نواف الزرو: قراءة متجددة في مضامين ودلالات وتداعيات استراتيجيات الإبادة الصهيونية المفتوحة…!
نواف الزرو
المؤرخ بابيه يوثق:
-التطهير العرقي في فلسطين شكل أكبر عملية تهجير في التاريخ المعاصر….!
-العقل الصهيوني مليء بالخداع وليس من المستبعد ان يكون هناك مخطط تطهير عرقي قادم-وهو عمليا تحت التنفيذ منذ السابع من اكتوبر/2023″!
-الهدف من الخطة”د” كان الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من أراضي فلسطين وإزالة معظم القرى الفلسطينية والأحياء العربية من مستقبل الدولة اليهودية المنتظرة.
-الصهيونية عرفت الرجال الفلسطينيين الذين تنطبق عليهم تعليمات الفتح بالنار: الذكور ممن تتراوح أعمارهم من عشر سنوات فما فوق.
-السياسات الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين تنبع من الايدولوجيا الصهيونية التقليدية التي تسببت بالنكبة”.
-"إذا احجمت إسرائيل حتى الآن عن مواصلة التطهير فهذا لا يعني أنه ليس هناك خطة تنتظر الوقت المناسب”
-الصهيونية وضعت خطة مكتوبة للتطهير العرقي في فلسطين قبل النكبة بسنوات تم تطويرها مع الوقت إلى أن تبلورت نهائيا فيما يعرف بـ”الخطة د”.
-التطهير العرقي يتواصل حتى اليوم من خلال تضييق الخناق على فلسطينيي القدس والحصار الاقتصادي على سكان الضفة”.
-شيطنة الفلسطينيين وملفات القرى شملت أسماء المخاتير وأئمة المساجد والتجار والوطنيين والمقاومين، إضافة إلى معلومات مفصلة عن الحمائل والصراعات فيما بينها وعلاقاتها مع جاراتها.
لنقرأ المؤرخ الاسرائيلي ايلان بابيه مرة ثانية وثالثة…!
ونحن ما زلنا في فضاءات الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة الفلسطينية، يستحق ذلك الكتاب الذي اصدره المؤرخ الاسرائيلي ايلان بابيه والذي يحمل عنوان”التطهير العرقي في فلسطين”، العرض والنشر والقراءة مرة وثانية وثالثة، نظرا لما يحمله من مضامين ومعطيات في غاية الاهمية الاستراتيجية، وان كنا نشرنا وتحدثنا مرارا عن هذا الكتاب سابقا، فان ذلك لا يعني عدم صلاحية استحضاره بمناسبة النكبة، فهذا الكتاب صالح في كل زمان ومكان، وما استحضاره الا للتذكير دائما -كي لا ننسى-بالسطو الصهيوني المسلح في وضح النهار على فلسطين وبسياسات التطهير العرقي التي مارستها وما تزال الصهيونية ودولتها ضد الشعب الفلسطيني.
لقد نشر كتاب بابيه ونشرت مذكراته..ونشرت شهادته مرارا..وربما يكون قد قرأها الكثيرون، غير انها تتجدد وتصلح للنشر والقراءة في اي وقت واي زمان…!
فربما يكون عنوان "التطهير العرقي في فلسطين” من اهم واخطر العناوين التي يذكرنا بها افيغدور ليبرمان زعيم حزب "يسرائيل بيتينو- اي اسرائيل وطننا”، نظرا لافكاره ومواقفه ومقترحاته ودعواته العنصرية اليمينية الفاشية التطهيرية التي يطلقها تباعا وكأنه يتحدث باسم المجتمع الصهيوني كله، وكان ابرزها دعوته للتخلص من العرب الباقين في فلسطين 48 حيث قال في لقاء له مع صحيفة "ساندي تلغراف”اللندنية :”انه يرغب في ان تكون اسرائيل دولة يهودية وصهيونية ..وانه يجب التخلص من العرب”، وكذلك دعوته لشطب القضية الفلسطينية من القواميس.
يحملنا ليبرمان هنا عبر نفق الزمن الممتد على نحو سبعة عقود ونصف مضت من عمر الدولة الصهيونية الى نهج الابادة الجماعية والتطهير العرقي الذي اقترفته التنظيمات الارهابية الصهيونية قبل قيام "اسرائيل” والذي واصلته وما تزال تلك الدولة على مدار الصراع في فلسطين.
وما يحدث في "إسرائيل” في هذه الايام يعيدنا إلى ذاكرة النكبة والتطهير والى نقطة البداية وهي "تجديد خيار التطهير العرقي”الذي تريد المؤسسة الإسرائيلية اليوم ان تقود الاوضاع اليه .
