اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. سعيد المصري : عوديد ينون .. من فكر رجل إلى أيديولوجية دولة

م. سعيد المصري : عوديد ينون .. من فكر رجل إلى أيديولوجية دولة
أخبارنا :  

قراءة مقارنة بين نص «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات» وتحوّلات الشرق الأوسط منذ عام 1982


ملخص تنفيذي


تنبع أهمية وثيقة عوديد ينون، المنشورة بالعبرية في شباط 1982 تحت عنوان «استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات»، من أنها صاغت بوضوح شديد تصوراً للأمن الإسرائيلي لا يقوم على التسوية المتكافئة مع دول الجوار، بل على إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بحيث تبقى إسرائيل الدولة الأكثر تماسكاً وتفوقاً، فيما تتحول الدول العربية المحيطة إلى وحدات ضعيفة أو ساحات نفوذ متنازعة. لم يكن النص كتاباً حكومياً أو أمراً عملياتياً، غير أن قيمته التحليلية تتجاوز صفة صاحبه: فهو يجمع في منظومة واحدة أفكاراً ظهرت قبل صدوره واستمرت بعده، مثل منع قيام قوة عربية مركزية، استثمار التناقضات الطائفية والإثنية، ربط السيطرة على الأرض بالهندسة الديمغرافية، وإحلال الهيمنة غير المباشرة محل الاحتلال المكلف.


يفحص هذا البحث المسافة بين خريطة ينون الذهنية وبين ما وقع فعلاً. ولا يفترض أن كل حرب أو انهيار كان تنفيذاً حرفياً لوثيقته، لأن في ذلك اختزالاً لتاريخ المنطقة وللعوامل الداخلية والدولية المتعددة. لكنه يسأل سؤالاً أكثر صلابة: إلى أي مدى أصبحت النتائج التي تمناها ينون جزءاً من البيئة التي سعت السياسات الإسرائيلية إلى إنتاجها أو تثبيتها أو استثمارها، منفردة أو بالتقاطع مع الولايات المتحدة وحلفائها؟ ويظهر التحليل أن أعلى درجات التطابق تقع في فلسطين، حيث كانت الأداة إسرائيلية مباشرة، وفي لبنان بفعل الاجتياح والاحتلال وبناء الحزام الأمني، وفي العراق وليبيا حيث قادت قوى غربية عمليات أسقطت النظامين المركزيين وأنتجت فراغاً سيادياً عميقاً. أما سوريا والسودان واليمن فتكشف حالات مركبة شاركت في تشكيلها قوى محلية وإقليمية ودولية، مع استفادة إسرائيلية واضحة من إضعاف الدولة المركزية.


النتيجة الأهم ليست أن جميع الدويلات التي سماها ينون ظهرت رسمياً، بل أن صيغة أقل كلفة وأكثر مرونة انتشرت: دول تبقى على الخرائط وفي الأمم المتحدة، لكنها ناقصة السيادة، متعددة الجيوش ومراكز القرار، وتتعذر عليها بلورة استراتيجية وطنية مستقلة. وفي المقابل لم تتحقق تصورات أساسية: لم تستعد إسرائيل سيناء، ولم تتفكك مصر أو الأردن أو السعودية، وبقيت تركيا وإيران قوتين إقليميتين. ولذلك يعامل البحث ينون باعتباره مرآة مكثفة لأيديولوجية القوة والتفكيك، لا نبياً سياسياً ولا صاحب مخطط كوني يفسر وحده أربعة عقود من التاريخ.


مقدمة: من النص إلى النموذج الحاكم

ظهر نص ينون في لحظة شديدة الحساسية: الثورة الإيرانية، الحرب العراقية–الإيرانية، السلام المصري–الإسرائيلي، الحرب الأهلية اللبنانية، اشتداد الحرب الباردة، واعتماد إسرائيل الكبير على الولايات المتحدة. كان صاحب النص يرى أن النظام الدولي يتجه إلى صدام على الموارد، وأن العالم العربي الذي أنشأته الحدود الاستعمارية يفتقر إلى التماسك الداخلي. ومن هذه القراءة انتقل إلى وصف التناقضات، ثم إلى اقتراح تحويلها إلى فرصة إسرائيلية. هنا يقع الحد الفاصل بين التحليل المحايد والمشروع السياسي: فهو لا يكتفي بتوقع التفكك، بل يدعو إسرائيل إلى العمل لتسريعه والاستفادة منه.


