اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عامر سبايلة : تجفيف إيران من الخارج.. واستنزافها من الداخل

د. عامر سبايلة : تجفيف إيران من الخارج.. واستنزافها من الداخل
أخبارنا :  

تنتقل الولايات المتحدة اليوم من مجرد تنفيذ عمليات داخل إيران كلما اقتضت الحاجة، إلى إستراتيجية أوسع تقوم على تعميق عزل إيران اقتصاديا وتحويلها إلى "منبوذ اقتصادي"، مع توسيع دائرة الدول التي يُراد إبعادها عن التعامل مع النظام الإيراني.

 

 


وهذه المعادلة تضع طهران أمام تحدٍّ غير مسبوق، خصوصا أن العزلة الاقتصادية تأتي في توقيت تعاني فيه إيران أصلا من أزمة عميقة، وكانت بأمسّ الحاجة إلى انفراجة مالية.

لكن أهمية هذه العزلة لا تكمن في بعدها الاقتصادي فقط، بل في كونها قد تمهّد لعزلة دبلوماسية وسياسية أوسع، بما يضع شرعية النظام نفسه أمام اختبار متزايد.

وفي المقابل، لم تتخلَّ واشنطن عن الخيار العسكري، بل يبدو أن فائض القوة الأميركية يُستخدم بصورة متزايدة في عمليات استباقية ذات طابع استخباري، هدفها منع إيران من إعادة بناء القدرات التي يمكن أن تستخدمها لتهديد الملاحة في مضيق هرمز.

وهنا تحديدا تتآكل إحدى أهم أوراق القوة الإيرانية. فواشنطن تعمل تدريجيا على تجريد طهران من القدرة على تعطيل الملاحة، عبر ضمان ممرات آمنة للسفن، فيما يأتي الرد الأميركي استباقيا كلما ظهرت محاولة لإعادة إنتاج واقع من الاضطراب.

وبالتالي، لم تعد المعركة تدور حول السيطرة على المضيق فقط، بل حول منع إيران من استعادة القدرة على استخدامه كورقة ضغط إستراتيجية.

وفي الوقت نفسه، تبدو الردود الإيرانية غير متكافئة مع العمليات الأمريكية. فما تقوم به واشنطن لا تستطيع طهران مجاراته، كما تواجه صعوبة متزايدة في رفع كلفة الاستهدافات الأمريكية. وينطبق ذلك أيضا على قدرة إيران على استخدام وكلائها لنشر الفوضى. فحزب الله يتعرض لضربات إسرائيلية تستهدف أنفاقه وترسانته ومواقعه، بينما تبدو طهران أكثر حذرا في تحويل ذلك إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

أما في الخليج، فتحاول إيران إثبات امتلاكها القدرة على الضرب، عبر استهداف ساحات مثل الكويت والبحرين، أو اختيار الأردن كجغرافيا بعيدة نسبيا.

لكن الاتجاه العام يبقى واضحا: قدرات إيران على نشر الفوضى أو تعطيل الملاحة تتآكل تدريجيا، وإن لم تُلغَ بالكامل. وهذه ليست بالضرورة خسارة فورية لكل أدوات الضغط، لكنها تعني أن هامش المناورة الذي طالما اعتمدت عليه طهران أصبح أضيق وأكثر كلفة.

الأخطر أن هذا الانحسار يتزامن مع أزمة اقتصادية واجتماعية متفاقمة داخل إيران، لها بعد سياسي واضح يتعلق بالخلاف على السياسات، وعلى إدارة الدولة، وعلى كيفية التعامل مع الأزمة. ومع تراجع قدرة النظام على إدارة الداخل وتلبية احتياجات الناس، يمكن أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى نقطة التحول الأهم في تفجير الداخل الإيراني.

وهنا قد تنتقل الأزمة من الاقتصاد والمجتمع والسياسة إلى الأمن، عبر تحركات داخلية، وعمليات مجهولة الهوية، واغتيالات وتفجيرات أو استهداف لقوى الأمن. وقد يصبح هذا المسار أكثر ارتباطا بالحسابات السياسية في واشنطن وإسرائيل مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، والرغبة في تقديم إنجازات ملموسة.

لكن الأهم أن مثل هذا المسار، إن تصاعد، لن يكون مجرد امتداد للضغط الخارجي، بل قد يحوّل نقاط الضعف الداخلية إلى عامل استنزاف يصعب على النظام احتواؤه.

لذلك، قد تكون الأسابيع المقبلة مرحلة انتقال من الحرب المباشرة إلى الضغط الاستخباري داخل إيران، بهدف استنزاف ما تبقى من قدرات النظام ووكلائه، ودفع أزماته الداخلية إلى نقطة أكثر حساسية. والمعادلة الأهم هنا أن واشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى إسقاط النظام عسكريا؛ يكفي أن تستمر في تقليص قدرته على الحركة خارجيا، وتعميق أزمته داخليا، بحيث يصبح النظام نفسه أمام كلفة متصاعدة لإدارة بقائه.

مواضيع قد تهمك