*خطة مبيتة للتطهير العرقي
في هذه المضامين العنصرية التطهيرية الابادية الممتدة على المدى الزمني المشار اليه، يؤكد بابيه "ارتكاب إسرائيل جرائم تطهير عرقي في فلسطين عام 1948 وفقا لخطة مفصلة، وأنها تواصل ذلك حتى اليوم بطرق أخرى”.
فقد اصدر الدكتور إيلان بابيه وهو محاضر في جامعة حيفا وناشط سلام إسرائيلي كتابا باللغة الإنجليزية في لندن بعنوان”التطهير العرقي في فلسطين” أثبت فيه "تورط إسرائيل بجريمة ضد البشرية عام 48 استنادا إلى وثائق ومراسلات داخلية من أرشيفات تفتح للمرة الأولى” .
وتتجلى أهمية هذا المؤلف بحيازته على وثائق أرشيفية تكشف لأول مرة عن وجود خطة رسمية ومفصلة لإفراغ البلاد من الفلسطينيين بدء ببلورتها قبل سنوات من النكبة.
وتكمن أهمية الكتاب بحقيقة كونه مولودا على يد باحث إسرائيلي واستنادا إلى شهادة إسرائيلية دامغة.
ويؤكد بابيه "أن تنكر إسرائيل حتى اليوم لجريمتها بالتطهير العرقي وطرد الفلسطينيين من ديارهم يحول دون وصول الشعبين لأي تسوية، معتبراً أن هذه لا تنجز بالانسحاب من الأراضي المحتلة عام 67”.
ويرى”أن الطريق الممكنة الوحيدة لإنهاء النزاع يكمن بإقامة دولة ثنائية القومية ذات بنية ديمقراطية حقيقية على أراضي فلسطين التاريخية والسماح لمن يريد من اللاجئين العودة، مشيراً إلى أن إسرائيل لم ولن تكن دولة ديمقراطية.
حسب بابيه فقد وضعت "الصهيونية” خطة مكتوبة للتطهير العرقي في فلسطين قبل النكبة بسنوات تم تطويرها مع الوقت إلى أن تبلورت نهائيا فيما يعرف بـ”الخطة د”.
وتجسد الخطة قرار الصهيونية بإقامة دولة يهودية بقوة السلاح وبتطهير البلاد من سكانها الأصليين، لافتا إلى أن الصهيونية ورغم كل مساعيها الكبيرة ودعم الانتداب البريطاني لها تمكنت من حيازة 5,8% من الأراضي فقط.
والجديد بالبحث أنه يثبت بالدليل الرسمي وجود خطة للتطهير العرقي حيث اعتبرت”الخطة د” لدى المؤرخين خطة للاحتلال فحسب.
ويورد الكتاب رسالة كتبها دافيد بن غوريون لأبنه عام 1937 أكد فيها رؤيته بضرورة طرد العرب من فلسطين عنوة، عندما تحين اللحظة المناسبة كالحرب مثلاً.
وكان دافيد بن غوريون طلب بنفسه، بحسب الدراسة، تصفية شيخ من عائلة أبو ستة من بئر السبع، داخل أراضي عام 48، كما طلب احتلال وتدمير حي الشيخ جراح في القدس.
*الفكرة مع نشوء الصهيونية
وأكد الباحث "أن فكرة التطهير العرقي ولدت مع نشوء الصهيونية إلا أنها حولتها لخطة عندما بات اليهود ثلث سكان البلاد، لافتا إلى أن الخطط "ا”(1930) و”ب” (1946) و”ج” (1947) تتحدث عن ذلك، لكن الخطة "د” (1948) تحدد معالم خطة التطهير العرقي بوضوح وبشكل صريح”.
وشدد بابيه على "أن الحرب عام 48 استخدمت من قبل الصهيونية وسيلة لتطبيق خطة التطهير العرقي بخلاف أبحاث المؤرخين”الإسرائيليين” الجدد الذين اعتبروا أن التطهير جاء نتيجة للحرب”.
ويقول البحث: إن الجيوش العربية دخلت فلسطين من أجل انقاذ أهلها من التطهير وليس للإجهاز على إسرائيل، مشيراً إلى محاذرة تلك الجيوش من دخول حدود الدولة اليهودية وفقا لقرار التقسيم” .
وقامت الخطة على تطويق المدن والقرى العربية من ثلاث جهات وترك الجهة الرابعة مفتوحة لتمكين السكان من النزوح وإطلاق النار على المدنيين وهدم المنازل بالمتفجرات وسرقة الممتلكات بشكل منهجي.
