اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

السفير محمد الكايد : ما بعد زيارة الصين

السفير محمد الكايد : ما بعد زيارة الصين
أخبارنا :  

فتحت زيارة جلالة الملك إلى الصين مؤخرا افاقا اقتصادية واستثمارية غير مسبوقة في العلاقة بين الأردن والصين والتي اجرى خلالها جلالة الملك لقاءات عديدة مع مختلف القيادات السياسية والاقتصادية الصينية. وتوجت الزيارة بتوقيع ٢٤ اتفاقية لتمتين الأواصر الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين في مختلف المجالات.


إن زيارة بهذا الحجم وهذا الزخم، وما نتج عنها، تستوجب استعداداً وتحضيرا لترجمة النتائج المرجوة على أرض الواقع بحيث يشعر بنتائجها المواطن الأردني.


كما تستوجب النظر بعين فاحصة على البيت الاستثماري الداخلي ليتمكن من الولوج في الأبواب الواسعة التي فتحتها الزيارة.


ويجب اغتنام هذه الفرصة التي قد لا تتكرر والعمل وفق رؤية استثمارية متناغمة ونهج متطور يتلائم مع الآمال المرجوة منها لاستيعاب استثمارات بحجم الاستثمارات الصينيه المأمولة خصوصا وان الاستثمارات الصينية تختلف ديناميكياتها عن الاستثمارات الأخرى .


هنالك عدد من المجالات القابلة للتطوير في القوانين والتشريعات الناظمة للعمل الاستثماري وهيكليته وطرق اجتذابه فالمشكلة ليست في غياب الفرص في الأردن، بل في قدرة المنظومة الاقتصادية الأردنية على التعامل معها وإدامتها والتركيز على الإنجاز بدل التركيز على الإنشاء وتوجيه البوصلة الإستثمارية الى جهات جديدة.


لا أدعي التخصص الأكاديمي في المجال الاستثماري، ولكن من خلال خبرتي المتواضعة والبسيطة في التعامل عن قرب مع المستثمرين في كل من الكويت والهند والبلاد الأخرى، فهناك عدة أمور يجب اعادة النظر فيها بهدف اعادة تحفيز البيئة الاستثمارية الداخلية لتلافي الجوانب التي اثبتت التجارب عدم ملائمتها وعدم صلاحياتها في جذب الاستثمار.


ومن أهم الجوانب التي ينبغي اعادة النظر فيها هي استقرار البيئة الاستثمارية. فقد تبنى الأردن منذ عام ١٩٩٥ ولغاية الآن عدة قوانين استثمارية حتى وصلنا إلى القانون الحالي. وتمت خلال تلك الفترة إلغاء واعادة خلق وزارة الاستثمار لعدة مرات تحت قيادة وزراء مختلفين يشهد الجميع لهم بالكفاءة.


لكن الاستثمار يحتاج إلى بيئة استثمارية مستقرة وقوانين تغلب عليها صفة الديمومة بشكل أساسي دون الاستغناء عن تعديلات من هنا وهناك إذا كان لا بد منها.


فالمستثمر الأجنبي بحاجة إلى استقرار القوانين والأنظمة، وأن لا يفاجئ بقوانين جديدة كل فترة تربك أعماله ومشاريعه أن التغيير المستمر بقانون الاستثمار، والذي قد يدعي البعض بانه من اجل الأفضل، يسهم في زيادة الحيرة وارتباك المستثمر ويؤثر على خططه المستقبلية والقرارات طويلة الأجل، وقد يلغي أي مشاريع تطويرية مستقبلية.


فإذا كان استقرار النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو إحدى المميزات الرئيسة في الأردن، وسط أقليم مضطرب، فالأحرى أن ينسحب ذلك على الاستقرار الاستثماري أيضا.


من جهة ثانية، فقد حاول قانون البيئة الاستثمارية المعمول به حاليا ايجاد ارضية استثمارية موحدة تتعامل بها مؤسسات الدولة مع قضايا الاستثمار إلا انه لم يعط الأولويات الاستثمارية التي يحتاجها الأردن امتيازات تفوق غيرها مما افقده البوصلة.


