عمون .. أكثر من 20 عاما بصوت الأغلبية الصامتة
عندما ظهرت وكالة عمون الإخبارية على الشاشة لأول مرة في نهاية عام 2004، كانت الصحافة الأردنية تقف على أعتاب مرحلة جديدة. كانت الصحف اليومية الورقية تتصدر المشهد الإعلامي، في وقت كانت فيه مساحة الإعلام الإلكتروني لا تزال محدودة، قبل أن تتحول شبكة الإنترنت لاحقا إلى واحدة من أهم ساحات صناعة الخبر والرأي.
في ذلك المشهد، جاءت عمون كأول صحيفة إلكترونية أردنية، حاملة فكرة مختلفة عن السائد، وقائمة على حلم راود مالكها سمير الحياري طويلا: إنشاء وكالة أنباء خاصة لا تكون أسيرة المصالح الشخصية أو الحسابات الضيقة، وتقدم الخبر كما هو، لتكون رديفا لوكالات الأنباء الرسمية، ولكن من زاوية أخرى؛ زاوية الناس وهمومهم وقضاياهم اليومية.
لم يكن الحلم سهلا. فالشركاء في البدايات، كانوا يصلون الليل بالنهار للعمل على مشروعهم، حتى رأت الصفحة الإلكترونية النور من مقهى في احدى ضواحي العاصمة عمّان، بإمكانات متواضعة وتكلفة لم تتجاوز 100 دولار.
كانت الإمكانات التقنية في البداية محدودة إلى درجة أن الموقع لم يكن قادرا على استقبال أكثر من نحو 100 قارئ في الوقت نفسه، لكن أعداد المتابعين أخذت في الارتفاع يوما بعد يوم، ومعها توسعت الحاجة إلى الاستثمار في الموقع والكوادر والتقنيات، حتى تحولت التجربة الصغيرة إلى واحدة من أبرز المؤسسات الإعلامية الإلكترونية في الأردن.
وفي عام 2005، أُطلقت عمون رسميا من مقرها، لتبدأ مرحلة جديدة من التوسع والنمو، وصولا إلى مؤسسة إعلامية أصبحت لها قيمة وحضور وتأثير في المشهد الإعلامي الأردني.
الزحف نحو حرية الإعلام
منذ بداياتها، اختارت عمون أن توسع مساحة ما يمكن نشره في الإعلام الأردني، وأن تكون نافذة أمام الأخبار والآراء التي لم تجد طريقها بسهولة إلى الصحف الورقية، فصارت ملاذا آمنا لما يُمنع من النشر، ويد تخيط ما تقصه مقصات الرقابة في الصحف الورقية، ومصدرا لحماية السلطة الرابعة، فلا يقصدها متملق بحثا عن تلميع، او مفسد يريد تبييض صفحاته، او متنفذ يبحث عن تصفية حساباته، لأن عمون قررت ألا تبيع الكلمات مهما غلت أثمانها في زمن كل شيء يُباع ويُشترى..
ومع اتساع حضورها، أصبحت المنصة مقصدا لصحفيين وكتاب وباحثين يرغبون في إيصال أفكارهم وآرائهم إلى جمهور أوسع، كما أصبحت بالنسبة إلى كثير من القراء مصدرا سريعا لمتابعة الأخبار والقضايا التي تمس حياتهم اليومية.
لم يكن ذلك الطريق خاليا من الصعوبات. فقد دفعت عمون، مثل غيرها من المؤسسات الإعلامية التي حاولت توسيع هامش النقاش العام، أثمانا في مراحل مختلفة نتيجة مواقفها التحريرية وما نشرته من أخبار وآراء.
وبمرور السنوات، تحولت صفحاتها إلى مساحة التقى فيها السياسي بالصحفي، والخبير بالمواطن، وصاحب الشكوى بالمسؤول، وأصبح نشر المعلومة ومناقشة القضايا العامة جزءا من الدور الذي اختارت المؤسسة أن تلعبه.
وعلى مدار أكثر من 20 عاما، احتضنت عمون مئات الكتاب والصحفيين الذين واصل بعضهم مسيرته في مواقع إعلامية وسياسية وقيادية مختلفة، فيما أصبح عدد من الصحفيين الذين بدأوا أو تطورت تجاربهم في صفحاتها جزءا من المشهد الصحفي الأردني.
منبر للجميع وأرضية للحوار
لم تقتصر تجربة عمون على نقل الأخبار، بل سعت منذ وقت مبكر إلى بناء مساحة للحوار حول القضايا التي تشغل الأردنيين.
فقد استقبلت صفحاتها آراء متعددة، وفتحت المجال أمام الردود والتوضيحات، وسعت في كثير من القضايا إلى تقديم أكثر من رواية، مع الحفاظ على حق الأطراف المعنية في الرد والتعقيب.
وأولت الوكالة القضايا الاقتصادية والخدماتية والاجتماعية والقانونية اهتماما واسعا، إلى جانب الملفات السياسية والثقافية والرياضية، انطلاقا من أن الخبر الذي يعني المواطن لا يقل أهمية عن الخبر السياسي.
كما حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع القراء، سواء من خلال نشر الشكاوى والملاحظات، أو عبر التواصل المباشر، وصولا إلى نشر المناسبات الاجتماعية للأردنيين، من الأفراح إلى الأتراح.