كما تضمنت الخطة اقتراف مذابح ضد المدنيين في الأرياف الفلسطينية لارهاب السكان ودفعهم على الهرب، لافتا إلى أن الصهيونية نفذت مجزرة في بعض القرى قبيل احتلال المدن الكبرى.
وللتدليل على ذلك يشير إلى مذبحة قرية ناصر الدين قبل احتلال طبريا المجاورة ومذبحة عين الزيتون قبيل احتلال صفد المجاورة ومجزرة دير ياسين قبيل مهاجمة الأحياء العربية في القدس الغربية ومجزرة طيرة حيفا قبيل الهجوم على الأخيرة.
ونوه الباحث إلى”أن الصهيونية عرفت الرجال الفلسطينيين الذين تنطبق عليهم تعليمات الفتح بالنار الذكور ممن تتراوح أعمارهم من عشر سنوات فما فوق”.
ويرى بابه أن الأمم المتحدة في حينه لم تفهم حقيقة المخططات الكولينيالية الصهيونية، لافتا إلى أن العالم رأى بضرورة تعويض اليهود عن المحرقة.
ولفت د.بابيه إلى أن الصهيونية خططت لتطبيق برنامجها في غضون ستة شهور لكنها تمكنت من ذلك في كثير من الأحيان بأقل من ذلك بكثير، منوها إلى أنها دمرت 530 قرية وأفرغت11 مدينة من سكانها.
*شيطنة الفلسطينيين وملفات القرى الفلسطينية
وأفاد الكتاب أن الهجاناة اهتمت بزيارة "الضابط السياسي” للوحدات العسكرية من أجل رفع المعنويات قبل كل عملية تهجير من خلال”شيطنة” الفلسطينيين وزرع التحامل عليهم موردا شهادة الوزيرة السابقة شولميت ألوني التي نشطت ضمن صفوف”البلماح” وحدة الكوماندوز التابعة للهجناة.
ويروي الباحث كيف تم استحضار مهاجرين وصلوا من روسيا لميناء حيفا وتم دفعهم مباشرة من السفينة لقرية أم الزينات في الكرمل من اجل احتلالها وتهجيرها، لافتاً إلى أنه كان لابد من اقناع أؤلئك واعدادهم نفسيا لطرد النساء والأطفال من منازلهم وهدم قراهم.
وأضاف”كانت الخطة تقوم بالأساس على معلومات استخباراتية تم خلالها جمع كمية هائلة من المعلومات عن الفلسطينيين منذ سنوات الثلاثين بلغت حد التعرف على عدد السكان وعدد البنادق والأشجار والمواشي والدجاجات بل الثمرات على كل شجرة في القرى الفلسطينية وذلك ضمن آلاف”ملفات القرى”التي أشرف على وضعها الناشط عزرا دانين الذي دس المستعربين في المجتمع الفلسطيني مستغلين حسن الضيافة لجمع المعلومات.
وأشار بابيه إلى أن "ملفات القرى” بدت أكاديمية الصبغة لكنها كانت جزءا من التحضير للتطهير الذي شكل أكبر عملية تهجير في التاريخ المعاصر، وقد شملت أسماء المخاتير وأئمة المساجد والتجار والوطنيين والمقاومين، إضافة إلى معلومات مفصلة عن الحمائل والصراعات فيما بينها وعلاقاتها مع جاراتها.
وأوضح بابه أن القرى العربية التي بقيت داخل أراضي 48 شكل سكانها 10% فقط من سكانها، وأنها نجت من التهجير لعدة أسباب منها قرار القادة الميدانيين بمخالفة الأوامر.
وكشف أنه ” في بعض القرى مثل مجد الكروم قضاء عكا اختلف القائدان على ذلك ولذلك هجر نصف القرية وبقي نصفها الآخر”.
وأضاف”أما القرى التي قطنتها عائلة الزعبي فنجت هي الأخرى بفضل تدخل بعض رموزها لدى قيادة الهجاناة، إضافة إلى الابقاء على بعض البلدات المأهولة بالمسيحيين خوفا من ردود فعل أوروبية وطمعا بتجنيدهم (كالدروز) كما في الناصرة وعيلبون والرامة”.
وتابع”كذلك تدخل اليهود في مستوطنة زخرون يعقوب من أجل الابقاء على قريتي جسر الزرقا والفريديس الساحليتين، كي يواصل أهلهما العمل في أراضي سكان المستوطنة”.
