اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. تركي الفواز : الغذاء يرتفع عالمياً...

أ. د. تركي الفواز : الغذاء يرتفع عالمياً...
أخبارنا :  

لم يعد ارتفاع أسعار الغذاء العالمية مجرد حركة عابرة في مؤشرات الأسواق، بل أصبح تطوراً يستحق التوقف عنده خصوصاً بالنسبة للدول المستوردة للغذاء ومن بينها الأردن، فقد ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة لأسعار الغذاء إلى 133.3 نقطة في آب 2026، بزيادة 1.9% عن تموز و2.5% مقارنة بشهر آب 2025، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أواخر عام 2022. والأهم أن الارتفاع لم يقتصر على سلعة واحدة، بل شمل معظم المجموعات الغذائية الرئيسية، وكان السكر الأكثر ارتفاعاً بقفزة بلغت 11.9% خلال شهر واحد.

 

وتكشف هذه الأرقام عن عودة ما تصفه منظمة الأغذية والزراعة بـعلاوة المخاطر إلى أسواق الغذاء، في ظل تزامن الظروف المناخية القاسية والتوترات الجيوسياسية واضطرابات طرق التجارة والنقل وسلاسل الإمداد، فقد ارتفعت أسعار الحبوب بنسبة 2.2%، والقمح بنسبة 2.6% خلال آب ليصبح أعلى بنحو 15% عن مستواه قبل عام، فيما ارتفعت أسعار الذرة بنسبة 2.5% والأرز بنسبة 0.5% ،كما ارتفعت أسعار الزيوت النباتية بنسبة 1.1%، واللحوم بنسبة 1%، ومنتجات الألبان بنسبة 2.3%، وبالتالي فإن الضغوط الحالية ليست مرتبطة بسلعة واحدة، وإنما بموجة أوسع قد تستمر إذا بقيت عوامل المناخ والجغرافيا السياسية والتجارة العالمية على حالها، بالنسبة للأردن تكمن أهمية هذه التطورات في أن الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد لتلبية احتياجاته الغذائية، بما في ذلك القمح والزيوت والسكر والحبوب، وإذا استمرت الأسعار العالمية في الارتفاع، فقد ترتفع فاتورة الاستيراد وتزداد الضغوط على الميزان التجاري، كما يمكن أن ينتقل جزء من هذه الزيادة إلى أسعار المستهلكين، بما يعزز مخاطر التضخم المستورد ويرفع كلفة المعيشة خصوصاً على الأسر ذات الدخل المحدود.

لكن انتقال الأسعار العالمية إلى السوق المحلية ليس فورياً أو مساوياً لنسبة ارتفاع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة، فالأثر يتوقف على حجم المخزون الاستراتيجي، والعقود المسبقة للاستيراد، وكلفة الشحن، وسعر الصرف، والمنافسة، وسياسات الدعم، ويتمتع الأردن بهامش أمان مهم في القمح، إذ تغطي الكميات المتاحة والمتعاقد عليها أكثر من 10 أشهر من الاستهلاك المحلي ما يخفف من أثر التقلبات قصيرة الأجل، إلا أن هذه الحماية لها كلفة مالية، إذ تبلغ كلفة تثبيت أسعار الخبز في 2026 نحو 139 مليون دينار وقد ترتفع الضغوط على الموازنة إذا استمر ارتفاع أسعار القمح عالمياً، كما قد تظهر آثار أسرع في سلع مثل السكر والزيوت، بينما يحمل ارتفاع أسعار الذرة أثراً غير مباشر لأنها تدخل بصورة رئيسية في الأعلاف، ما قد يرفع لاحقاً كلفة إنتاج الدواجن والبيض واللحوم ومنتجات الألبان، ومع ارتفاع كلفة الغذاء، تضطر الأسر إلى تخصيص جزء أكبر من دخلها للسلع الأساسية، الأمر الذي يضعف القوة الشرائية ويحد من الإنفاق على سلع وخدمات أخرى.

ومع ذلك، لا تعني المؤشرات الحالية أن الأردن أمام أزمة غذائية، فالمخزونات الاستراتيجية ما تزال توفر مستوى جيداً من الأمان، الخطر الحقيقي هو استمرار موجة الارتفاع لعدة أشهر وتزامنها مع ارتفاع كلفة الطاقة والشحن واضطرابات التجارة، لذلك فإن التحدي ليس في منع ارتفاع الأسعار العالمية، وهو أمر خارج قدرة الأردن، بل في الحد من انتقالها إلى السوق المحلية من خلال تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتحسين إدارة المخاطر وسلاسل الإمداد، ورفع كفاءة الإنتاج المحلي وتقليل الفاقد الغذائي، فالأمن الغذائي اليوم لم يعد يعني فقط توافر الغذاء، بل القدرة على تأمينه بصورة مستقرة وبأسعار مقبولة في عالم تزداد فيه الصدمات وعدم اليقين.


مواضيع قد تهمك