وهكذا لم تعد عمون بالنسبة إلى كثير من متابعيها مجرد موقع لنشر الأخبار، بل أصبحت مساحة يذهب إليها المواطن عندما يريد أن يقول شيئا، أو يبحث عن إجابة، أو يلفت الانتباه إلى قضية يرى أنها تستحق الوصول إلى المسؤول.
عقبات في طريق الحلم
مثل كثير من التجارب الإعلامية في الأردن، لم يكن الطريق أمام عمون مستقيما. فقد واجهت المؤسسة على مدى سنواتها أزمات وضغوطا واختراقات ومحاولات للتأثير في عملها.
لم تكن هذه الأحداث مجرد محطات عابرة في تاريخ المؤسسة؛ فقد اختبرت قدرة عمون على الاستمرار في بيئة إعلامية وسياسية متغيرة، وأجبرتها على تطوير أدوات الحماية التقنية والتحريرية في آن واحد.
المصداقية والمهنية والسرعة
على مدى أكثر من عقدين، بقيت ثلاثة عناصر حاضرة في تجربة عمون: المصداقية، والمهنية، والسرعة.
ومع انتشار عشرات المواقع الإخبارية الأردنية التي ظهرت بعد تجربتها، حافظت عمون على حضورها في المشهد الإعلامي، وأصبحت أخبارها ومتابعاتها مصدرا تعتمد عليه وسائل إعلام أخرى، فيما تحولت بعض الأخبار التي تنشرها إلى مادة للنقاش العام.
وساعدت سرعة النشر والمتابعة المستمرة على مدار الساعة في تكريس الموقع كمصدر إخباري يلجأ إليه القراء، خصوصا مع انتقال الجمهور تدريجيا من الصحيفة الورقية إلى الهاتف والشاشة.
ومع تطور المشهد الإعلامي، لم تعد المنافسة بين المؤسسات الإخبارية قائمة فقط على السبق الصحفي، بل أصبحت تشمل دقة المعلومة، وسرعة الوصول إليها، وطريقة تقديمها، وقدرة المؤسسة على الحفاظ على ثقة الجمهور.
وفي هذا السباق، حاولت عمون أن تحافظ على موقعها من خلال تطوير أدواتها التحريرية والتقنية باستمرار.
تطور مستمر
لم تتوقف تجربة عمون عند كونها أول صحيفة إلكترونية أردنية، بل واكبت التحولات المتسارعة في عالم الإعلام الرقمي.
فدخلت مبكرا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وطورت تطبيقاتها وقنواتها الإخبارية، وأطلقت خدمات للتواصل مع الجمهور، كما وسعت حضورها في المحتوى المرئي والمسموع، وامتلكت سريعا احدث تقنيات التصوير والبث.
ووثقت عمون، عبر برامجها وحواراتها المصورة، أحداث بارزة مرت بها المملكة والمنطقة العربية، كما سجلت بالكلمة والصورة أحداثا ومحطات مهمة خلال العقدين الماضيين.
وإلى جانب الأخبار اليومية، اتجهت المؤسسة إلى إنتاج المواد الوثائقية والتاريخية، محاولة أن تجعل من أرشيفها جزءا من الذاكرة الإعلامية للأردن.
وفي السنوات الأخيرة، بدأت عمون أيضا باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض المجالات التقنية والإبداعية، مثل التصميم والتصوير والمونتاج، مع التأكيد على إبقاء القرار التحريري والعمل الصحفي في يد الصحفي، حفاظا على البعد الإنساني في صياغة الخبر والقصة والتقرير.
أكثر من عشرين عاما
بعد أكثر من 20 عاما على انطلاقتها، لم تعد قصة عمون مجرد حكاية موقع إلكتروني بدأ بإمكانات متواضعة من مقهى في عمّان.
إنها، في جانب منها، قصة التحول الذي أصاب الإعلام الأردني نفسه؛ من عصر الصحيفة الورقية التي كانت تنتظر القارئ في الصباح، إلى شاشة الهاتف التي يصل إليها الخبر في لحظته، ومن غرف التحرير التقليدية إلى فضاء إعلامي مفتوح لا يتوقف.
وخلال هذه الرحلة، مرت عمون بمحطات صعود وأزمات وخلافات ونجاحات، وربحت جمهورا وخسرت آخرين، وأثارت الجدل في أوقات، وأثرت في النقاش العام في أوقات أخرى.
لكن الفكرة التي انطلقت منها لم تتغير: أن تكون هناك مساحة يستطيع فيها المواطن أن يجد الخبر، ويقرأ الرأي، ويطرح السؤال، ويوصل صوته.
ولهذا، فإن "الأغلبية الصامتة" التي اختارت عمون أن تتحدث باسمها لم تكن يوما رقما في إحصاء، بل كانت المواطن الذي لا يملك منبرا، والصحفي الذي يبحث عن مساحة، والخبير الذي يريد أن يقول رأيا، وصاحب الشكوى الذي يريد أن يصل صوته إلى المسؤول.
ومن مقهى صغير في عمّان إلى واحدة من أبرز المنصات الإخبارية في الأردن، قطعت عمون أكثر من عشرين عاما في طريق لم يكن سهلا.
واليوم، تبدو المهمة الأصعب أمامها ليست فقط الحفاظ على ما حققته، بل الحفاظ على السبب الذي أوصلها إليه: أن تبقى قريبة من الناس، حاضرة في اللحظة، دقيقة في الخبر، ومستعدة للحديث عندما يصبح الكلام أصعب.
أكثر من 20 عاما مضت، وما تزال عمون التي اختارت منذ اليوم الأول أن تكون صوتا للأغلبية الصامتة.