ونوه الكاتب بابيه إلى بقاء قرى وادي عارة بفضل المقاومة الشرسة التي ساهم فيها وجيش الانقاذ الجيش العراقي، الذي وردت اسماؤهم في الكتاب.
وبين أن القوات الصهيونية تعبت في نهاية عام 48 من عمليات التطهير بسبب تراكم الإرهاق، وانه في نهاية العام 48 استطاع البقاء كل من أصر عليه ومن استسلم بسهولة طرد بل وتعرض للمذبحة كما حصل في قرية الصفصاف قضاء صفد”.
ولم أكن أملك مستنداتٍ تُثبت أن إسرائيل، لم تكن تٌخطط لاحتلال بقية المدن الفلسطينية، ولم تكن تجمع صورا وخرائط للمدن الفلسطينية لغرض شن حربٍ عليها وأن الاحتلال والطرد جرى بمحض الصدفة فقط لا غير!
منذ يومين فقط أي يوم 19/5/2011 نشرتْ الفنانة رونا سيلع، وهي يسارية تهتم بفن التصوير، وهي أيضا محاضرة في جامعة تل أبيب في صحيفة هارتس تحقيقا من واقع أرشيف الهاغاناه عن خطة جمع صور ورسومات للقرى والمدن الفلسطينية قبل إعلان دولة إسرائيل بثماني سنوات ، أي في عام 1940 ، وهذا دليل قاطع على أن التهجير كان مُقرَّرا منذ زمن طويل، حتى في نطاق عصابة الهاغاناه، والتي كانت نواة جيش الدفاع الإسرائيلي، وإليكم تفاصيل القصة من صحيفة هارتس بترجمتي:
((بدأت قصة تصوير وتوثيق معلومات عن القرى الفلسطينية من قبل كتيبة الهاغاناه عام 1940، وكانت الهاغاناه هي نواة جيش الدفاع، وقد قام الفريق بتصوير القرى والمدن الفلسطينية لأغراض استخبارية، استعدادا للمواجهات.
وشكلت الصور الملتقطة قاعدة بيانات هامة عن القدس، طرقها وبيوتها، ومبانيها العامة، وآبارها ووديانها، وسمى المشروع (ملفات القرية)
وشملت الصور كل القرى، واشتملت على مخططات ورسومات وصور عن كل قرية من القرى، وجمعت بسريَّة في سرداب في مكان يقع في شارع مابو بتل أبيب باسم المهندس مائير رابينوفتش باسم حركي ( السقف).
جُمعت الوثائق ضمن ملفات الهاغاناه، أما كيف تم التصوير؟
فقد جرى التصوير من الجو، ومن الأرض!!
كان البريطانيون يمنعون ذلك، غير أنه جرى الاحتيال على الأمر باستخدام نادٍ لهواة الطيران، واستخدمت أمرأه وطفلها للتضليل ، وأصبحت المرأة هي أول مصورة إسرائيلية من الجو.
وجرى جمع تفاصيل اجتماعية واقتصادية وتعليمية وزراعية وعسكرية وهندسية عن القرى منذ عام 1940.
ومعظم الذين قاموا بالعملية قد توفوا، وقد قابلتُ بعضهم، وقد أفادوا بأن الفكرة جاءت من شموئيل زالمان من مكتب التخطيط في الهاغاناه، وكان مسؤول فيلق القدس ، ، وكذلك أربيل من كيبوتس ماعوز ، الذي ساهم في إنجاز المشروع ووظَّف الكشَّافة !!! لجمع المعلومات عن القدس، وعن وادي الأردن وبيسان وقال:
” إذا قامت الحرب فيسهل علينا غزو هذه المدن”
وعقدت الهاغاناه دورة للكشافة في قرية شفعا بالقرب من حيفا، ووصف الميجر جنرال المتقاعد موشيه غورنسكي من الهاغاناه أنه تم اختيار أربعة قرى كمثال للتدريب لغرض الهجوم عليها ضمن مخططات جغرافية، باعتبار المباني والطرق ومصادر المياه.
وفي عام 1945 بدأ الكشافة في تصوير المدن كأهداف عسكرية.
قال شيفار في كتابه الذي صدر عام 1994:
” كان الشباب يلتقطون الصور تحت شعار (كشافة متجولين) وكانوا يصحبون معهم الفتيات للتضليل”
قال رئيس قسم الخرائط والذي شارك في الخطة وصار رئيسا لقسم الخرائط:
” لم يظهر المصورون في الصور التي التقطناها حتى لا يعرف البريطانيون المصور، إذا اكتشفوا الأمر”.
