اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د.فريال حجازي العساف : بنوك العقول وعصر الرقمنة

د.فريال حجازي العساف : بنوك العقول وعصر الرقمنة
أخبارنا :  

خلال مشاركتي مؤخراً في أحد المؤتمرات الاستراتيجية الهادفة، والتي جمعت نخبة من الخبراء والمتخصصين لمناقشة التداعيات العميقة للتكنولوجيا الرقمية على منظومة حقوق الإنسان، استوقفتني مداخلة ثرية قدمتها شخصية سياسية بارزة تمتلك باعاً طويلاً في العمل الدبلوماسي والسياسي. وقد شدد المتحدث في أطروحته على ضرورة الاستثمار في العقول الاستشارية، وتفعيل دور المراكز البحثية والذاكرة المؤسسية؛ مستخدماً مصطلحاً لافتاً ومحورياً وهو ‹خزانات التفكير› (Think Tanks).

شكل هذا الطرح دافعاً وبوصلة قادتني للبحث والتقصي بشكل أكثر عمقاً وتفصيلاً حول مفهوم هذه ‹الخزانات›، وجذورها التاريخية، ونشأتها، وأبعاد دورها في صياغة السياسات المجتمعية. وانطلاقاً من هذا السياق، سأفرد هذا المقال لتسليط الضوء حصراً على دور خزانات التفكير في مواجهة التغير الرقمي المتسارع، وتحليل أثره المباشر على حاضر البشرية ومستقبلها.»

«تلعب خزانات التفكير دوراً محورياً في تعزيز الكفاءة الاستراتيجية وتحفيز الابتكار داخل المؤسسات المعاصرة؛ حيث تسهم هذه الأطر المعرفية في ترشيد عملية صنع القرار وتطوير الأداء المؤسسي بفعالية.

ومن المنظور التاريخي لنشأة هذه المراكز، لا يمكن إرجاع الفضل في ترسيخ أهميتها إلى شخصية واحدة بعينها، بل تبلور المفهوم عبر محطات زمنية متعاقبة صاغتها مؤسسات وشخصيات وضعت اللبنات الأولى لعصر ‹بنوك العقول›. وتبرز في هذا السياق المبادرة العملية المبكرة للدوق ويلينغتون الذي أسس المعهد الملكي لدراسات الدفاع والأمن (عام 1831، كأول من أشار فعلياً إلى أهمية إيجاد كيانات مستقلة تضم الخبراء لتقديم المشورة العسكرية والاستراتيجية.

أما مصطلح ‹خزان التفكير› بمفهومه المعاصر، فقد برز إبان الحرب العالمية الثانية لوصف الغرف الآمنة والمغلقة التي ضمت الاستراتيجيين العسكريين بهدف وضع الخطط الحربية. ولم يلبث هذا المفهوم أن تبلور مؤسسياً في مرحلة ما بعد الحرب، وكان التأسيس الرسمي لمؤسسة ‹راند› العالمية تجسيداً رائداً لهذا التحول المعرفي والهيكلي.»

يُعد التحول الرقمي من أبرز الظواهر المعاصرة التي تعيد تشكيل البنى الاجتماعية؛ حيث تواجه المجتمعات الإنسانية اليوم تسارعاً تقنياً هائلاً أحدث فجوة تنظيمية وأخلاقية خطيرة. وتتجلى هذه الفجوة في التطور المتسارع لتقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي الفائق والحوسبة الكمية، مقابل بطء شديد في حركة التشريعات والقوانين الحاكمة لها. من هنا، يبرز الدور المصيري لخزانات التفكير باعتبارها مراكز للدراسات والأبحاث العلمية المستقلة لتشكل صمام أمان يسد هذه الفجوة عبر مسارات استراتيجية متعددة.

ويأتي في مقدمة هذه المسارات سد الفجوة التشريعية؛ إذ تعكف هذه المراكز على إعداد مسودات لمشاريع القوانين ضمن أطر تنظيمية مرنة، تضمن حوكمة التكنولوجيا والحد من مخاطرها الوجودية، دون كبح جماح الابتكار أو تعطيل قطاع الأعمال. ويتكامل هذا الدور مع وظيفتها الأساسية المتمثلة في استشراف المستقبل، حيث لا تقتصر أبحاثها على دراسة الواقع التقني الراهن، بل تتنبأ بمآلاته بعد عقود من الزمن؛ كمحاكاة حجم الطاقة المستهلكة لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي بحلول عام 2050. وهو ما يتيح للدول والشركات الكبرى الاستعداد الاستباقي للأزمات الناشئة، كالبطالة التكنولوجية، التهديدات السيبرانية المتقدمة، وفقدان الخصوصية.

ومن جانب آخر، تؤدي خزانات التفكير دوراً حيوياً في مكافحة التضليل المعرفي وتزييف الوعي المجتمعي؛ وذلك من خلال التعاون مع المعاهد التقنية لبناء خوارزميات مضادة تكشف المحتوى المزيف، وتقديم توصيات لمنصات التواصل الاجتماعي لفرض قيود وعلامات مائية رقمية تميز المحتوى البشري عن الاصطناعي، فضلاً عن الحث على تصميم معايير أخلاقية ملزمة لكبرى شركات التقنية لضمان عدم تحيز الخوارزميات وحماية الخصوصية الإنسانية.

وختاماً، يمكن القول إن الشركات التقنية وإن كانت تُمثل محرك التطور المتسارع، فإن خزانات التفكير هي المكابح الذكية ونظام التوجيه (البوصلة) الذي يمنع هذا المحرك من الخروج عن السيطرة؛ فهي بمثابة ‹كوابح الأمان› التي تحول دون تحول الطفرة التقنية إلى كارثة مجتمعية، مستخدمةً البحث العلمي الرصين كأداة لترويض جموح التكنولوجيا وتوجيهها لخدمة البشرية.»


مواضيع قد تهمك