مصطلح «أيديولوجية دولة» في عنوان البحث لا يعني وجود قرار معلن يجعل نص ينون دستوراً سرياً للحكومات الإسرائيلية. المقصود أن أفكاره الأساسية تحولت، أو كانت أصلاً جزءاً، من نمط متكرر في ممارسة الدولة: منع الخصم من امتلاك قوة حاسمة؛ نقل الحرب إلى أرضه؛ إقامة أحزمة أمنية ومناطق عازلة؛ التعامل مع مكونات ما دون الدولة؛ المحافظة على التفوق العسكري النوعي؛ ومنع الفلسطينيين من تكوين سيادة قابلة للحياة. الأيديولوجيا تُقاس هنا باستمرار المنطق والنتائج، لا بمحضر جلسة حكومية يحمل اسم الكاتب.


يعتمد البحث ثلاث درجات للإسناد. الأولى تنفيذ مباشر مثبت، مثل الاحتلال والاستيطان والضم والضربات الإسرائيلية. والثانية تدخل أميركي أو غربي مستقل في قراره لكنه أفضى إلى نتيجة متقاطعة مع المصلحة الإسرائيلية، مثل غزو العراق أو تدخل الناتو في ليبيا. والثالثة استثمار إسرائيلي لانقسام نشأ أساساً من عوامل محلية وإقليمية أوسع. هذا التمييز ضروري كي لا يتحول نقد القوة إلى نظرية مؤامرة تعفي النخب المحلية والحروب الأهلية والقوى غير الغربية من مسؤولياتها.


الفصل الأول: البنية الفكرية لاستراتيجية ينون

الدولة العربية كبيت من ورق


بدأ ينون من حكم جوهري مفاده أن الدولة العربية الحديثة تركيب اصطناعي أقامته بريطانيا وفرنسا وجمع جماعات متعارضة داخل حدود واحدة. رأى في التنوع لا ثراءً اجتماعياً بل صدعاً جاهزاً للاستثمار، واستخدم لبنان دليلاً على أن السلطة المركزية يمكن أن تنهار أمام الطائفة والمنطقة والميليشيا. وبذلك تحولت الهويات الدينية والإثنية في منطقه من حقائق اجتماعية إلى وحدات سياسية بديلة للدولة الوطنية.


هذا التصور يحمل تناقضاً مقصوداً: يعامل إسرائيل باعتبارها دولة قومية يحق لها توحيد اليهود وبناء مركز قوي، بينما يعامل العرب باعتبارهم جماعات أولية يستحيل جمعها في دولة مواطنة. وبهذه الازدواجية يصبح التماسك الإسرائيلي طبيعياً ومشروعاً، فيما يصبح التماسك العربي قشرة مؤقتة ينبغي كسرها. إن جوهر الفكر ليس مجرد تشخيص الهشاشة، بل إنكار حق المجتمعات العربية في تجاوز انقساماتها ضمن دولة وطنية حديثة.


هدفان متكاملان: تحطيم القوة ثم تفكيك المجال

ميّز ينون بين المدى القصير والمدى الطويل. في المدى القصير يجب تحييد القدرات العسكرية للدول التي تستطيع خوض حرب واسعة، ولا سيما العراق وسوريا. وفي المدى الطويل ينبغي إعادة تنظيم المنطقة إلى كيانات متجانسة طائفياً أو إثنياً. فالجيش يُدمَّر أولاً، ثم تتراجع قدرة المركز على فرض القانون، وبعد ذلك تتحول الجماعات الخائفة إلى وحدات تبحث عن حماية خارجية. عند هذه النقطة لا تحتاج إسرائيل إلى احتلال كل الأرض؛ يكفي أن تكون القوة الوحيدة القادرة على الحركة والردع وربط الأطراف بها.


