اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. احمد الخصاونة : معان.. حين تخرج الحكومة إلى الميدان وتبدأ التنمية من الإنسان والمكان

د. احمد الخصاونة : معان.. حين تخرج الحكومة إلى الميدان وتبدأ التنمية من الإنسان والمكان
أخبارنا :  

ليست قيمة الزيارة الحكومية إلى معان في أنها نقلت جلسة مجلس الوزراء من العاصمة إلى الجنوب، وإنما في المعنى الأعمق الذي تحمله: أن الدولة حين تريد أن ترى واقعها كما هو، عليها أن تخرج من المكاتب إلى الميدان، وأن تقترب من الناس، وتسمع منهم، وترى المشاريع بأعينها، وتلمس احتياجات المدن والمحافظات لا من خلال التقارير وحدها، بل من خلال الواقع.

وهنا تكمن أهمية الزيارات الميدانية الدورية التي يحرص عليها جلالة الملك، والتي تؤكد أن التنمية لا تُدار من خلف الأبواب المغلقة، وأن المحافظة على مسافة قريبة من المواطن والمكان شرط لفهم الأولويات الحقيقية. فالميدان يكشف ما قد لا تظهره الأرقام، والاستماع المباشر للمواطنين والمسؤولين والمستثمرين يفتح الطريق أمام قرارات أكثر التصاقاً بالحاجة وأكثر قدرة على تحويل الخطط إلى واقع.

من معان اليوم، تبدو الصورة أكبر من مجموعة مشاريع موزعة على قطاعات مختلفة. نحن أمام محاولة لبناء منظومة تنموية متكاملة في محافظة تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً وثروات طبيعية وإمكانات كبيرة في التعدين والطاقة والصناعة والنقل والسياحة.

عندما نتحدث عن أكثر من 120 مشروعاً بقيمة تقارب ربع مليار دينار، فإننا لا نتحدث فقط عن أرقام في الموازنات، وإنما عن سؤال جوهري: كيف يمكن تحويل الإنفاق العام إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة؟

مشروع إيصال الغاز الطبيعي إلى الروضة الصناعية يمكن أن يصبح أحد عناصر تحسين البيئة الاستثمارية، وخفض كلف الإنتاج، ورفع القدرة التنافسية للصناعة، وتهيئة الظروف أمام استثمارات جديدة توفر فرص العمل لأبناء المحافظة.

وفي الشيدية، تبدو الفرصة أكبر. فالمشاريع المرتبطة بالفوسفات والاستثمارات التي تتجاوز ملياراً وربع مليار دينار يمكن أن تشكل نواة لمنظومة صناعية واقتصادية لا تتوقف عند استخراج الثروة، وإنما تمتد إلى التصنيع والخدمات والنقل والصيانة وسلاسل التوريد والخدمات اللوجستية.

وفي قطاع المياه، فإن تخصيص 50 مليون دينار لمشاريع المحافظة يحمل دلالة تتجاوز الجانب الخدمي؛ فالمياه هي أساس الاستقرار، وأحد أهم شروط أي توسع عمراني أو صناعي أو زراعي.

وفي الصحة، فإن توسعة مستشفى معان الحكومي، بما تضمه من عيادات خارجية وبنك للدم، تعكس وجهاً آخر من وجوه التنمية. فالتنمية ليست طرقاً ومصانع فقط؛ الإنسان هو غايتها الأولى.

ثم يأتي النقل والبنية التحتية، ومشروع ميناء العقبة – معان البري، ليضيف بعداً لوجستياً مهماً. فالموقع الجغرافي لا يصبح ميزة اقتصادية تلقائياً؛ بل يحتاج إلى بنية تحتية تربطه بمراكز الإنتاج والأسواق والموانئ.

لكن ثمة بعداً آخر ربما يكون الأكثر أهمية في صناعة المستقبل: التحول الرقمي.

ولو قدر لنا أن نصل إلى المستوى الحقيقي من التحول الرقمي، وأن نوظف الذكاء الاصطناعي والبيانات الحكومية بالشكل الذي تتيحه التكنولوجيا اليوم، فإن أثر المشاريع التنموية يمكن أن يتضاعف.

هذا هو جوهر النهضة التي يمكن أن يصنعها الأردن إذا جمع بين موارده البشرية، وموقعه الاستراتيجي، وإمكاناته الاقتصادية، والتكنولوجيا الحديثة.

إن ما يجري في معان اليوم يمكن أن يكون نموذجاً لما نريده في جميع محافظات المملكة: دولة تنزل إلى الميدان، تستمع، تخطط، تنفذ، وتقيس النتائج؛ وتنمية لا تكتفي ببناء المنشآت، وإنما تبني الإنسان والاقتصاد والمعرفة.

فالطريق إلى المستقبل لا تصنعه المشاريع وحدها، مهما بلغ حجمها، وإنما تصنعه القدرة على ربط هذه المشاريع ببعضها، وربطها بالإنسان، وربطها بالبيانات، وربطها برؤية واضحة للمستقبل.

ومعان، بما تملكه من تاريخ وثروات وموقع وإمكانات، تستحق أن تكون أكثر من محافظة تستقبل مشاريع حكومية، تستحق أن تكون نموذجاً لمحافظة تُبنى فيها منظومة اقتصادية متكاملة، وتتحول فيها الموارد إلى فرص، والمشاريع إلى إنتاج، والبيانات إلى قرارات، والتكنولوجيا إلى قوة دفع حقيقية للتنمية.


مواضيع قد تهمك