اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

أ. د. وليد المعاني : الابتكار والتميز في الرعاية الصحية .. هل نصنع مستقبل الطب أم نكتفي بمتابعته؟

أ. د. وليد المعاني : الابتكار والتميز في الرعاية الصحية .. هل نصنع مستقبل الطب أم نكتفي بمتابعته؟
أخبارنا :  

عندما نتحدث عن مستقبل الطب، غالباً ما تتجه أفكارنا مباشرة إلى ما هو جديد ومثير: الذكاء الاصطناعي، والجراحة الروبوتية، والطب الشخصي، والأجهزة القابلة للارتداء، وتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت قصير. وهذه كلها، بلا شك، ستغير الكثير في طريقة تشخيص الأمراض وعلاجها ومتابعة المرضى. لكنني أعتقد أن السؤال الأهم لا يتعلق بالتكنولوجيا نفسها، وإنما بما سنفعله بها، وكيف سنستخدمها، وما الذي نريد أن نحققه من خلالها.


فالطب لم يتغير فقط لأن لدينا أجهزة أكثر تطوراً أو برامج أكثر ذكاءً. التغيير الحقيقي يحدث عندما تنجح هذه الأدوات في جعل الرعاية الصحية أفضل وأكثر أماناً وكفاءة، وعندما تساعد الطبيب على أن يكون طبيباً بصورة أفضل، لا عندما تجعل النظام الصحي أكثر تعقيداً.


وهذا التفريق مهم بالنسبة لنا في الأردن. فقد بنينا خلال عقود قطاعاً صحياً له مكانته، وتخرجت لدينا أجيال من الأطباء والممرضين والكوادر الصحية، وتطورت جامعاتنا ومستشفياتنا ومراكزنا التخصصية. ولدينا اليوم خبرة لا يستهان بها. لكن المحافظة على ما بنيناه ليست هي التحدي الوحيد أمامنا. التحدي الحقيقي هو: هل نستطيع أن نبني على هذه الخبرة لنصبح جزءاً من صناعة المستقبل الصحي، لا مجرد مستهلكين لما تنتجه الدول الأخرى؟


من التقدم الطبي إلى إعادة تعريف الرعاية الصحية

إذا نظرنا إلى الطب الذي نمارسه اليوم وقارنّاه بما كان عليه قبل خمسين عاماً، يصعب ألا نشعر بحجم التغيير. أصبحت لدينا وسائل تصوير دقيقة للغاية، وتقنيات جراحية تسمح بإجراء عمليات معقدة من خلال تدخلات محدودة، وأدوية تستهدف آليات مرضية محددة، ووسائل تستطيع مراقبة بعض المؤشرات الحيوية باستمرار.


والأهم من ذلك أن الطب بدأ ينتقل تدريجياً من التعامل مع المرض بعد ظهوره إلى محاولة التنبؤ به واكتشافه في مراحله الأولى. ومع تطور علم الجينات والبيانات والذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال فقط: ما المرض الذي يعاني منه المريض؟ وإنما أصبح: هل يمكن أن نعرف مسبقاً من هو الأكثر عرضة للإصابة به، وأن نتدخل قبل أن يصبح المرض مشكلة حقيقية؟


لكن التقدم التقني لا ينبغي أن يجعلنا نخلط بين امتلاك التكنولوجيا وتحقيق التقدم الصحي. فقد يكون لدى مستشفى أحدث جهاز للتصوير، وفي الوقت نفسه يعاني مرضاه من ساعات طويلة من الانتظار. وقد تكون لديه أنظمة إلكترونية متقدمة، بينما لا يستطيع الطبيب الوصول بسهولة إلى المعلومات التي يحتاج إليها. وقد تتكرر الفحوص لأن المعلومات السابقة لم تكن متاحة في الوقت المناسب.


لهذا السبب، لا أرى أن الابتكار الصحي يقاس بعدد الأجهزة التي نشتريها أو الأنظمة التي ندخلها إلى مؤسساتنا. المقياس الحقيقي أبسط من ذلك: ماذا تغير بالنسبة إلى المريض؟


إذا أصبح التشخيص أسرع، والرعاية أكثر أماناً، والهدر أقل، والنتائج أفضل، فقد حققنا شيئاً مهماً. أما إذا أضفنا تقنية جديدة من دون أن تغير شيئاً جوهرياً في تجربة المريض أو نتيجة علاجه، فعلينا أن نسأل أنفسنا إن كان ما قمنا به ابتكاراً فعلاً.