وفي نهاية 1945 قرر غورنسكي وشيفار تصوير القرى العربية والمواقع المهمة من الجو لجمع المعلومات استعدادا للمعركة!!!
فقد استدعي آري غلاس من كيبوتس ياغور للمشاركة في التصوير، لأنه كان مصورا جويا مع الألمان في الحرب الأولى، ومعه الطيار في الوكالة اليهودية نويل زوكنبرغ وهو من شركة طيران نادي أفيرون، لكي يصورا المواقع المستهدفة بدون إثارة الشبهات.
وتظاهر المصورون بأنهم أعضاء في نادي أفيرون للطيران، ولبسا ملابس السبت الجميلة في هيئة العشاق، وقامت امرأة وهي ( بلوتكن) ومعها طفلها الوليد بدعوى أنه مصابٌ بالربو، وادعت بأن طفلها يحتاج للطيران في الجو حتى لا يثير شبهة الإنجليز، وقد تم إخفاء الكاميرات والأفلام في حقيبة حفاظات وملابس الطفل:
قالت بلوتكن التي تبلغ اليوم الثالثة والتسعين من عمرها:
” صاحبتهم كغطاء ، ثم أصبحت مصورة، ألصق رأسي بالشباك وأقوم بالتصوير”.
كانت الأفلام تخبأ في مستودع نادي أفيرون في الرملة، وعندما شكَّ البريطانيون في الأمر، كنا نخبئ الأفلام في حقيبة مملوءة بالرمل، ثم نرميها من الجو ونحن على ارتفاع منخفض، قبل الهبوط ونضع للحقيبة علامة فوق مخيم البالماح في كيبوتس نعان، في الرملة، ثم نستقل الحافلات العربية لأنها كانت هي الأقل تفتيشا، ونستعيدها من جديد.
يبدو أن ألفيتنا الثالثة ستكون ألفية الأرشيفات، لغرض كشف الصفحات المطوية في تاريخ العالم، ويبدو أن هذه الألفية سوف تتولى إعادة صياغة تواريخ العالم كله، إلا العالم العربي للأسف الشديد، لأنه ببساطة ما يزال يعتمد التاريخ الشفوي، غير المكتوب، أما تاريخه المكتوب ، فهو تاريخ حكامه وعائلاتهم، لكي يتحول التاريخ إلى قصص وحكايات ، ويدخل في إطار التراث الشعبي الفلكلوري العربي، ويصبح فنا من الفنون، ومادة للتمثيليات التلفزيونية في شهر رمضان!!
وكمثال حديث على احتقارنا للأرشيف ، فقد وجدتُ صعوبة بالغة في البحث عن صورة جوية لغزة قبل عام 2005 ، في وجود المستوطنات، ولغزة نفسها بعد إزالة المستوطنات بأيام قليلة.
وقد فشلت أيضا في إيجاد صورٍ جوية تفصيلية لغزة قبل عملية الرصاص المصبوب، لأقارنها بصورة غزة بعد عملية الرصاص المصبوب 2008- 2009 ، ويبدو أن ذلك عائدٌ إلى عدم وجود طائرات في غزة، وعدم وجود أفلام وكاميرات بسبب الحِصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــار الملعـــــــــون.
*دوافع الكشف عن التطهير العرقي
وبين بابيه في حديث صحفي، أن دوافع كتابة بحثه هذا ترتبط بإثراء المعرفة وبكتابة دراسة تاريخية مهنية إضافة للموقف الأخلاقي، وقال”لا استطيع أن أكتب بشكل بارد حول تطهير عرقي، سيما أن ذلك يتواصل حتى اليوم من خلال تضييق الخناق على فلسطينيي القدس والحصار الاقتصادي على سكان الضفة وغزة”.
ولم يستبعد بابه قيام إسرائيل باستكمال مشروعها بالتطهير العرقي بطرد فلسطينيي عام 48.
وأضاف "إذا احجمت إسرائيل حتى الآن عن ذلك فهذا لا يعني أنه ليس هناك خطة تنتظر الوقت المناسب، فإذا شارك فلسطينيو 48 مثلا في انتفاضة ثالثة، فربما تغلق إسرائيل الجليل استنادا لقانون الطوارئ وتطرد أهاليه ثانية”.
وتابع ” من يريد ادراك كنة السياسات الإسرائيلية اليوم في تعاملها مع الفلسطينيين أينما كانوا لابد من العودة للتاريخ، فهي تنبع من الايدولوجيا الصهيونية التقليدية التي تسببت بالنكبة”.