الأرض والديمغرافيا والموارد

جمع ينون بين الأمن والاقتصاد والاستيطان. فقد عارض إعادة سيناء بسبب عمقها ومواردها النفطية، ورأى السيطرة على مرتفعات الضفة والجليل ضرورة في عصر الصواريخ والسلاح النووي، ودعا إلى إعادة توزيع السكان اليهود كي لا يتركزوا في الساحل. لذلك لا يمكن اختزال مشروعه في تقسيم الدول العربية: إنه مشروع لإعادة هندسة المجال كله، داخلياً عبر الاستيطان والتفوق الديمغرافي، وخارجياً عبر إضعاف المراكز المنافسة والتحكم غير المباشر بالموارد والممرات.


الفصل الثاني: فلسطين والأردن – قلب المشروع

تصور ينون

كان الجزء المتعلق بالأردن وفلسطين أكثر أجزاء النص صراحة. دعا ينون إلى زوال النظام السياسي الأردني القائم آنذاك ونقل السلطة شرق النهر إلى الفلسطينيين، بحيث يصبح الأردن هو الدولة الفلسطينية، وتنتهي المطالبة بدولة غرب النهر. رفض الحكم الذاتي والتسوية الإقليمية وتقسيم الأراضي المحتلة، وربط السلام بقبول سيطرة إسرائيل بين البحر والنهر. كما تحدث عن الهجرة والتجميد الاقتصادي والديمغرافي بوصفهما أداتين لتغيير الواقع على الضفتين.


في هذا التصور لا يمثل الأردن تهديداً عسكرياً كبيراً، بل يؤدي وظيفة جغرافية وديمغرافية: استيعاب المسألة الفلسطينية خارج فلسطين التاريخية وتمكين إسرائيل من الاحتفاظ بالضفة. ولذلك يتجاوز الخطر حدود شعار «الوطن البديل» إلى تفكيك العلاقة بين الشعب الفلسطيني وأرضه، وإعادة تعريف النزاع باعتباره بحثاً عن مكان للسكان لا قضية احتلال وحق تقرير مصير.


ما تحقق على الأرض

لم يتحقق هدف إسقاط الدولة الأردنية، بل رسخت معاهدة السلام عام 1994 الاعتراف المتبادل والحدود، وبقي الأردن دولة مركزية ذات هوية وطنية ومؤسسات أمنية متماسكة. غير أن الشق الفلسطيني من الرؤية تقدم بصورة كبيرة: تضاعف الاستيطان، تقطعت الضفة بشبكات الطرق والحواجز والمناطق المصنفة، ضُمت القدس الشرقية عملياً إلى المنظومة الإسرائيلية، وفُصلت غزة سياسياً وجغرافياً عن الضفة. بقيت السلطة الفلسطينية تدير السكان تحت سيادة منقوصة، بينما احتفظت إسرائيل بالحدود والمجال الجوي والحركة وبأجزاء واسعة من الأرض.


أظهرت سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصاً صعود اليمين الديني القومي، انتقال الضم من ممارسة تدريجية إلى خطاب معلن. وأصبح منع الدولة الفلسطينية، وتوسيع السيادة الإسرائيلية في المنطقة المصنفة «ج»، وتشجيع الهجرة من غزة، موضوعات مطروحة علناً. هنا يقترب الواقع من منطق ينون حتى من دون تحقق السيناريو الأردني: سيطرة يهودية بين البحر والنهر، مع فلسطينيين موزعين بين حكم ذاتي محدود، وقطاع محاصر، وشتات واسع.


كان الدور الأميركي حاسماً في توفير الغطاء الاستراتيجي والعسكري والدبلوماسي، وفي إدارة مسار سلام أبقى اختلال القوة قائماً. لكن الولايات المتحدة لم تتبنَّ دائماً أهداف اليمين الإسرائيلي؛ فقد أعلنت رسمياً دعم حل الدولتين، واصطدمت أحياناً بالتوسع الاستيطاني. التوصيف الأدق أن الرعاية الأميركية فشلت في فرض كلفة جدية على تقويض الدولة الفلسطينية، فساعدت بنية التحالف، سواء بقصد أو كنتيجة، على ترسيخ الوقائع التي تخدم المشروع الإسرائيلي.


