د. حسين سالم السرحان : . حسين سالم السرحان
إنها ثقافة اجتماعية عميقة، تتداخل فيها قيم العشيرة والأسرة والدين والمروءة والوطنية. فالتهنئة في المجتمع الأردني ليست مجرد كلمات مجاملة، والتعزية ليست مجرد واجب اجتماعي، والزيارة ليست مجرد بروتوكول؛ إنها كلها آليات لإنتاج التضامن الاجتماعي وإعادة تأكيد أن الفرد ليس وحده في أفراحه وأحزانه وتحولاته.
وفي علم الاجتماع يمكن النظر إلى هذه الممارسات بوصفها نوعاً من التكافل الرمزي؛ فالمجتمع لا يقدم للإنسان في هذه المناسبات دعماً مادياً بالضرورة، لكنه يمنحه شيئاً بالغ الأهمية: الاعتراف والتقدير والانتماء.
فثمة أوطان تُقاس قوتها بما تملك من مؤسسات، وأخرى بما تملك من ثروات، أما الأوطان العظيمة فتُقاس أيضاً بما يسكن أهلها من قيم؛ بالوفاء، والمروءة، والتراحم، وحفظ الجميل.
ولعل من أجمل ما في الأردن أن الأردنيين يعرفون كيف يهنئون، كما يعرفون كيف يودعون. ففي مناسبات الفرح لا يترك الأردني أخاه وحيداً، وفي لحظات الرحيل لا يسمح له أن يغادر موقعه دون أن يقول له الناس:
شكراً، لقد كنت بيننا، وتركْت أثراً.
وهذا ما بدا جلياً في مشهد الفريق الركن المتقاعد يوسف أحمد الحنيطي، الذي صدرت الإرادة الملكية السامية بترفيعه إلى رتبة فريق وإحالته إلى التقاعد اعتباراً من الثاني من أيلول 2026، بعد سنوات من تحمّل مسؤولية رئاسة هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي. وقد وجّه جلالة الملك عبدالله الثاني إليه رسالة تقدير وشكر على خدمته، مؤكداً أنه يغادر موقعه بعدما أنجز واجبه باقتدار.
لكن اللافت في هذه المناسبة ليس القرار الرسمي وحده؛ وإنما ما حدث في المجتمع من حول الرجل.
فما إن غادر موقعه حتى وجد الأردنيين يتسابقون إلى تهنئته وتوديعه، وكأن المجتمع أراد أن يقول له إن انتهاء المسؤولية لا يعني انتهاء العلاقة، وإن الكرسي قد يُغادر، لكن السيرة الطيبة تبقى.
وهنا تظهر واحدة من أجمل خصائص الشخصية الأردنية: الفصل بين المنصب وصاحبه.
فالمنصب مؤقت، مهما علا شأنه، أما الإنسان وسيرته وعلاقاته وأثره في الناس فهي التي تبقى. ولذلك فإن الأردنيين كثيراً ما يكرمون الإنسان بعد مغادرته الموقع أكثر مما يكرمونه وهو فيه؛ لأن الوداع يكشف حقيقة المحبة، ويجعل التقدير أكثر صدقاً وتجرداً.
ولذلك تجد الأردنيين يلتقون عند مناسبات الزواج والنجاح والتعيين والترفيع والتقاعد والمرض والوفاة. إنها لحظات يصبح فيها المجتمع أكثر حضوراً من الفرد، ويقول له بصورة عملية: نحن معك.
ومن هنا يمكن فهم الحفاوة بالفريق الحنيطي في هذه المناسبة باعتبارها أبعد من مجرد تهنئة برتبة عسكرية جديدة؛ إنها رسالة اجتماعية تقول إن من خدم الدولة سنوات طويلة لا يخرج من الذاكرة بمجرد خروجه من الوظيفة.
والأجمل أن الأردنيين لا يحتفلون فقط بمن يصل إلى موقع المسؤولية، بل يحتفلون أيضاً بمن يغادره إذا ترك وراءه احتراماً في النفوس.
وهذه قيمة تستحق أن نتوقف عندها، ففي كثير من المجتمعات تكون لحظة الوصول هي لحظة الاحتفاء، أما في المجتمع الأردني فإن لحظة الرحيل قد تكون أكثر صدقاً؛ لأن الناس في تلك اللحظة لا يملكون مناصب يطلبون منها منفعة، ولا ينتظرون قراراً، ولا يطرقون باب مسؤول. إنهم يأتون لأنهم يريدون أن يقولوا: شكراً.
ولذلك فإن صورة الأردنيين وهم يحيطون بمن غادر موقعه ليست صورة اجتماعية عابرة؛ إنها صورة لوطن يعرف قيمة الرجال الذين خدموه.
وما أجمل الأردن عندما تتحول المناسبات العامة إلى مناسبات للوفاء!
وما أجمل الأردنيين عندما تكون التهنئة تعبيراً عن المحبة، والوداع تعبيراً عن الوفاء، والزيارة تعبيراً عن التراحم، وحفظ السيرة الطيبة شكلاً من أشكال رد الجميل.
إن الرجل الغانم لا يحتاج إلى منصب كي يكرمه الناس.
يكفي أن يغادر منصبه، حتى يعرف ماذا ترك في قلوبهم.
وهكذا يكون الوداع في الأردن شهادةً اجتماعية أخرى: أن المناصب تنتهي، لكن الرجال الذين خدموا وطنهم بإخلاص لا تنتهي مكانتهم.
فطوبى لوطنٍ يكرم أبناءه في مواقعهم، ويحتفي بهم عند مغادرتها، ويحفظ لهم في ذاكرته ما قدموه.
وطوبى للأردنيين، الذين ما زال فيهم من المروءة والوفاء ما يجعل التهنئة جسراً للمحبة، والوداع عنواناً للوفاء.
ما أجمل وطننا في الوداع والتهنئة… وما أجمل أن يغادر الرجل المنصب، ويبقى في قلوب الناس.
حمى الله الأردن عزيزًا منيعًا