ويشمل الكتاب صورا من أرشيف "الأونروا” تبدي طوابير النازحين وهي تكاد تخلو من الرجال فيما افرد فصلا لدور الانتداب في التسليح وتدمير القيادات العربية في الثورة الكبرى عام 1936 وإقناع الصهيونية بأن الدولة لا تقام بتسمين المستوطنات فحسب إنما بقوة السلاح.
كما ساهموا بتعزيز القوة العسكرية للهجاناة وتيسير ارفاده بالموارد المالية وبالخرائط التفصيلية وبابلاغ بن غوريون بموعد الجلاء قبل عامين.
ونوه الكاتب إلى استخفاف القيادة الفلسطينية بالمخاطر اعتقاداً بأن نصيب فلسطين من الاستقلال شبيها بالبلدان العربية المجاورة التي كانت تستقل تباعا تلك الايام، لافتا إلى انطلاق الصهيونية بعد الحرب الثانية لتطبيق خطتها.
وأوضح بابيه أن فتح الأرشيفات الحساسة مؤخرا لم ينبع من التقادم الزمني فحسب، انما من استشعار السلطات الاسرائيلية ببلادة احساس الجمهور حيال مأساة الفلسطينيين.
وأضاف” لم يخجل المؤرخ بيني موريس من وضع كتابه "تصحيح خطأ” الذي أعرب فيه عن تفهمه للجرائم الصهيونية عام 48 وهذا مؤشر على جاهزية الإسرائيليين لتقبل معلومات تكشف حجم بشاعات الصهيونية بحق الفلسطينيين”.
*التطهيــر العرقي ودلالاته المختلفة
وكان د.بابيه قد كتب تحليلا نشر على موقع "المشهد الاسرائيلي”يشرح فيه قصة التطهير العرقي فلسطين يقول فيه : لسنوات طويلة بدا مصطلح النكبة- الكارثة الإنسانية- مصطلحا كافيا لتقديم (وصف) كل من أحداث العام 1948 في فلسطين وتأثير تلك الأحداث على حياتنا اليوم. أعتقد أن الوقت قد حان لاستخدام مصطلح آخر وهو التطهير العرقي في فلسطين، فمصطلح النكبة لا يتضمن أية إشارة مباشرة إلى من يقف وراء الكارثة، بمعنى: يمكن لأي شيء أن يسبب دماراً في فلسطين ويمكن أن يكون ذلك الفلسطينيون أنفسهم. لكن لن يكون الأمر كذلك عند استخدام مصطلح التطهير العرقي، فهذا المصطلح يتضمن اتهاماً وإشارة مباشرين إلى مرتكبيها، ليس فقط في الماضي وإنما في الحاضر أيضا. والأهم من ذلك بكثير أنها تربط سياسات، مثل تلك التي أدت إلى دمار فلسطين في العام 1948، بأيديولوجية معينة، خصوصًا وأن تلك الأيديولوجية ما زالت الأساس لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين أينما حلّوا – أي حيث تتواصل النكبة- أو بتعبير أكثر دقّة وقوّة حيث يتصاعد التطهير العرقي، بحلول الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة، آن الأوان لاستخدام مصطلح التطهير العرقي بوضوح ودون أي تردد، باعتباره أفضل مصطلح قادر على وصف عملية طرد الفلسطينيين في العام 1948.
*التطهير جريمة اقترفها مجموعة مجرمين
ويضيف بابيه: ان التطهير العرقي هو جريمة وأولئك الذين ارتكبوها هم مجموعة من المجرمين، في العام 1948، أصبحت قيادة الحركة الصهيونية حكومة لإسرائيل وارتكبت جرائم ضد الشعب الفلسطيني، وقد كانت الجريمة جريمة تطهير عرقي، التطهير العرقي ليس مصطلحا غير رسمي ولكنه اتهام يتضمن منطلقات سياسية وقانونية وأخلاقية عميقة الأبعاد، أما معنى هذا المصطلح فقد تم تفسيره أثناء معالجة نتائج الحرب الأهلية التي دارت في البلقان في التسعينيات من القرن الماضي، حيث هدف كل فعل من أفعال المجموعة العرقية المعينة إلى طرد المجموعة العرقية الأخرى بهدف تحويل منطقة مسكونة من قبل أعراق مختلطة إلى منطقة نقية عرقيا وهذا ما أطلق عليه التطهير العرقي، ويصبح الفعل سياسة تطهير عرقي بغض النظر عن الأساليب المستخدمة لتحقيقه، كل وسيلة- ابتداء من الإقناع والتهديد وصولا إلى الطرد والقتل الجماعيين- تبرر إسناد هذا المصطلح لتلك السياسات. بالإضافة إلى ذلك فإن السلوك نفسه يحدد التعريف به، ولذا اعتبرت بعض السياسات، سياسات تطهير عرقي من قبل المجتمع الدولي حتى في الحالات التي لم تكتشف أو تفضح فيه خطة أساسية لتنفيذ ذلك، وبناء عليه فإن ضحايا التطهير العرقي هما كلا المجموعتين: التي هجرت جراء الخوف أو أولئك الذين طردوا بالقوة كجزء من عملية متواصلة، وتوجد التعريفات والمراجع المذكورة آنفا على الصفحات الإلكترونية لوزارة الخارجية الأميركية وصفحات الأمم المتحدة، تلك هي التعريفات الأساسية التي وجهت محكمة العدل الدولية في لاهاي عندما شرعت في محاكمة أولئك المسؤولين عن تنفيذ عمليات التطهير العرقي باعتبارهم أناسا ارتكبوا جرائم ضد الإنسانية.
