م. نضال البيطار : كيف يختار الريادي الأردني المعركة التي يستطيع كسبها؟
يقف كثير من الرياديين الأردنيين، في اللحظة الأولى لولادة أفكارهم، أمام سؤال مصيري يبدو بسيطاً وهو في حقيقته يرسم مستقبل مشروعهم بأكمله: هل أبني منتجاً للمستهلك الفرد (B2C) أم حلاً للشركات والمؤسسات (B2B)؟ هذا الاختيار ليس تفصيلاً تقنياً، بل قرار استراتيجي يحدد فرص التمويل، وسرعة الوصول إلى الإيراد، وقابلية البقاء في سوق تشتد فيه المنافسة يوماً بعد يوم.
وتؤكد الدراسات العالمية المتخصصة أن غياب الحاجة السوقية الحقيقية يأتي في مقدمة أسباب فشل الشركات الناشئة عالمياً، إذ يقف خلف أكثر من ثلث حالات الإخفاق. وهنا تحديداً تظهر قوة نموذج (B2B)؛ فالعميل المؤسسي لا يدفع إلا مقابل قيمة قابلة للقياس، ما يفرض على الريادي التحقق من حاجة السوق مبكراً قبل استنزاف موارده. يضاف إلى ذلك أن (B2B) يوفر إيرادات متكررة وعقوداً أعلى قيمة وعلاقات أطول أمداً، بينما يتطلب (B2C) أحجام مستخدمين ضخمة وإنفاقاً تسويقياً هائلاً قبل تحقيق أي جدوى مالية. ولهذا نرى كبرى المسرّعات وصناديق الاستثمار الجريء توجّه حصة متنامية من محافظها نحو الحلول المؤسسية، لأن مؤشرات نموها أكثر قابلية للقياس والتنبؤ. ولا يبتعد واقع منطقتنا عن هذه القراءة؛ فبيانات "MAGNiTT" تظهر أن استثمارات المنطقة التي بلغت 3.8 مليار دولار عام 2025 تتركز في التكنولوجيا المالية مع صعود واضح لبرمجيات المؤسسات، وهي قطاعات مؤسسية الطابع بامتياز.
في الأردن، تزداد هذه المعادلة وضوحاً. فسوقنا المحلي محدود الحجم بطبيعته، والقدرة الشرائية للمستهلك الفرد ضعيفة نسبياً، وكلفة اكتساب المستخدم عبر الإعلان الرقمي ترتفع باستمرار. وليست هذه الكلفة تقديراً نظرياً؛ فالبيانات العالمية تشير إلى أن كلفة اكتساب العملاء ارتفعت بنحو 60% خلال السنوات الخمس الماضية وفق منصة "Paddle"، فيما تُظهر بيانات "WordStream" أن كلفة العميل المحتمل عبر إعلانات منصات ميتا قفزت بنسبة 21% في عام واحد لتقارب 28 دولاراً، وتقدّر أبحاث "First Page Sage" كلفة اكتساب العميل الفرد الواحد في التجارة الإلكترونية الناشئة بنحو 68 دولاراً؛ أرقام تثقل كاهل أي شركة ناشئة تبيع منتجاً منخفض الهامش لمستهلك محدود الإنفاق. وبحسبة بسيطة توضح حجم التحدي: شركة ناشئة تستهدف 50 ألف عميل فرد ستنفق بهذه المتوسطات ما بين مليونين و3.5 مليون دولار على اكتساب العملاء وحده؛ ما يفوق مجمل ما يمكن أن تجمعه معظم شركاتنا الناشئة في جولاتها الاستثمارية الأولية، علماً أن الممارسات الاستثمارية المتعارف عليها تشترط أن يعيد العميل ما لا يقل عن ثلاثة أضعاف كلفة اكتسابه كي يكون النموذج قابلاً للحياة. وهذا يعني أن مشروع (B2C) المعتمد على السوق المحلي وحده يواجه سقفاً منخفضاً للنمو، ويصبح التوسع الإقليمي شرط بقاء لا خيار رفاهية. في المقابل، يمتلك الأردن ميزة تنافسية راسخة في الكفاءات التقنية وتصدير الخدمات والحلول الرقمية، وقرباً جغرافياً وثقافياً من الأسواق المجاورة المتعطشة للتحول الرقمي، وهي بيئة مثالية لنماذج (B2B) القادرة على العبور من الأردن إلى دول المنطقة. كما أن مسيرة التحول الرقمي الحكومي وحاجة قطاعاتنا المصرفية والصحية والتعليمية إلى الرقمنة تخلقان طلباً مؤسسياً محلياً حقيقياً يصلح نقطة انطلاق للشركات الناشئة قبل عبورها إلى الخارج.
إن قصص النجاح الأردنية تؤكد ذلك؛ فكثير من أبرز صفقات الاستحواذ والتخارج التي شهدها قطاعنا خلال السنوات الأخيرة كانت من نصيب شركات بنت حلولاً مؤسسية في مجالات المدفوعات الإلكترونية وأنظمة نقاط البيع والاتصالات السحابية والتقنية المالية وغيرها، فوجدت طريقها إلى عقود إقليمية ومستثمرين دوليين لأن قيمتها كانت قابلة للقياس والإثبات منذ البداية. ولا ننكر أن نموذج (B2C) أنتج بدوره بعض النجاحات الأردنية اللامعة في المنصات الاستهلاكية والألعاب والمحتوى، بلغت بعض صفقاتها مئات الملايين من الدولارات وأصبحت مصدر فخر للقطاع بأكمله. لكن القاسم المشترك بين هذه النجاحات الاستهلاكية أنها صُممت للإقليم منذ يومها الأول، لا للسوق المحلي وحده.
لا أدعو إلى إغلاق باب (B2C)، فالفرص الكبرى تولد أحياناً من تحولات سلوكية لا يلتقطها إلا المستهلك. لكن الأرقام والتجارب تقول بوضوح لمن يبدأ بموارد محدودة في سوق كسوقنا، يوفر نموذج (B2B) طريقاً أقصر إلى الإيراد، وتحققاً أسرع من صحة الفكرة، وجاذبية أعلى للمستثمرين. ومن يختار (B2C) فليخطط للتوسع الإقليمي من اليوم الأول، وليبن منتجه على ميزة توزيع حقيقية لا على الأمل وحده.
*الرئيس التنفيذي
جمعية شركات تقنية المعلومات والاتصالات الأردنية-إنتاج
ــ الراي