الفصل الثالث: لبنان – المختبر الأول

لبنان في الخريطة الذهنية

نظر ينون إلى لبنان بوصفه النموذج المكتمل للدولة التي تحللت إلى سلطات طائفية ومناطق مسلحة. لم يكن يريد بالضرورة محو اسم لبنان، بل أن تتحول الدولة إلى غطاء قانوني لمراكز قوة منفصلة، لا يستطيع أي منها تهديد إسرائيل. وقد افترض أن النموذج اللبناني قابل للتعميم على سوريا والعراق ومصر والجزيرة العربية.


الاجتياح والهندسة السياسية

في حزيران 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت إلى بيروت، وسعت إلى إخراج منظمة التحرير وإعادة ترتيب السلطة عبر حلفائها المحليين. ثم قامت منطقة احتلال وحزام أمني في الجنوب استمرا حتى عام 2000. كانت هذه ممارسة مباشرة لمنطق نقل المعركة إلى أرض الخصم، والعمل مع قوى ما دون الدولة، وإنشاء نطاق جغرافي عازل يخضع للنفوذ الإسرائيلي.


لكن النتيجة لم تكن انتصاراً صافياً للرؤية. فقد ساهم الاحتلال في نشوء مقاومة أكثر تنظيماً انتهت إلى صعود حزب الله، الذي أصبح أخطر قوة عسكرية غير دولية تواجه إسرائيل. وبذلك يكشف لبنان حدود استراتيجية التفكيك: إضعاف الدولة لا يلغي القوة، بل قد ينقلها إلى تنظيمات عقائدية أشد التصاقاً ببيئتها وأكثر استعداداً لحرب طويلة. ومع ذلك ظل ضعف الدولة اللبنانية وانقسام قرار الحرب والسلم نتيجة تخدم إسرائيل من زاوية منع قيام جيش وطني مركزي قوي، حتى وهي تعاني من قوة الحزب.

الفصل الرابع: سوريا – من دولة مركزية إلى خرائط نفوذ.


الخريطة التي تصورها ينون

توقع ينون انقسام سوريا إلى كيان علوي على الساحل، وكيان سني في حلب، وآخر في دمشق، وكيان درزي في الجنوب قد يمتد إلى حوران وشمال الأردن. وكان الهدف الطويل إنهاء سوريا بوصفها دولة وجيشاً، بينما يتمثل الهدف العاجل في تحطيم قدرتها العسكرية. تكشف هذه الخريطة رؤيته الطائفية الجامدة للمجتمع السوري وإغفالها التداخل السكاني والهوية الوطنية والمصالح الاقتصادية المشتركة.


الحرب السورية ونتائجها المركبة

منذ 2011 تحولت انتفاضة داخلية إلى حرب متعددة المستويات. دعمت الولايات المتحدة ودول غربية وإقليمية فصائل مختلفة، وتدخلت روسيا وإيران إلى جانب دمشق، وسيطرت تركيا على نطاقات شمالية، وأقامت الولايات المتحدة وجوداً عسكرياً في الشرق بالتعاون مع قوات يقودها أكراد. أما إسرائيل فنفذت مئات الضربات ضد مواقع مرتبطة بإيران وحزب الله والجيش السوري، وكرست ضمها للجولان بمساندة الاعتراف الأميركي الصادر عام 2019.


النتيجة تشبه ينون وظيفياً أكثر مما تطابقه حدودياً: لم تُعلن دول علوية وسنية ودرزية مستقلة، لكن السيادة السورية تكسرت إلى مناطق نفوذ، واستنزف الجيش والاقتصاد، وتضررت البنية التحتية، وخرجت مساحات من القرار المركزي. ولا يمكن إسناد الحرب كلها إلى إسرائيل أو الغرب؛ فالقمع الداخلي، والصراع الاجتماعي، والجهادية العابرة للحدود، والتدخل الروسي والإيراني والتركي عوامل مؤسسة. غير أن إسرائيل استفادت استراتيجياً من إنهاك سوريا، وعملت مباشرة لمنعها ومنع حلفائها من إعادة بناء قدرة عسكرية نوعية قرب حدودها.


الفصل الخامس: العراق – إسقاط القوة الشرقية الكبرى

العراق في فكر ينون

وصف ينون العراق بأنه أخطر من سوريا بسبب النفط والسكان والجيش، ورأى الحرب العراقية–الإيرانية وسيلة لاستنزافه قبل أن يقود جبهة عربية واسعة. وتصور ثلاثة كيانات أو أكثر حول البصرة وبغداد والموصل، مع انفصال الجنوب الشيعي عن الوسط السني والشمال الكردي. كان هذا أكثر توقعاته الجغرافية دقة من حيث خطوط الانقسام التي ظهرت لاحقاً، وإن لم تتحول إلى حدود دولية كاملة.