*الخطة "د” …
ويوضح بابيه كذلك: كان هدف إسرائيل في العام 1948 جليّا كما كان واضح المعالم ومباشرا في الخطة "دالت” التي تبنتها القيادة العليا لمنظمة الهاجاناة (المنظمة اليهودية السرّية الأساسية في مرحلة ما قبل دولة إسرائيل) في آذار عام 1948، كان الهدف هو الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من أراضي فلسطين الانتدابية وإزالة معظم القرى الفلسطينية والأحياء العربية من مستقبل الدولة اليهودية المنتظرة، كان التنفيذ أكثر انتظاما وشمولية مما توقعته الخطة، ففي مدة لا تتجاوز السبعة أشهر دمرت 531 قرية كما أفرغت أحد عشر تجمعا سكانيا مدنيا، وقد رافق الطرد الجماعي مجازر وعمليات اغتصاب وسجن للرجال (عرّف الرجال بأنهم الذكور الذين تجاوزوا العاشرة من العمر) في معسكرات العمل لفترات تجاوزت السنة، ويمكن أن تطلق كل هذه الصفات على سياسة التطهير العرقي. وبشكل أكثر تحديدا فان سياسة التطهير العرقي كما عرّفتها الأمم المتحدة تهدف إلى تحويل منطقة مسكونة من قبل أعراق مختلطة إلى مساحة تتميز بالنقاء العرقي، حيث تعتبر كافة الوسائل مبررة لتحقيق ذلك، ويصنّف القانون الدولي مثل تلك السياسة على أنها جريمة ضد الإنسانية حيث تعتقد وزارة الخارجية الأميركية أن تصحيح تلك الجرائم يتم فقط عبر إعادة كافة الناس الذين هجروا أو طردوا بسبب عمليات التطهير العرقي إلى ديارهم.
*اسرائيل وحدها المسؤولة عن مشكلة اللاجئين
تشير المضامين السياسية لمثل هذا الخطاب إلى أن إسرائيل وحدها هي المسؤولة عن خلق مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وأنها وحدها تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن تلك المشكلة دون غيرها، أما المدلول القانوني فيفيد أنه حتى في حالة زوال”بعد هذه الفترة الطويلة”عن معظم من ارتكبوا أفعالا يمكن أن توصف كجرائم ضد الإنسانية، فإن الفعل نفسه ما زال جريمة لم يقف أحد أمام العدالة جراء ارتكابها، أما المدلولات الأخلاقية فتشير بالتأكيد إلى أن الدولة اليهودية قد ولدت جراء خطيئة- حالها كحال الكثير من الدول طبعا- ولكن الخطيئة أو الجريمة ما زالت طيّ التنكر والنكران، تعترف بعض الدوائر الإسرائيلية أنها الأسوأ، ولكنها بنفس الوقت تبررها بوعيها المستدرك وباعتبارها سياسة مستقبلية تمارس ضد الفلسطينيين أينما كانوا.
لقد تجاهلت النخبة السياسية الإسرائيلية كافة هذه الدلائل، وبدلا من ذلك استقت عبرة مختلفة من أحداث 1948 مفادها: أن بإمكان إسرائيل كدولة، طرد نصف السكان وتدمير نصف قراهم والخروج من ذلك دون أي خدش أو انتقاد، أما نتائج تلك العبرة فكانت المواصلة الحتمية لسياسة التطهير العرقي بوسائل أخرى، ميّزت تلك العملية مفاصل معروفة تماماً، كطرد عشرات القرى بين 1948 و1956 من إسرائيل وإجبار 300 ألف فلسطيني من الضفة الغربية وقطاع غزة على الرحيل القسري، وما يحدث في منطقة القدس الكبرى بشكل مقنن ولكنه متواصل.
