكل الخبز. الإنسان المرهق بالإيجار والدواء وأقساط المدارس وفواتير الحياة لا يملك ترف النظر بعيدا. يصبح آخر الشهر أفقه، والراتب حلمه القصير، وأي طارئ حفرة قد يسقط فيها البيت كله. وحين يظل المرء منشغلا بإطفاء حرائق يومه، يصبح الغد ترفا مؤجلا، وتضيق أحلامه حتى تلائم جيبه.

وفي المدن الحديثة لا يأتي التفقير دائما بثياب رثة. أحيانا يرتدي بذلة أنيقة، تكبر الأرقام، فيما تصغر قدرة الناس على العيش. ترتفع الأبراج، وتنخفض الطبقة الوسطى درجة بعد أخرى.

يمتلئ السوق بالبضائع، فيما يقف العامل أمامها يحسب ثمن الضروري قبل أن يسمح لنفسه برغبة صغيرة. وهذا نوع من الفقر أكثر دهاء؛ أن تكون الأشياء كلها أمامك، ولا تستطيع الوصول إليها.

لهذا لم أحب يوما الحديث عن الفقير بوصفه موضوعا للشفقة. الشفقة قد تمنحه وجبة، لكنها لا تعيد إليه الطريق. الذي يحتاجه هو عدالة تفتح الباب، وتعليم يرفع رأسه، وعمل يعطي التعب معناه، وقانون لا يزن الناس بأسمائهم وصلاتهم.

وإذا أردنا أن نعرف إن كان مجتمع ما يحارب الفقر حقا، فلا نسأل كم سلة وزع، ولا كم إعانة صرف. لننظر إلى سلمه فقط: هل يستطيع من يقف في أسفله أن يصعد بقدميه، أم أننا نلقي إليه بين حين وآخر ما يكفيه كي يبقى هناك؟.

ــ الدستور


مواضيع قد تهمك