الابتكار يبدأ من المشكلة لا من الجهاز


ربما تكون هذه واحدة من أهم النقاط التي يجب أن ننتبه إليها ونحن نتحدث عن الابتكار. فمن السهل أن نبدأ بالجهاز أو التطبيق أو النظام الجديد، ثم نحاول أن نجد له استخداماً. لكن الطريق الصحيح، في رأيي، يبدأ بالعكس: ما المشكلة التي نريد حلها؟


إذا كان المريض ينتظر طويلاً، فربما لا يحتاج إلى جهاز جديد، بل إلى مسار مختلف داخل المستشفى. وإذا كانت الفحوصات تتكرر دون حاجة، فقد يكون الحل في ربط المعلومات الصحية بطريقة آمنة وفعالة. وإذا كان الوصول إلى اختصاصي صعباً بسبب بُعد المسافة، فقد يكون الطب عن بُعد حلاً أكثر منطقية من بناء منشأة جديدة.


وهنا يصبح مفهوم الابتكار أكثر اتساعاً. ليس ضرورياً أن نخترع شيئاً لم يوجد من قبل. أحياناً يكون الابتكار في أن نفعل ما نفعله اليوم بطريقة أبسط وأسرع وأفضل. وقد يكون في إلغاء خطوة لم تعد لها فائدة، أو في نقل خدمة من المستشفى إلى المنزل، أو في إعطاء المريض قدرة أكبر على المشاركة في رعايته.


الذكاء الاصطناعي والطبيب: تكامل لا إحلال

لا أعتقد أن هناك تقنية أثارت من التساؤلات حول مستقبل الطب أكثر من الذكاء الاصطناعي. وقد أصبح من الممكن بالفعل استخدامه في تحليل الصور الطبية، والتعامل مع كميات ضخمة من المعلومات، واكتشاف أنماط يصعب أحياناً ملاحظتها، وربط أجزاء متفرقة من الملف الطبي، والمساعدة في بعض القرارات السريرية. لكنني لا أرى أن السؤال المفيد هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيحل محل الطبيب. الطب في جوهره ليس مجرد تحليل معلومات. هناك معرفة وخبرة وحكم سريري، وهناك أيضاً علاقة إنسانية بين الطبيب والمريض لا يمكن اختزالها في خوارزمية. السؤال الذي يهمني أكثر هو: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحرر الطبيب من بعض الأعمال التي تستهلك وقته، ليمنحه وقتاً أكبر للقيام بما لا تستطيع الآلة القيام به؟ ألا وهو قضتء وقت أ كثر مع المريض، فإذا نجحنا في ذلك، فقد يكون الذكاء الاصطناعي واحداً من أهم التطورات التي عرفها الطب. أما إذا أدى إلى أن يقضي الطبيب وقتاً أطول أمام الشاشة ووقتاً أقل مع المريض، فنحن ربما استخدمنا التكنولوجيا بطريقة معاكسة للهدف الذي نريده.


فالمريض ليس رقماً في قاعدة بيانات، ولا مجموعة من الصور والنتائج المخبرية. وراء كل ملف طبي إنسان لديه خوف وأسئلة وظروف وحياة كاملة. وربما يكون نجاح التكنولوجيا في الطب مرتبطاً في النهاية بقدرتها على إعادة الإنسان إلى مركز الرعاية، وليس إبعاده عنها.


المريض في مركز النظام

من الأمور التي تغيرت في مفهوم الجودة الصحية خلال السنوات الماضية أن السؤال لم يعد مقتصراً على: هل شُخّص المرض بشكل صحيح؟ وهل أُعطي العلاج المناسب؟ أصبح علينا أن نسأل أيضاً: كيف عاش المريض تجربته مع النظام الصحي؟ هل استطاع الوصول إلى الخدمة بسهولة؟ هل عرف ماذا سيحدث بعد ذلك؟ هل حصل على نتائجه في الوقت المناسب؟ هل كانت هناك استمرارية في رعايته؟ وهل شعر بأن وقته وخصوصيته وكرامته محل احترام؟ فهذه ليست تفاصيل ثانوية. فالمريض الذي يضطر إلى الانتظار طويلاً، أو إلى إعادة الفحص نفسه لأنه لم يجد نتيجة فحص سابق، أو إلى شرح قصته الطبية في كل مرة لطبيب مختلف، قد يحصل في النهاية على علاج صحيح، لكن تجربته مع النظام الصحي لم تكن بالضرورة تجربة جيدة. ولهذا أصبحت تجربة المريض جزءاً من مفهوم الجودة نفسه. الرعاية الصحية ليست إجراءً تقنياً فقط، وإنما علاقة وخبرة وثقة أيضاً.


