داود حميدان : حب الوطن.. مسؤولية نعيشها وعطاء نقدمه
بقلم :داود حميدان
عندما نتحدث عن الوطن، لا أتحدث عن أرض نعيش عليها فقط، بل عن تفاصيل رافقتنا منذ الصغر، عن أهل وذكريات وبيوت وشوارع ومدارس وأماكن شكلت جزءاً من حياتنا. لهذا فإن حب الوطن بالنسبة لنا ليس مناسبة أو عبارة نكتبها في منشور، وإنما إحساس يظهر في مواقفنا وفي طريقة تعاملنا مع مجتمعنا، وفي مقدار ما نحاول أن نقدمه لبلدنا.
الوطن يبقى حاضراً في حياة الإنسان مهما تغيرت الظروف، فهو المكان الذي يحمل ذكرياتنا الأولى، والهوية التي نعتز بها، والمساحة التي نعيش فيها أحلامنا وطموحاتنا. ولذلك فإن المحافظة عليه وخدمته ليست مسؤولية جهة أو مؤسسة بعينها، وإنما مسؤولية يشترك فيها جميع أبنائه، كلٌّ من موقعه وقدرته.
واليوم، نحن كشباب أمام مسؤولية حقيقية، فالأردن يحتاج إلى طاقات أبنائه وأفكارهم وعملهم، ويحتاج إلى جيل يؤمن بأن خدمة الوطن تبدأ من تطوير الإنسان لنفسه، ومن السعي للتعلم والنجاح واكتساب الخبرة، ثم وضع هذه المعرفة في خدمة المجتمع.
لقد أصبح تطوير الذات بالنسبة للشباب أمراً لا يمكن تأجيله، في ظل ما يشهده العالم من تغير مستمر في مجالات التعليم والعمل والتكنولوجيا والإعلام والاقتصاد. ومن واجبنا أن نواكب هذه المتغيرات، وأن نبحث عن المعرفة، وأن نطور مهاراتنا، وأن نستفيد من الفرص المتاحة أمامنا، حتى نكون قادرين على القيام بدورنا بالشكل الذي يليق بطموحاتنا وبحاجة وطننا.
والشباب الأردني اليوم يمتلك الكثير من القدرات والطاقات، وهناك نماذج عديدة لشباب استطاعوا أن يثبتوا أنفسهم في مجالات مختلفة، وأن يحققوا حضوراً مميزاً داخل الأردن وخارجه. وهذا يؤكد أن الإمكانات موجودة، وأن ما نحتاجه هو الاستمرار في العمل، والاستفادة من الخبرات، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة وتحمل المسؤولية.
وفي هذا السياق، فإن التوجيهات الملكية التي ركزت على الشباب وتمكينهم وتعزيز حضورهم في مختلف المجالات، تعكس أهمية الدور الذي يمكن أن يقوم به الجيل الجديد في مسيرة الدولة والمجتمع. وهذه الثقة يجب أن تكون حافزاً للشباب حتى يعملوا على تطوير أنفسهم، وأن يتعاملوا مع الفرص والمسؤوليات بجدية، وأن يكونوا شركاء في صناعة الحلول وليسوا مجرد متلقين لها.
أنا أؤمن بأن لكل شاب دوراً يمكن أن يؤديه، مهما كان تخصصه أو موقعه. فليس المطلوب من الجميع أن يسلكوا الطريق نفسه، وإنما أن يقدم كل شخص أفضل ما لديه في المجال الذي يستطيع أن ينجح فيه. الطالب يخدم وطنه باجتهاده، والموظف بإتقانه لعمله، والإعلامي بمسؤوليته ومصداقيته، والمهندس والطبيب والمعلم والعامل وكل صاحب مهنة من خلال ما يقدمه في مجاله.
كما أن خدمة الوطن لا ترتبط دائماً بالمشاريع الكبيرة أو الإنجازات التي تحظى بالاهتمام الإعلامي. أحياناً تبدأ من سلوك بسيط، مثل احترام القانون، والمحافظة على الممتلكات العامة، ومساعدة الآخرين، واحترام الاختلاف، والحرص على أن يكون الإنسان عنصراً إيجابياً في المكان الذي يعيش ويعمل فيه.
ومن المهم أيضاً أن ندرك أن حب الوطن لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن التحديات التي تواجه مجتمعنا، بل أن نتعامل معها بعقل ومسؤولية، وأن نبحث عن الحلول الممكنة، وأن نبتعد عن التشاؤم الذي لا يقدم شيئاً، وعن الانتقاد الذي لا يرافقه أي محاولة للإصلاح.
نحن كشباب نملك فرصة حقيقية لصناعة جزء من مستقبلنا، لكن هذه الفرصة تحتاج إلى عمل وصبر واستمرارية. النجاح لا يأتي في يوم واحد، وتطوير الإنسان لنفسه يحتاج إلى وقت وتجارب وأخطاء نتعلم منها. المهم ألا نتوقف عن المحاولة، وألا نسمح للظروف أن تمنعنا من السعي نحو ما نطمح إليه.
المجتمع ينتظر منا العمل والبناء والعطاء والإخلاص، وينتظر أن نكون عند مستوى المسؤولية التي نحملها. والمسؤولية الوطنية لا تبدأ عندما يصل الإنسان إلى منصب أو موقع معين، وإنما تبدأ من الآن، من المكان الذي يقف فيه، ومن العمل الذي يقوم به، ومن الطريقة التي يتعامل بها مع الناس والوطن.
وفي النهاية، يبقى الوطن أكبر من أن يكون مجرد كلمة، وأغلى من أن يكون مجرد شعار. هو المكان الذي ننتمي إليه، والذاكرة التي نحملها معنا، والمسؤولية التي تنتقل من جيل إلى جيل.
ومن واجبنا نحن الشباب أن نبني أنفسنا أولاً، وأن نكتسب العلم والخبرة، وأن نعمل على تطوير قدراتنا، لأن الإنسان القادر على تطوير نفسه يكون أكثر قدرة على خدمة مجتمعه ووطنه.
حب الوطن أن نعمل من أجله عندما نستطيع، وأن نعطيه من وقتنا وجهدنا ومعرفتنا.