فقضايا مثل المياه، الطاقة المتجددة، الذكاء الصناعي الصخر الزيتي وغيرها من الجوانب المهمة للأردن والأردنيين يجب أن تعطى امتيازات وإعفاءات أكثر بكثير من القطاعات الأخرى، بل وأكثر من الامتيازات التي تعطيها الدول المجاورة للأردن، والتي تمتلك خيرات تحت الأرض وفوقها ومقدرات أكبر بكثير من مقدرات الأردن، بحيث صارت هذه الدول تعطي مزايا أكثر وتسهيلات أكبر للمستثمر من تلك التي يعطيها الأردن.


لذا، حبذا لو حدد القانون المصلحة الأردنية الاستثمارية العليا ورتب ما هو مهم وما هو أهم في القطاعات التي يحتاجها الأردن فعلا، وترتيب الامتيازات والاعفاءات بناء على تفصيل يحاكي الاحتياجات الأردنية بكل موضوعية وبكل دقة.


ويبقي السؤال الذي يحتاج اجابة في قانون الاستثمار هو : ماذا يريد الأردن بالضبط من الاستثمارات؟ فهل الهدف هو تشغيل الأردنيين كما نصت المادة (۳) من القانون وخفض البطالة، أم دفع الضرائب لرفد خزينة الدولة، أو نقل التكنولوجيا، أو أي مصلحة اخرى.


من جهة أخرى، لم تحاكي القوانين الاستثمارية العلاقة العكسية التي تربط بين الاستثمار والمشاكل التي يعاني منها الاقتصاد الأردني.


صحيح أن في الأردن فرص استثمارية واعدة ومجدية، ولكن هناك أيضا معيقات جدية امام المستثمر لم يعالجها اي من القوانين، اذ إن حجم السوق الأردني صغير نسبيا ولا يغري الشركات الكبرى بالمقارنة مع الدول المجاورة، اضافةً إلى غلاء المعيشة، وأسعار الطاقة، وافتقار الارض الأردنية للموارد الطبيعية، ناهيك عن البيروقراطية وتفضيل الأردنيين للعمل في الجهاز الحكومي بدلًا من القطاع الخاص حتى بعد تدريبهم وتأهيلهم، وذلك حسب رأي مستثمر كويتي يمتلك أكبر شركة تجزئة في الشرق الأوسط، وهذه كلها تشكل معيقات للاستثمار تجعل المستثمر يتجه إلى اماكن اخرى تتوافر فيها ظروف افضل.


وهناك بعض الحالات التي فشلت فيها الاستثمارات واضطرت إما إلى البحث عن مواطن اخرى أو إلغاء الفكرة من اساسها مثل مصنع السيليكا في الجنوب.


لذا بات من الضروري معالجة هذه الاختلالات بما يضمن تدفق الاستثمارات وديمومتها ويضمن بقاء الأردن في وضع تنافسي مع محيطه.


ولو سلمنا بنجاعة النصوص القانونية في جلب الاستثمارات المنشودة، يبقى تطبيق القانون وطريقة تسويق الفرص قصة اخرى.


ومع تقديري لكل العاملين في الحقل الاستثماري وجهودهم القيمة، إلَّا أنَّ طريقة العمل التقليدية لم تعد مجدية، فلا يكفي الترويج ولا التسويق الدعائي ولا الاستعانة بالـ Power point، فكلها تجاوزها الزمان والمكان، فالمستثمر الحقيقي يريد دراسات وأرقام حقيقة لا منشورات . ويجب على الموظفين العاملين في الحقل الاستثماري ان يستعملوا طرقا اكثر إقناعا للمستثمر عن طريق عمل دراسات جدوى اقتصادية مبدئية للفرص المتاحة بلغات مختلفة لتقديمها للمستثمر المهتم بدلا عن الكلام والشروحات غير المجدية توفيرا للجهد والوقت حتى إذا ما اقتنع المستثمر بالخطوط العريضة المقدمة من الجهة الحكومية المختصة ليباشر بعدها بعمل دراسة جدوى اقتصادية تفصيلية ان الاستثمار يأتي بالإقناع وليس بالترويج، ويكفي أن يقدم للمستثمر دراسات موثقة بدلا عن سلايدات ومنشورات وبالمناسبة فهذا ما نص عليه القانون في المادة السابعة منه الفقرة ب البند ..


