امينة عوض : التصعيد الأمريكي الإيراني يدخل مرحلة جديدة .. هرمز في قلب المواجهة
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة، بعدما اتسعت الضربات العسكرية لتتجاوز استهداف المنشآت والقدرات الدفاعية والهجومية، إلى الضغط على الاقتصاد الإيراني وحركة الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة أمريكية واضحة لتقليص أوراق القوة الإيرانية وفرض واقع جديد على طاولة التفاوض.
وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ أكثر من 100 ضربة على أهداف إيرانية، شملت أنظمة دفاع جوي ورادارات ومنشآت بحرية ومواقع للاتصالات وقدرات مرتبطة بزرع الألغام، وتركزت بصورة خاصة في جنوب إيران والمناطق المحيطة بمضيق هرمز، بما في ذلك قشم ولارك وبندر عباس وميناءي تشابهار وكونارك. وأسفرت الهجمات، وفق مصادر إيرانية، عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم ضحايا في حفل زفاف بمدينة سيريك.
وتكشف طبيعة الأهداف عن استراتيجية أمريكية تقوم على ما يمكن وصفه بـ"حرب التعمية"، من خلال منع إيران من إعادة بناء شبكة متماسكة للرادارات والمراقبة والدفاع الجوي. فقد أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن استهدفت أنظمة رادار كانت طهران تحاول إعادة بنائها، بهدف حرمانها من القدرة على مراقبة السفن والتحكم في المجال البحري المحيط بالمضيق.
ولم تتوقف المواجهة عند الأهداف العسكرية، إذ اتسعت لتشمل قطاع النفط والنقل البحري، مع تقارير عن استهداف ناقلتي نفط إيرانيتين ضمن سياسة "ناقلة مقابل ناقلة". وتكشف هذه الخطوة عن محاولة أمريكية لحرمان طهران من استخدام صادرات النفط ومضيق هرمز كأداة للضغط، بالتزامن مع تشديد الحصار الاقتصادي عليها.
ويعد مضيق هرمز جوهر المعركة الحالية، نظرًا إلى أهميته الكبيرة في حركة تجارة الطاقة العالمية. وتسعى واشنطن إلى تأمين حركة السفن التجارية عبره، من خلال عمليات مرافقة عسكرية وتطهير بعض الممرات من الألغام، في حين تحاول إيران الحفاظ على قدرتها على تهديد الملاحة باعتبارها إحدى أهم أوراقها الاستراتيجية.
ورغم إعلان واشنطن نجاحها في تأمين عبور عدد من السفن، فإن شركات الشحن والتأمين لا تزال تنظر إلى المنطقة باعتبارها عالية المخاطر، كما أن الحديث الأمريكي عن "السيطرة الكاملة" على المضيق يواجه شكوكًا من خبراء ومسؤولين في قطاع الطاقة والنقل البحري. فاستمرار التهديدات والهجمات وارتفاع تكاليف التأمين يجعل الملاحة المنتظمة عبر المضيق تحديًا مستمرًا.
في المقابل، ردت إيران بهجمات صاروخية وطائرات مسيرة استهدفت، بحسب الرواية الإيرانية، قواعد ومصالح أمريكية في الأردن والعراق والبحرين، بينما أعلنت دول عدة اعتراض صواريخ ومسيّرات. كما توعدت طهران بردود "أشد وأوسع وأكثر تدميرًا"، ما يعكس خطر انتقال المواجهة إلى نطاق إقليمي أوسع.
وبالتوازي مع التصعيد العسكري، تكثف واشنطن الضغط الاقتصادي على إيران، في محاولة لإنهاك قدراتها ومنعها من إعادة بناء الأنظمة التي تستهدفها الضربات. ويبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على استنزاف طويل الأمد، بحيث يتم استهداف القدرات الإيرانية كلما أعادت بناءها، مع إبقاء الضغط على صادرات النفط والموانئ والممرات البحرية.
وهكذا لم تعد المواجهة الأمريكية الإيرانية محصورة في القواعد والمنشآت العسكرية، بل أصبحت معركة على النفط والملاحة والاقتصاد الإقليمي والعالمي. ويبقى مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة؛ فنجاح واشنطن في تحييد قدرة إيران على استخدامه كورقة ضغط قد يمثل تحولًا استراتيجيًا كبيرًا، بينما قد يؤدي استمرار طهران في تهديد الملاحة إلى إطالة أمد الحرب وتوسيع نطاقها.
وفي ظل التصعيد المتبادل، تبدو المنطقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ إن أي ضربة جديدة أو رد غير محسوب قد يدفع المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع، يصعب احتواء تداعياتها العسكرية والاقتصادية.