الأردن: من التميز الطبي إلى الابتكار المؤسسي

لدينا في الأردن ما يمكن أن نبني عليه. وهذا ليس مجرد انطباع، بل حصيلة عقود من العمل في التعليم الطبي والخدمات الصحية. تطورت الجامعات والكليات الطبية، ونمت المستشفيات والمراكز التخصصية، وتكونت لدينا أجيال من الكفاءات التي استطاعت أن تعمل داخل الأردن وخارجه. لكنني أعتقد أن المرحلة المقبلة تتطلب منا شيئاً مختلفاً. لقد عرفنا طويلاً كيف نصنع طبيباً متميزاً، وكيف نبني مؤسسة ناجحة. أما التحدي الآن فهو أن نعرف كيف نجعل المؤسسة نفسها قادرة على الابتكار بصورة مستمرة وهناك فرق كبير بين الاثنين. التميز الفردي مهم، لكنه قد يختفي بخروج صاحبه من المؤسسة (وهناك أمثلة كثيرة على ذلك). أما الابتكار المؤسسي فيبني نظاماً يحتفظ بالمعرفة، ويعلم من التجربة، ويقيس النتائج، ويبحث باستمرار عن طرق أفضل للعمل. ومن هنا تأتي أهمية العلاقة بين الجامعات والمستشفيات ومراكز البحث والقطاع الخاص. المشكلة الصحية تبدأ غالباً من الواقع السريري، وقد يحتاج حلها إلى طبيب ومهندس وباحث ومبرمج وإداري ومستثمر يعملون معاً. وإذا استطعنا أن نوفر البيئة التي تجمع هذه التخصصات، فقد نجد أن لدينا القدرة على إنتاج حلول تتناسب مع احتياجاتنا بدلاً من الاكتفاء بشراء حلول صممت لظروف أخرى.


فرصة للأردن في الاقتصاد الطبي الجديد

قد لا تكون لدينا القدرة على منافسة الدول الكبرى في حجم الإنفاق على البحث والتطوير، ولا أعتقد أن علينا أن نحاول تقليدها في كل شيء، ولكن لدينا نقطة قوة مختلفة: الإنسان. فالأردن يمتلك كفاءات طبية وأكاديمية وهندسية وتقنية يمكن أن تعمل معاً. وربما تكون الفرصة الحقيقية في أن نربط هذه القدرات ببعضها بصورة أفضل. قد تبدأ القصة بمشكلة صحية نواجهها هنا، ثم تتحول إلى فكرة، ومن الفكرة إلى بحث، ومن البحث إلى منتج أو خدمة، ثم يمكن أن تجد هذه الخدمة سوقاً في الأردن والمنطقة. بهذه الطريقة يمكن أن يتوسع مفهوم الاقتصاد الطبي الذي ارتبط لسنوات طويلة بالسياحة العلاجية. فهناك أيضاً اقتصاد يقوم على التعليم الطبي، والبحث، والتقنيات الصحية، والخدمات الرقمية، والحلول المبتكرة وهذه، في رأيي، فرصة تستحق أن ننظر إليها بجدية.


المستشفى الذي يقترب من المريض

من الصعب أن نتوقع كيف سيبدو المستشفى بعد عشرين عاماً، لكن من الواضح أن جزءاً من الرعاية سيخرج تدريجياً من جدران المستشفى. أجهزة المراقبة عن بعد، والأجهزة القابلة للارتداء، وتطبيقات الصحة الرقمية، كلها تجعل من الممكن متابعة المريض في بيته بصورة لم تكن ممكنة من قبل. ولا يعني هذا أن المنزل سيحل محل المستشفى. بل إن الفكرة هي أن يصبح المستشفى أكثر قرباً من المريض، حتى عندما لا يكون المريض موجوداً داخله. يمكن مثلاً متابعة بعض المؤشرات لدى مريض يعاني من مرض مزمن، فإذا ظهرت تغيرات تستدعي الانتباه، وصلت المعلومة إلى الفريق الطبي قبل أن تتفاقم الحالة. عندها يصبح التدخل مبكراً، وربما أمكن تجنب دخول المستشفى أصلاً. وهذا يمثل تحولاً مهماً في فلسفة الرعاية: ألا ننتظر دائماً حتى يصبح المريض مريضاً بدرجة تستدعي التدخل، بل نحاول أن نلتقط التغير في الوقت الذي ما زال فيه بالإمكان منعه أو احتواؤه.


