محمد القرارعة : مؤسسة الإقراض الزراعي .. عندما يتحول التمويل إلى صناعة للتنمية
في وطنٍ يدرك جيداً أن الأرض ليست مجرد مساحة للزراعة، بل مصدر للحياة والإنتاج والاستقرار، تكتسب المؤسسات التي تدعم القطاع الزراعي أهمية تتجاوز حدود العمل الإداري والمالي. وفي مقدمة هذه المؤسسات تقف مؤسسة الإقراض الزراعي باعتبارها أحد أهم روافع التنمية الزراعية والريفية في الأردن.
فالحديث عن مؤسسة الإقراض الزراعي ليس حديثاً عن مؤسسة تمنح القروض وتنهي معاملاتها عند توقيع العقود، بل هو حديث عن مؤسسة ارتبط عملها بشكل مباشر بحياة المزارع الأردني، وبمشاريعه وطموحاته وتحدياته، وعن دور وطني يمتد أثره من الحقول والمزارع إلى الأسواق والاقتصاد والمجتمعات المحلية.
لقد أثبتت التجربة أن الزراعة لا يمكن أن تنهض دون تمويل، وأن المزارع مهما امتلك من خبرة وإرادة، يبقى بحاجة إلى أدوات مالية تساعده على تطوير مشروعه، وشراء مستلزمات الإنتاج، وإدخال التقنيات الحديثة، والتوسع في أعماله. ومن هنا جاءت أهمية مؤسسة الإقراض الزراعي كجسر يربط بين طموح المزارع وإمكاناته وبين القدرة على تحويل ذلك الطموح إلى مشروع منتج على أرض الواقع.
لكن القيمة الحقيقية للمؤسسة لا يجب أن تُقاس فقط بعدد القروض التي تقدمها أو حجم التمويل الذي تضخه في السوق، وإنما بحجم الأثر الذي تتركه في حياة الناس. فالقرض الذي يساهم في إنشاء مشروع زراعي ناجح ليس مجرد رقم في تقرير مالي، بل قد يكون مصدر رزق لأسرة، وفرصة عمل لشاب، ودعماً لامرأة منتجة، وزيادة في حجم الإنتاج الوطني.
وهنا تكمن فلسفة العمل التنموي الحقيقي؛ أن يتحول التمويل من مجرد عملية مالية إلى أداة لصناعة التنمية.
الأردن اليوم بحاجة إلى قطاع زراعي أكثر قدرة على مواجهة التحديات. فشح المياه، وارتفاع كلف الإنتاج، والتغيرات المناخية، وصعوبة التسويق، كلها تحديات تفرض التفكير بأساليب جديدة. ولم يعد كافياً أن نقدم للمزارع تمويلاً تقليدياً، بل أصبح من الضروري أن يرتبط التمويل بالتكنولوجيا الحديثة، وكفاءة استخدام المياه، والمشاريع ذات القيمة المضافة، والقدرة على الوصول إلى الأسواق.
ومن هنا يبرز الدور المتجدد الذي يمكن أن تقوم به مؤسسة الإقراض الزراعي في المرحلة المقبلة، ليس فقط كممول، وإنما كشريك حقيقي في التنمية الزراعية.
إن المؤسسة تمتلك مقومات مهمة تؤهلها للقيام بهذا الدور؛ خبرة طويلة، وانتشار جغرافي، وقرب من المجتمعات الريفية، وفهم لطبيعة القطاع الزراعي. وهذه المقومات، عندما تقترن برؤية إدارية حديثة، قادرة على إحداث نقلة حقيقية في مفهوم التمويل الزراعي.
وفي هذا السياق، جاء عمل المؤسسة بقيادة مديرها العام المهندس محمد البلاونة ليؤكد أهمية الإدارة التي تنظر إلى المؤسسة باعتبارها جزءاً من المشروع التنموي الوطني، وتسعى إلى تطوير أدوات العمل وتعزيز الشراكات والاقتراب أكثر من الميدان الزراعي.
فالقيادة الناجحة لا تُقاس بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على قراءة الواقع، وفهم التحديات، وتحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة.
ولعل من أهم ما تحتاجه مؤسساتنا التنموية اليوم هو الخروج من النمط التقليدي في الإدارة، والاقتراب أكثر من المواطن والمستفيد والمشروع على أرض الواقع. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى من يشرح له شروط التمويل، بل يحتاج إلى مؤسسة تفهم طبيعة مشروعه وتحدياته، وتساعد في توفير حلول واقعية تمكنه من الاستمرار والنجاح.
إن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن المؤسسة العامة تقف إلى جانبه، وأنها شريك في نجاحه وليست مجرد جهة إدارية تقدم خدمة وتنتهي مهمتها.
وفي المناطق الريفية والبادية، تزداد أهمية هذا الدور. فالمشاريع الزراعية الصغيرة والمتوسطة يمكن أن تتحول إلى محرك اقتصادي حقيقي إذا ما توفر لها التمويل المناسب والرؤية السليمة والدعم المستمر. وكل مشروع ناجح في قرية أو منطقة ريفية يعني دورة اقتصادية جديدة، وفرص عمل إضافية، واستقراراً اجتماعياً، وأملاً بمستقبل أفضل.
إن مؤسسة الإقراض الزراعي أمام فرصة حقيقية لتعزيز حضورها كواحدة من أهم أدوات التنمية في الأردن. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى المزيد من التمويل الذكي، والمشاريع المستدامة، والشراكات الفاعلة، ودعم الشباب والمرأة، وتشجيع التقنيات الحديثة، وربط التمويل بالفرص الاقتصادية الحقيقية.
كما تحتاج إلى الاستمرار في بناء جسور الثقة مع المزارعين، لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة تنموية. وعندما يثق المواطن بمؤسسته، ويشعر بأنها قريبة من احتياجاته وقادرة على مساعدته، فإن العلاقة تتحول من علاقة ممول ومستفيد إلى شراكة حقيقية في التنمية.
إن الأردن لا يملك ترف تجاهل قطاعه الزراعي. فالزراعة اليوم قضية أمن غذائي، وقضية اقتصاد، وقضية استقرار. وكل دينار يُستثمر في مشروع زراعي ناجح يمكن أن يعود بأضعاف قيمته على المجتمع والاقتصاد.
ولهذا فإن دعم مؤسسة الإقراض الزراعي وتطوير أدواتها وتعزيز قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المرحلة ليس مجرد دعم لمؤسسة، بل هو استثمار في مستقبل القطاع الزراعي الأردني.
إن ما تحتاجه المرحلة هو أن تستمر هذه المؤسسة في التطور، وأن تواصل الاقتراب من الميدان، وأن تكون أكثر مرونة وابتكاراً في أدواتها التمويلية، وأن تضع أثر القرض التنموي في مقدمة أولوياتها وهذا ماتعمل عليه الاداره الحاليه بما يلبي الطموحات كافه وبالتوافق مع رؤية التحديث الاقتصادي.
فالتمويل الحقيقي ليس أن تمنح المال فقط، بل أن تصنع من هذا المال فرصة، ومن الفرصة مشروعاً، ومن المشروع إنتاجاً، ومن الإنتاج تنميةً يستفيد منها الجميع.
وهذه هي المعادلة التي تجعل من مؤسسة الإقراض الزراعي أكثر من مجرد مؤسسة تمويلية، بل مؤسسة تنموية تحمل على عاتقها مسؤولية دعم الأرض والإنسان، والمساهمة في بناء مستقبل زراعي أكثر قوة واستدامة للأردن.