اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

مالك العثامنة : المشروع الذي يجب أن يبقى

مالك العثامنة : المشروع الذي يجب أن يبقى
أخبارنا :  

قرار إنشاء مصنع للأنابيب الفولاذية وعزلها لخدمة مشروع الناقل الوطني للمياه يستحق أن يُقرأ بما هو أبعد من حدود المصنع نفسه، لأن الفكرة الحقيقية هنا ليست في تصنيع الأنبوب محليا فقط، بل في الطريقة التي يمكن أن نحول بها المشاريع الكبرى من عقود إنفاق إلى أدوات لبناء اقتصاد جديد حولها.

 

 


فالناقل الوطني مشروع بمليارات الدنانير، وسيخلق طلبا واسعا على الهندسة والتصنيع والعزل والنقل والصيانة والطاقة والخدمات، والمنطق الاقتصادي يقول إن على الأردن، ما دام سيدفع هذه الكلفة الكبيرة، أن يسأل منذ البداية: كم يمكن أن يبقى من هذه الأموال داخل الاقتصاد الأردني، وكم معرفة وخبرة وصناعة يمكن أن تبقى بعد انتهاء المشروع؟

من هنا تبدو فكرة مصنع الأنابيب خطوة في الاتجاه الصحيح، خصوصا إذا لم يكن عمر المصنع مرتبطا بعمر الناقل الوطني، بل تحول إلى قاعدة إنتاج تستطيع خدمة مشاريع المياه والغاز والطاقة في الأردن والمنطقة.

لكن المشاريع الإستراتيجية تحتاج إلى شيء آخر لا يقل أهمية عن الحماس لها، وهو العناية الشديدة في اختيار الشركاء والمستثمرين.

وهذه ليست دعوة للتشكيك في مستثمر بعينه، بل إلى تكريس قاعدة يفترض أن تكون ثابتة في كل مشروع كبير: التحقق الدقيق من السجل الصناعي للمستثمر، وملاءته المالية، ومشاريعه المنفذة فعليا، وسمعته في الأسواق التي عمل فيها، فقد تعلمنا من تجارب سابقة أن الاسم الكبير في الإعلان لا يكفي، وأن مذكرات التفاهم لا تصنع مصانع ما لم يقف خلفها رأس مال حقيقي ومعرفة وسجل يمكن اختباره.

وفي صناعة الأنابيب تحديدا، توجد حولنا خبرات عربية متقدمة يمكن الاستفادة منها، وفي مقدمتها الخبرة السعودية التي راكمت خلال السنوات الماضية معرفة صناعية مهمة في الأنابيب المستخدمة في مشاريع المياه والنفط والغاز والطاقة.

ولهذا، فإن وجود حضور سعودي في مثل هذا المشروع، سواء عبر مستثمر مباشر أو شريك صناعي أو تقني، يمكن أن يحمل قيمة تتجاوز رأس المال نفسه، فالأردن والسعودية لا يحتاجان فقط إلى زيادة حجم التجارة بينهما، بل إلى بناء تكامل اقتصادي حقيقي، تتوزع فيه الصناعة والخبرة ورأس المال وسلاسل التوريد بين اقتصادين متجاورين تجمعهما مصالح تتجاوز الحدود.

المطلوب إذن ليس جنسية معينة للمستثمر، بل أفضل مستثمر وأصدق خبرة وأقوى قدرة على نقل المعرفة إلى الأردن، مع إبقاء الباب مفتوحا لشراكات إقليمية تجعل المشروع جزءا من اقتصاد أوسع.

فإذا نجحنا في ذلك، لن يكون الناقل الوطني قد حمل الماء من العقبة إلى المدن فقط، بل سيكون قد ترك على طول الطريق شيئا أكثر استدامة: صناعة وخبرة وفرصا أردنية تبقى بعد أن يوضع آخر أنبوب في مكانه.

ــ الغد

مواضيع قد تهمك