الابتكار الأكبر قد يكون في الوقاية

عندما نتحدث عن الابتكار، ننجذب بطبيعتنا إلى الأشياء الأكثر إثارة. لكنني أحياناً أتساءل: هل سيكون أعظم ابتكار طبي في المستقبل جهازاً جديداً، أم أن يكون لدينا نظام يستطيع منع عدد كبير من الناس من الوصول إلى المرض المتقدم أصلاً؟ فالوقاية والكشف المبكر وطب الأسرة والصحة العامة والسيطرة على عوامل الخطورة قد تبدو أقل بريقاً من الجراحة الروبوتية أو الذكاء الاصطناعي، لكنها ربما تكون أكثر أثراً في صحة المجتمع وفي كلفة الرعاية الصحية. وعليه فالنظام الصحي الناجح ليس هو الذي يعالج أكبر عدد من المرضى فحسب، بل الذي يستطيع أيضاً أن يمنع المرض، وأن يكتشفه مبكراً، وأن يقلل عدد الحالات التي تصل إلى مراحل متقدمة يمكن تجنبها.


الاستدامة أبعد من الحساب المالي

عندما نتحدث عن استدامة الرعاية الصحية، غالباً ما نبدأ من السؤال المالي: كم ستكلفنا الخدمة؟ وهذا سؤال مهم، لكنه ليس السؤال الوحيد. هناك استدامة بشرية تتعلق بقدرتنا على الاحتفاظ بالكوادر الصحية، واستدامة مؤسسية تتعلق بحفظ الخبرة ونقلها، واستدامة بيئية تتعلق باستخدام الموارد وإدارة النفايات، واستدامة معرفية تعني أن التعلم والتحسين لا يتوقفان. حتى تقليل الهدر يمكن أن يكون شكلاً من أشكال الابتكار. تقليل الفحوص غير الضرورية، وتحسين استخدام غرف العمليات والأسرة، وتقليل وقت الانتظار، وتنظيم حركة المرضى والكوادر، كلها أمور قد لا تبدو للوهلة الأولى ابتكارات تكنولوجية، لكنها قد تحدث فرقاً أكبر من بعض التقنيات باهظة الثمن.


التميز ثقافة لا شهادة

لا أعتقد أن التميز يمكن اختزاله في شهادة اعتماد أو في إنشاء قسم للجودة. هذه أمور مهمة، لكنها ليست التميز نفسه. التميز يصبح حقيقياً عندما يتحول إلى طريقة تفكير داخل المؤسسة. عندما لا يتعامل العاملون مع المشكلة باعتبارها حادثة يجب إخفاؤها، وإنما باعتبارها فرصة لفهم ما الذي أدى إليها وكيف يمكن منع تكرارها. وهنا علينا أن نفرق بين الإهمال والخطأ الذي يكشف عن خلل في النظام. المؤسسة التي تستطيع أن تتعلم من أخطائها تصبح أقوى مع الوقت. أما المؤسسة التي تخشى الاعتراف بالمشكلة، فقد تنجح في إخفائها مؤقتاً، لكنها لا تمنع تكرارها. والابتكار يحتاج إلى هذه المساحة من الشجاعة: أن نسأل، وأن نجرب، وأن نقيس، وأن نعترف عندما لا ينجح الحل، ثم نعود ونحاول بطريقة أفضل.


الإنسان قبل التكنولوجيا

كلما تحدثنا عن التكنولوجيا، عدنا في النهاية إلى الإنسان. فأحدث نظام للذكاء الاصطناعي يحتاج إلى طبيب يفهم ما يستطيع أن يفعله وما لا يستطيع. والجهاز المتطور يحتاج إلى ممرض يعرف كيف يستخدمه. والنظام الإلكتروني يحتاج إلى أشخاص يفهمون البيانات ويعرفون كيف يحولونها إلى قرار. ولهذا فإن الاستثمار في التعليم الطبي والتدريب المستمر ليس ترفاً، ولا بنداً يمكن الاستغناء عنه عندما تضيق الموارد. إنه الاستثمار الذي يجعل بقية الاستثمارات ذات قيمة. يمكن أن نشتري أفضل التكنولوجيا، لكننا لن نحصل على أفضل النتائج إذا لم نمتلك الإنسان القادر على استخدامها.