*العبر السياسية
وطالما أن العبر السياسية لم يتم استيعابها بعد، ستبقى بعض النزعات والمشاعر الانتقامية قائمة في الجانب الفلسطيني، أما الاعتراف القانوني بنكبة عام 1948 باعتبارها خطوة تطهير عرقي فسيجعل العدالة التعويضية أمراً ممكناً، تلك هي العملية التي تمت مؤخرا في جنوب أفريقيا، فالاعتراف بشرور الماضي لا يهدف إلى إحضار المجرمين للعدالة، ولكنه يهدف إلى إحضار الجريمة إلى محكمة ووعي الجماهير، أما الحكم النهائي في هذه الحالة فلن يكون انتقاميا- لن يكون هنالك عقاب- بل سيكون تعويضيا، حيث سيتم تعويض الضحايا، لقد نطقت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بالتعويض الأكثر منطقية في حالة اللاجئين الفلسطينيين تحديدا وذلك في كانون أول عام 1948، متمثلا بقرارها رقم 194 والذي يقضي بالعودة غير المشروطة للاجئين الفلسطينيين وأسرهم إلى موطنهم الأصلي (وبيوتهم حيث كان ذلك ممكنا).
وطالما أن العبرة الأخلاقية لم يتم تعلمها بعد ستواصل دولة إسرائيل وجودها كجيب عدواني في قلب العالم العربي. وستبقى أيضا آخر ما يذكّر بالماضي الاستعماري، الأمر الذي لا يعقّد فقط العلاقة بين الإسرائيليين والفلسطينيين ولكن بين الإسرائيليين وكافة شعوب العالم العربي أيضا، ولأن العبرة الأخلاقية لم تستوعب بعد، يبقى في إسرائيل اليوم تبرير استدراكي للتطهير العرقي وخطر حقيقي يتمثل في محاولة أخرى لاستحضاره.
متى وكيف يمكننا أن نأمل في استيعاب تلك العبر واستخدامها في جهود ترمي إلى إحلال السلام والتصالح في فلسطين؟، أولا وبالطبع فإننا لن نتوقع أن يحدث الكثير ما دامت المرحلة الوحشية الحالية من احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة مستمرة، ومع ذلك فإنه إلى جانب النضال ضد الاحتلال، والتطور الإيجابي لخيار مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها قائم باعتباره الإستراتيجية الأساسية قدما التي يعتمدها المجتمع المدني في المناطق المحتلة وكذلك حركة التضامن العالمية، لا بد من مواصلة الجهود لوضع عملية التطهير العرقي للعام 1948 في مركز اهتمام العالم ووعيه.
ولا يمكن حصر العمل في مكان واحد، والمكان الذي حدثت فيه عمليات التطهير العرقي العام 1948 – إسرائيل اليوم- ليس مستثنى من هذه الخطة، والعمل في داخل أرض النكبة يجب أن يتم بالتنسيق مع أو أن يشمل في الجهد الكلي المبذول في مناطق تواجد الفلسطينيين ومن يساندونهم، وبمساعدة منظمات اللاجئين المهجرين في داخل "إسرائيل” والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية الريادية، وبالتعاون مع مجموعة من النشطاء اليهود، لا بد من المبادرة إلى محاولة جدية لاستحضار ما حدث من تطهير عرقي إلى وعي الجمهور والدفاع بشكل قوي ودون أي تردد عن تنفيذ حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية، ففي مؤتمرين مؤيدين لحق العودة أعلن بعض الباحثين الفلسطينيين واليهود والنشطاء السياسيين على الملأ استنتاجاتهم حول التطهير العرقي من عام 1948 حتى اليوم، كما طرحوا أفكارهم حول أفضل السبل للمضيّ قدما على طريق تثقيف الرأي العام حول المدلولات الكارثية- بالنسبة للفلسطينيين واليهود كما هو بالنسبة للعالم الواسع بكل تأكيد- للنكران المتواصل للتطهير العرقي الذي حدث العام 1948 ورفض قبول حق العودة المعترف به دوليا.
و يختتم بابيه مؤكدا : لا بد لنا – نحن الفلسطينيين والإسرائيليين وكل محبي هذه الأرض- من المطالبة بأن تتضمن كل كتب تاريخنا ما حدث عام 1948 من جريمة ضد الإنسانية، وذلك لإيقاف مواصلة ارتكاب الجريمة الحالية قبل أن يفوت الأوان.
كاتب فلسطيني
Nzaro22@hotmail.com