من الاحتواء إلى الغزو

دمرت حرب 1991 جزءاً كبيراً من القدرة العسكرية العراقية، ثم أضعفت العقوبات الدولة والمجتمع طوال التسعينيات. وفي 2003 قادت الولايات المتحدة وبريطانيا الغزو وأسقطتا النظام. لم تكن إسرائيل هي التي أصدرت قرار الحرب، لكن قادتها رأوا في نظام صدام خصماً خطيراً، وأيدت دوائر إسرائيلية وأميركية مؤيدة لإسرائيل إسقاطه. الأهم من الجدل حول الدافع هو النتيجة المؤسسية: سلطة الائتلاف المؤقتة حلت الجيش وأقصت قطاعات واسعة من جهاز الدولة عبر اجتثاث البعث، فوسعت الفراغ الأمني والسياسي.


أنتج النظام الجديد محاصصة تقوم عملياً على الشيعة والسنة والأكراد، ورسخ إقليم كردستان بصلاحيات واسعة، وفتح المجال أمام النفوذ الإيراني، ثم ساعد الفراغ والتهميش على صعود تنظيم الدولة واحتلال الموصل. بقي العراق موحداً قانونياً، لكنه فقد لعقود احتكار السلاح ووحدة القرار الخارجي. بهذا المعنى تحقق الهدف الوظيفي الذي تصوره ينون: لم يعد العراق جيشاً عربياً مركزياً قادراً على تشكيل جبهة شرقية ضد إسرائيل.


غير أن النتيجة حملت مفارقة كبرى لإسرائيل والولايات المتحدة: إزالة صدام وسعت نفوذ إيران من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت. وهذا يثبت أن تفكيك الخصم لا يمنح صانع التدخل قدرة كاملة على التحكم بالمآلات. لقد تحققت إزالة القوة العراقية، لكن التوازن الجديد أنشأ تهديداً إيرانياً عابراً للحدود لم يكن هو المقصود أميركياً أو إسرائيلياً.

الفصل السادس: مصر وسيناء – الجزء الذي لم يتحقق


رفض السلام واستعادة الموارد

عارض ينون إعادة سيناء، واعتبر نفطها وغازها وعمقها الاستراتيجي ضرورة لإسرائيل. وتنبأ بأن السلام لن يدوم، وأن انهيار مصر الاقتصادي والطائفي قد يتيح استعادة شبه الجزيرة. كما تخيل تفكك مصر إلى مناطق ضعيفة وقيام كيان قبطي في الصعيد. عكست هذه الرؤية رفضاً مبكراً لفكرة أن السلام مع دولة عربية مركزية قد يوفر لإسرائيل أمناً أكثر استدامة من احتلال الأرض.


الدولة المصرية كحالة نقض

لم يتحقق ذلك. استمرت معاهدة السلام، واستعادت مصر سيناء كاملة عدا ترتيبات طابا التي حُسمت بالتحكيم، وبقي الجيش والدولة المركزية والهوية المصرية عوائق أمام التفكيك. حتى اضطرابات 2011 لم تتحول إلى حرب أهلية أو انقسام جغرافي. بل أصبحت إسرائيل ترى في استقرار السلطة المصرية، وضبط سيناء، والتنسيق الأمني، وحماية المعاهدة مصالح أساسية.


ومع حرب غزة عاد البعد السينائي عبر مقترحات تهجير الفلسطينيين أو دفعهم جنوباً، وهو ما رفضته مصر والأردن بوضوح. يتقاطع التهجير المحتمل مع جوهر رؤية ينون للقضية الفلسطينية، لكنه لا يساوي استعادة سيناء أو تفكيك مصر. تكشف الحالة المصرية أن الأيديولوجيا تتكيف: عندما تصبح الدولة القوية شريكاً يضمن الحدود ويمنع الحرب، قد تفضل إسرائيل احتواءها على إسقاطها.


