المحامي اسامة البيطار : من يفتّش المقعد الأخير؟
توفي طفل في الخامسة من عمره، وفق المعلومات الأولية، بعد أن نُسي داخل مركبة لنقل الطلبة وأُغلقت عليه.
التحقيق والقضاء سيحددان المسؤولية في الواقعة، لكن هناك سؤالًا لا يجوز أن ينتظر:
كيف يمكن في عام 2026 أن تبقى حياة طفل معلقة بذاكرة شخص واحد؟
هذا السؤال يعيد إلى الأذهان قضية مشابهة شهدتها أبوظبي عام 2017، وكنت ضمن الفريق القانوني الذي تولى ملفها أمام القضاء. يومها توفيت طفلة في الرابعة بعد أن تُركت داخل حافلة مدرسية، ووصل النزاع إلى محكمة نقض أبوظبي الإدارية، التي أيدت قرار إغلاق المدرسة، ولم تعتبر الواقعة مجرد حادث فردي، بل مؤشرًا على خلل كبير في متطلبات الأمن والسلامة.
المهم في ذلك الحكم أن المحكمة لم تقف عند الشخص الذي نسي الطفلة، بل نظرت إلى المنظومة كلها: ترخيص الناقل، تأهيل السائق، وجود المشرفة، تجهيز الحافلة، وآلية التأكد من خلوها من الطلبة.
بعد نحو تسع سنوات، يعود السؤال نفسه في الأردن.
لدينا قانون للسير، ونظام ينظم خدمات النقل المدرسي، وتعليمات لترخيص مقدمي الخدمة ومواصفات وسائط النقل، إلى جانب منظومة التربية والتعليم. لكن النصوص وحدها لا تكفي إذا بقيت سلامة الطفل مرتبطة بذاكرة شخص.
فلسفة السلامة الحديثة تفترض أن الإنسان قد ينسى، ثم تبني أكثر من حاجز يمنع خطأه من التحول إلى كارثة.
ولهذا يجب أن يكون تفقد المركبة بعد كل رحلة إجراءً إلزاميًا موثقًا، وأن يُسجل صعود الطفل ونزوله، وأن توجد تنبيهات إلكترونية إذا بقي طالب داخل المركبة، مع الاستفادة من الحساسات والكاميرات الذكية.
وهنا يظهر الاستخدام الحقيقي للذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي: ليس فقط في التطبيقات والمؤتمرات، بل في منع مأساة قبل أن تتحول إلى تقرير طب شرعي وملف قضائي.
كما يجب ألا يبقى النقل المتعاقد عليه مباشرة مع الأهالي بعيدًا عن معايير السلامة الصارمة؛ فمن ينقل طفلًا مقابل أجر لا يقدم خدمة نقل عادية، بل يتسلم إنسانًا لا يستطيع حماية نفسه.
لذلك لا يكفي بعد كل حادث أن نسأل من المسؤول؟
السؤال الأهم هو: ما الخلل الذي سمح لخطأ بشري واحد أن يقتل طفلًا؟
القانون الجيد يسأل بعد الحادث: من أخطأ؟
أما التشريع الذكي فيسأل قبله:
كيف نجعل الخطأ غير قادر على قتل طفل؟
وفي بلد نتحدث فيه عن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والمدن الذكية، عيب علينا أن نفقد طفلًا لأن أحدًا نسي أن يفتّش المقعد الأخير