وفي ناحية التسهيلات التي لم يذكرها القانون، فيجب استحداث دائرة لوجستية مختصة مهمتها إعداد برامج زيارة المستثمرين ومقابلاتهم، ومرافقة المستثمر من لحظة نزوله من على سلم الطائرة وحتى مغادرته، واصطحابه في كافة جولاته ولقاءاته مع المسؤولين وتقديم وسائل التنقل ) مقابل الاجر ) مما يختصر كثيرا من الجهد والوقت وضمان عدم وقوع المستثمر في براهن البيروقراطية خاصة وان الكثير منهم لا يتكلمون العربية ولا يعرفون الأماكن ولا المواقع ولا المسؤولين. وهذا كفيل ايضا بإبعاد المسترزقين وأصحاب العمولات عن المستثمرين وضمان سير كافة معاملاته بشكل رسمي وقانوني دون الوقوع في الشرك عن طريق تأسيس مسار لوجيستي حكومي.


إضافة إلى ذلك ، وفي الوقت الذي يطالب فيه الجميع بتفعيل دور السفارات في جلب الاستثمارات ، فلم تأت قوانين الاستثمار كلها على ذكر الدور المهم الذي يمكن أن تلعبه السفارات في هذا المجال والمعلومات المهمة التي يمكن للسفارة ان تقدمها لصاحب القرار عن أي مستثمر محتمل ، وملاءته المالية ، ونوع الاعمال التي يقوم بها في بلده . والسمعة التجارية التي يتمتع بها . ولو أنيط هذا العمل بالسفارات لتجنب الأردن كثير من الاستثمارات الغير جادة حيث ان السفارات الأردنية في الخارج هي الأقدر على تقييم أي مستثمر اجنبي وبيان مدى جديته في الاستثمار في الأردن وذلك بالاستعلام الرسمي عن المستثمر وقدرته على الاستمرار في العملية الاستثمارية.


ومن أجل الإنصاف واكتمال التوضيح، فهناك بعض المستثمرين غير الجادين الذين يأتون إلى الأردن ويعقدون اللقاءات الرسمية والصحفية للحديث عن مشاريعهم الاستثمارية لرفع القيمة التجارية لشركاتهم الام ، كذلك فان بعض المستثمرين يبحثون عن الاقتراض من البنوك المحلية لتمويل مشاريعهم دون رصد رأس المال الكافي لها من مقدراتهم. ولا داعي لتعداد الحالات التي ظهرت فيها عدم جدية الاستثمار وكانت مجرد فقاعة استعراضية ومحطة التكرير النفطية في معان التي لم تر النور توضح المعنى . وقد كان كفيلا تجنب هذه الحالات لو تم الاستعانة بالمعلومات الي تسطيع السفارة تقديمها اخذين بالاعتبار العلاقة التشاركية بين دور السفارات ودور وزارة الاستثمار التي تبقى هي صاحبة القرار الاخير في هذا الموضوع.


إن الحديث عن واقع الاستثمار في الاردن ذو شجون. لذا يجب عدم الاكتفاء بالإشادة بزيارة جلالة الملك الناجحة والمميزة إلى الصين بل يجب اعتبارها انطلاقة جديدة تهدف الى ايجاد استراتيجية استثمارية مرنة ومتطورة تأخذ في الاعتبار المنافسة الاقليمية واعادة خلق الأساليب في التعامل مع اي مستثمر لضمان ديمومة ونجاح الاستثمارات على الارض الأردنية. ويجب استثمار زخم الزيارة في خلق واقع اقتصادي منافس فالمستثمر لا يبحث عن شعارات بل بيئة مستقرة . امتيازات تفضيلية ، وتسهيلات كاملة.




مواضيع قد تهمك