احمد ذيبان : الجنائز الجماعية في غزة
خلال الأسابيع القليلة الماضية، تمكنت فرق الدفاع المدني في قطاع غزة من انتشال مئات الجثث لشهداء من تحت أنقاض بيوت مدمرة، ولم يكن الانتظار أياماً أو أسابيع، بل امتد لأكثر من عامين ونصف، قبل أن يحين موعد الوداع الأخير، إذ شيّع الفلسطينيون شهداءهم من عائلات أبو شريعة والحساينة وملكة، وعائلتي البلعاوي وسلميو، في جنازات جماعية تُعد من بين أكبر الجنازات التي شهدها القطاع منذ بدء حرب الإبادة الجماعية.
ولا يمثل المشهد مجرد مراسم دفن طال انتظارها، بل يعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر المجازر دموية خلال الحرب على غزة، بعدما ظلت عشرات الجثامين عالقة تحت الأنقاض، في حين بقيت عائلات كاملة تنتظر لحظة مواراة أبنائها الثرى.
في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، ارتكب جيش الاحتلال مجزرة في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، أسفرت عن استشهاد 308 فلسطينيين من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بينهم 40 طفلاً و30 امرأة و7 أشخاص من ذوي الإعاقة، وفي الفترة نفسها ارتكب مجزرة أخرى في حي الزيتون، بينهم 60 طفلاً.
ويختصر المشهد جانباً من الكلفة الإنسانية الهائلة التي خلفتها حرب الإبادة على قطاع غزة، حيث لا تزال آلاف العائلات تبحث عن أبنائها، أو تنتظر انتشال جثامينهم من بين ركام المنازل المدمرة.
وقبيل انطلاق مراسم تشييع الشهداء، تصدرت صور الضحايا وأسماؤهم منصات التواصل الاجتماعي، حيث استعاد ناشطون تفاصيل المجزرة التي طالت العائلات، معتبرين أن الجنازات الجماعية تجسد حجم المأساة الإنسانية التي خلفتها الحرب، وهي من بين أكبر المشاهد الجنائزية في تاريخ القضية الفلسطينية خلال العقود الأخيرة.
وركز كتّاب وناشطون على البعد الإنساني للجنازة، معتبرين أنها تختزل معاناة عائلات فلسطينية عاشت انتظاراً طويلاً لمعرفة مصير أبنائها، وأن غزة "تستخرج جثث أبنائها من تحت الركام بعد سنوات من الإبادة"، وهو ما يثير سؤالاً تراجيدياً: أي قلب يحتمل هذا الألم؟
والواقع أن المأساة لا تتوقف عند تشييع جثامين العائلات المكلومة، بل تمتد إلى مئات الضحايا الآخرين الذين لا تزال جثامينهم مفقودة، ولا يُعرف مصيرها حتى اليوم، رغم مرور سنوات على وقوع المجازر.
ويمكن تخيل معاناة العائلات التي اضطرت للبحث، بأيديها، بين الركام لانتشال جثامين ذويها، في ظل نقص المعدات الثقيلة.
وحسب رئيس المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، رامي عبده، فإن نحو 200 من أفراد العائلة لا يزالون تحت الأنقاض، أو أن جثامينهم تلاشت بفعل شدة الانفجارات، مضيفاً أن اللقطات تُظهر رفات 112 فرداً من عائلة أبو شريعة بعد انتشالها.
وعبّر مدونون عن ألمهم إزاء انتظار عائلات بأكملها أكثر من عامين لتتمكن من دفن أحبائها، مؤكدين أن المشهد يعيد إلى الأذهان حجم المعاناة التي يعيشها آلاف الفلسطينيين الذين لا تزال عائلاتهم تبحث عن مفقوديها.
ويأتي تشييع هذه الجنازات في ظل استمرار الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، والتي أسفرت حتى الآن عن استشهاد 1250 فلسطينياً وإصابة 4110 آخرين.
والجدير بالذكر أنه تم التوصل إلى الاتفاق بعد عامين من حرب إبادة جماعية بغزة برعاية الرئيس الأميركي ترامب، وهي الحرب التي بدأتها إسرائيل في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، مما خلّف أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح فلسطيني، معظمهم أطفال ونساء، ودماراً طال 90% من البنى التحتية.
ووفق تقديرات محلية، لا تزال نحو 8 آلاف جثة ورفات لشهداء تحت أنقاض المباني المدمرة في مختلف مناطق قطاع غزة، في ظل عدم توفر المعدات الثقيلة للبحث عن المفقودين، حيث تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشال الجثامين بعد ساعات طويلة من العمل، فيما تمنع قوات الاحتلال إدخال هذه المعدات.
وحملت مشاهد الوداع آثار سنوات من الانتظار، فأمهات وآباء وأبناء وأقارب وقفوا أمام جثامين أحبائهم، بعدما ظلوا عاجزين طوال تلك المدة عن معرفة مصيرهم أو المكان الذي يرقدون فيه، في حين اختلط الحزن بمرارة استعادة الرفات من بين أنقاض المنازل التي دمرتها الحرب.
ومنذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تواصل إسرائيل شن حرب إبادة جماعية ضد أهالي قطاع غزة، رغم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع حماس، مما أسفر عن استشهاد 73 ألفاً و470 فلسطينياً وإصابة 174 ألفاً و540 آخرين، معظمهم أطفال ونساء، وفقاً لأحدث بيانات وزارة الصحة حتى الثاني من سبتمبر/أيلول الجاري.
Theban100@gmail.com