علي ابو حبلة : بعد هدم منزله.. أضحت عربته مأواه ومصدر رزقه
لم يكن رياض أرحيّل يتوقع أن تتحول عربة بسيطة إلى عنوان لحياته الجديدة؛ مأوىً يقيه قسوة الظروف، ومكاناً يحاول من خلاله تأمين لقمة عيشه، بعد أن فقد منزله واضطر إلى النزوح من مخيم طولكرم في ظل الظروف الأمنية القاسية التي يعيشها المخيم ومحيطه.
هُدم البيت، وضاعت معه تفاصيل حياة كاملة؛ جدران كانت توفر للأسرة الحد الأدنى من الأمان والاستقرار، تحولت إلى ركام، فيما وجد رياض نفسه أمام واقع لا يترك له كثيراً من الخيارات. لم يجد أمامه سوى عربته، التي لم تعد مجرد وسيلة للعمل، وإنما أصبحت في الوقت ذاته مأوىً ومصدر رزق، تختصر في مساحتها الضيقة حكاية نزوح قسري وفقدان للسكن والعمل والاستقرار.
قصة رياض ليست حالة فردية معزولة، بل صورة تختزل معاناة عشرات الأسر التي وجدت نفسها أمام فقدان مساكنها وممتلكاتها ومصادر رزقها، نتيجة العمليات العسكرية والاقتحامات والدمار الذي طال أجزاء من مخيم طولكرم.
وفي حالة رياض أرحيل، تبدو المفارقة أكثر قسوة؛ فالعربة التي يفترض أن تكون وسيلة للعمل أصبحت مأوىً له، بينما يحاول استخدامها في الوقت نفسه لتأمين مصدر دخل يحفظ له ولأسرته كرامة العيش.
إنها صورة تختزل مأساة الإنسان الفلسطيني حين يفقد بيته، فلا يجد بديلاً سوى مساحة صغيرة من الحديد والمعدن، يحاول أن يجعل منها سقفاً فوق رأسه ووسيلة للبقاء.
من منظور القانون الدولي ، فان الحق في السكن الملائم ليس ترفاً ولا منّة، بل حق أصيل كرسته قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما أن حماية المدنيين وممتلكاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة.
وتحظر قواعد القانون الدولي الإنساني تدمير ممتلكات الأشخاص المحميين ما لم يكن هذا التدمير تفرضه بصورة قاطعة الضرورات العسكرية وفق الشروط التي يحددها القانون. كما أن التهجير القسري للسكان المدنيين محظور من حيث الأصل، ولا يمكن التعامل مع النزوح باعتباره مجرد نتيجة جانبية للأحداث، متى ارتبط بالإكراه أو بالإجراءات التي تجعل بقاء السكان في أماكنهم متعذراً أو غير آمن.
في صورة رياض أرحيل، تختصر العربة أكثر من حكاية. إنها شهادة حية على ما يمكن أن يفعله النزوح بالإنسان عندما يفقد منزله ومصدر رزقه في آن واحد.
ومهما حاول الإنسان التأقلم مع واقعه الجديد، فإن العربة لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن المنزل، كما أن الإغاثة المؤقتة لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحق في السكن الآمن والمستقر.