الدكتور راكان نايف ابو زيد : معان: من إدارة المشاريع إلى صناعة الأثر التنموي
حين تنتقل صناعة القرار من المركز إلى المحافظات فإن الرسالة التنموية تمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الحكومة والجغرافيا، وبين الاستثمار والتنمية وبين النمو الاقتصادي وعدالة توزيع مكتسباته، ومن هذه الزاوية تحمل جلسة مجلس الوزراء في محافظة معان رمزية تتجاوز مكان انعقادها لتؤكد أن التنمية الوطنية لا تكتمل عندما تتركز فرصها وخدماتها ومكتسباتها في العاصمة وإنما عندما تصل آثارها إلى مختلف المحافظات والمجتمعات المحلية، وفق رؤية تضمن تكافؤ الفرص وتحسين نوعية الحياة.
وتبرز في هذا السياق أهمية هذه المشاريع لما تحمله من أبعاد تنموية واقتصادية عميقة، فقرار إنشاء حديقة في معان بمواصفات مماثلة للحدائق الحديثة التي أنشئت في عدد من المحافظات إلى جانب إعادة تأهيل المتنزهات القائمة لا يمثل مجرد إضافة مساحة خضراء، وإنما يعكس مبدأ أن جودة الخدمات العامة والبيئة الحضرية والمساحات المخصصة للعائلات والأطفال والشباب يجب ألا تكون امتيازاً مرتبطاً بموقع جغرافي دون آخر، فالعدالة التنموية تعني أن يحصل المواطن في معان على مستوى مماثل من جودة المرافق والخدمات التي يحصل عليها المواطن في عمان أو غيرها من المحافظات.
لذا فإن التنمية المحلية المستدامة لا تقوم على مشروع منفرد وإنما على منظومة مترابطة قادرة على خلق القيمة وفرص العمل وتحفيز الاستثمار، حيث تتجاوز أهمية الرؤية التنموية لمحافظة معان حدود التنمية المحلية لتتصل مباشرة بالأولويات الوطنية للاقتصاد الأردني، فنجاح التنمية في المحافظات لا يُقاس فقط بحجم المشاريع المنفذة فيها وإنما بقدرتها على الإسهام في تحقيق أهداف الاقتصاد الوطني من خلال زيادة الإنتاج والاستثمار والتشغيل وتعزيز القيمة المضافة، ومن هذا المنظور يمكن لمعان أن تؤدي دوراً اقتصادياً واسعاً، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية وقربها من العقبة وممرات التجارة والأسواق الإقليمية، فمشروعات الميناء البري والسكك الحديدية والمناطق التنموية والصناعية والطاقة والنقل لا تمثل مشاريع محلية منفصلة وإنما مكونات لبنية اقتصادية وطنية يمكن أن تسهم في خفض كلف النقل وتعزيز تنافسية الصناعة وتوسيع سلاسل القيمة واستقطاب الاستثمار وخلق فرص عمل خارج مراكز النشاط الاقتصادي التقليدية، وهنا تبرز أهمية التنمية المحلية الحديثة من خلال تحويل ميزة كل محافظة الى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، وأن تتحول التنمية الشاملة أداة لتحقيق النمو المتوازن.
ويأتي مشروع ميناء العقبة - معان البري وخط السكك الحديدية المرتبط بالعقبة والشيدية ومعان، وتحسين شبكات الطرق والربط مع الأسواق الإقليمية ليشكل أحد أهم مكونات هذه المنظومة، إذ يمكن للبنية اللوجستية المتكاملة أن تخفض كلف النقل والمناولة وتدعم انتقال الصناعات وتزيد قدرة المحافظة على جذب الاستثمارات، وفي الجانب الصناعي، تمثل المنطقة التنموية الجديدة في الشيدية، بمساحة 13 ألف دونم واستثمارات صناعية متوقعة تتجاوز 1.25 مليار دينار، فرصة لتوسيع القيمة المضافة للموارد المحلية من خلال التصنيع والصناعات المرتبطة بها بدلاً من الاكتفاء بالنشاط الاستخراجي وحده، كما أن إيصال الغاز الطبيعي إلى مدينة الروضة الصناعية والحوافز المرتبطة بالأراضي والطاقة والتشغيل ينبغي النظر إليها كأدوات لرفع تنافسية الاستثمار، على أن يقاس أثرها الفعلي بما تولده من استثمارات منتجة وفرص عمل مستدامة وصادرات وقيمة مضافة محلية، وتتكامل هذه المشاريع مع قطاعات السياحة والزراعة والطاقة والمياه والاقتصاد الرقمي، بما يفتح المجال أمام بناء اقتصاد محلي أكثر تنوعاً وأقل اعتماداً على الإنفاق العام وحده.
غير أن التحدي الأهم في المرحلة المقبلة يتمثل في الانتقال من إدارة المشاريع إلى إدارة الأثر التنموي، من خلال ربط المشاريع بمؤشرات واضحة لقياس الاستثمار والتشغيل والإنتاجية وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتسريع الإجراءات وربط التعليم والتدريب باحتياجات الاقتصاد المحلي، فالتنمية المتوازنة لا تعني توزيع المشاريع جغرافياً فقط، وإنما ضمان توزيع فرص النمو وجودة الحياة ومكتسبات التنمية على المحافظات كافة.