التكنولوجيا تحتاج إلى أخلاق

هناك جانب آخر لا يمكن أن نغفل عنه. فكلما ازدادت قدرتنا على جمع البيانات الصحية وتحليلها، ازدادت مسؤوليتنا عن حمايتها. فالبيانات الصحية ليست مثل أي بيانات أخرى. إنها تمس حياة الإنسان وخصوصيته، ولذلك يجب أن يرافق التقدم التكنولوجي إطار واضح للحوكمة والمسؤولية وحماية الخصوصية. كما ينبغي ألا ننظر إلى نتائج الذكاء الاصطناعي على أنها حقيقة نهائية لا تحتاج إلى مراجعة. الخوارزمية أداة تساعد الطبيب، لكنها لا تعفيه من التفكير والحكم والمسؤولية. فليس كل ما يمكن فعله تقنياً ينبغي أن نفعله طبياً، والقدرة على القيام بشيء لا تعني دائماً أن القيام به هو القرار الصحيح.


أي مستقبل نريد؟

ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في الأردن خلال السنوات المقبلة مختلفاً قليلاً. ليس: ما التكنولوجيا التي نستطيع شراءها؟ بل: ما النظام الصحي الذي نريد أن نبنيه؟ هل نريد نظاماً يعتمد بصورة أكبر على المستشفى، أم نظاماً يستطيع تقديم المزيد من الرعاية في المجتمع والمنزل؟ هل نريد أن نبقى مستخدمين لتكنولوجيا تأتي من الخارج، أم نريد أن نشارك في تطوير حلول تلائم احتياجاتنا؟ وهل نقيس نجاح النظام بعدد المرضى الذين نعالجهم، أم أيضاً بعدد المرضى الذين استطعنا أن نحميهم من الوصول إلى المرض المتقدم؟ هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة تتعلق بالرؤية والاختيار، والإجابة عنها تحتاج إلى تعاون حقيقي بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الصحية، وإلى رؤية تجعل الإنسان نقطة البداية والنهاية.


لقد استطاع الأردن أن يبني خلال عقود قاعدة صحية تستحق التقدير. وربما تكون المرحلة المقبلة فرصة للانتقال من المحافظة على هذا الإنجاز إلى تطويره وإعادة تعريف موقع الأردن في المشهد الصحي الإقليمي. قد يكون الطريق في أن ننتقل من استيراد المعرفة إلى إنتاجها، ومن استخدام التكنولوجيا إلى تطوير الحلول، ومن التركيز على علاج المرض إلى الوقاية منه، ومن الاعتماد على التميز الفردي إلى بناء التميز المؤسسي. فالابتكار ليس هدفاً بحد ذاته، والتكنولوجيا ليست بديلاً عن الطبيب، والتميز ليس شهادة نعلقها على الجدار. كلها أدوات لتحقيق هدف أكثر بساطة وأهمية: أن يحصل الإنسان على رعاية صحية أكثر أمناً وجودة وكفاءة وإنسانية، وأن يكون النظام الذي يقدم هذه الرعاية قادراً على التعلم والاستمرار والتطور. ولهذا، لا أظن أن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا هو: كيف سيكون الطب في المستقبل؟ فالمستقبل بدأ بالفعل، وبعض ملامحه موجود أمامنا اليوم.


السؤال الذي يستحق أن نجيب عنه هو: هل سنكتفي بمتابعة هذا المستقبل، أم سنشارك في صنعه؟ وبالنسبة إلى الأردن، أعتقد أن لدينا من المقومات ما يجعل الإجابة ممكنة. لدينا الخبرة، ولدينا الكفاءات، ولدينا جامعات ومؤسسات صحية، ولدينا جيل شاب يستطيع أن يضيف الكثير. ما نحتاجه هو أن نمنح الابتكار مكانه الحقيقي في رؤيتنا للقطاع الصحي، وأن نخلق البيئة التي تستطيع فيها الفكرة أن تتحول إلى بحث، والبحث إلى حل، والحل إلى قيمة حقيقية للمريض والمجتمع.


في النهاية، لن يكتب مستقبل الطب بالتكنولوجيا وحدها. سيكتبه الإنسان الذي يعرف لماذا يستخدمها، وكيف يستخدمها، ولمن يستخدمها.




مواضيع قد تهمك