الفصل السابع: السودان والقرن الأفريقي

قدم ينون السودان مثالاً على دولة منقسمة بين شمال عربي مسلم وجنوب أفريقي متعدد الأديان، ورأى أن هذه التركيبة تقود إلى التفكك. جاءت رؤيته في سياق حروب أهلية سبقت مقاله بسنوات طويلة. وبعد عقود من الحرب، قادت اتفاقية السلام الشامل لعام 2005، برعاية دولية وأميركية بارزة، إلى استفتاء ثم استقلال جنوب السودان عام 2011.

تاريخياً اهتمت إسرائيل بالأطراف غير العربية المحيطة بالعالم العربي، وأقامت صلات في القرن الأفريقي ومع جنوب السودان. وقد حقق الانفصال نتيجة جيوسياسية مفيدة لها: إضعاف دولة عربية واسعة وفتح علاقات مع دولة جديدة قرب حوض النيل والبحر الأحمر. لكن السبب المباشر للانفصال لا يُرد إلى ينون أو إسرائيل وحدهما؛ فهو نتاج الحرب والتمييز وفشل بناء المواطنة واتفاق دولي وافقت عليه حكومة الخرطوم وحركة الجنوب.


منذ 2023 دخل السودان حرباً مدمرة بين الجيش وقوات الدعم السريع، فانقسمت السلطة والمجال وانهارت الخدمات. هذه النتيجة تقترب من صورة الدولة التي تبقى اسماً وتفقد مركزها، لكنها نشأت من عسكرة السياسة وتعدد الجيوش وتنافس إقليمي واسع. المصلحة الإسرائيلية في البحر الأحمر والتطبيع تجعلها مستفيدة من النفاذ السياسي، إلا أن انهيار السودان قد يهدد أيضاً الملاحة والاستقرار؛ فليس كل ضعف عربي منفعة إسرائيلية صافية.


الفصل الثامن: ليبيا والمغرب العربي

ليبيا: من حماية المدنيين إلى سقوط الدولة

رأى ينون ليبيا دولة واسعة قليلة السكان تفتقر إلى قاعدة مستقرة للقوة. وفي 2011 أجاز مجلس الأمن اتخاذ إجراءات لحماية المدنيين، ثم قاد حلف الناتو حملة انتهت بسقوط نظام القذافي. لم يُبنَ بعد ذلك احتكار وطني للسلاح، فتوزعت البلاد بين حكومات ومجالس وميليشيات ومناطق نفوذ دولية.


هذه من أقوى حالات التقاطع بين التدخل الغربي والنتيجة التي تصورها ينون: إزالة نظام معادٍ، تحطيم المركز العسكري، وبقاء اسم الدولة مع انقسام السيادة. ومع ذلك لا تتوافر أدلة كافية لجعل إسرائيل مهندس العملية؛ الدافع المعلن والقرار والتنفيذ كانت غربية وعربية متعددة الأطراف. استفادت إسرائيل من زوال خصم ومن انشغال الإقليم، لكن الفوضى الليبية خلقت أيضاً تهريب السلاح والجماعات المسلحة وعدم استقرار الساحل.


المغرب العربي: إدارة التنافس لا تفكيك الدول

ركز ينون على التباين العربي–الأمازيغي والخلاف المغربي–الجزائري والصحراء الغربية. لم تتفكك دول المغرب، لكن اتحاد المغرب العربي تعطّل، وأُغلقت الحدود وتعمق سباق التسلح. ومع تطبيع المغرب علاقاته مع إسرائيل مقابل الاعتراف الأميركي بموقفه من الصحراء، دخلت إسرائيل معادلات شمال أفريقيا الأمنية والتكنولوجية والعسكرية بصورة أوضح. هنا لا يظهر تفكيك جغرافي، بل استثمار تنافس قائم لمد النفوذ وعزل الجزائر وتعميق الاعتماد المتبادل مع الرباط.


الفصل التاسع: الجزيرة العربية والخليج واليمن

توقع الانهيار وحدود الواقع

اعتبر ينون الجزيرة العربية، ولا سيما السعودية، مرشحة للتفكك بفعل التفاوت والثروة المركزة والانقسامات المناطقية والمذهبية. لم يتحقق هذا التصور؛ فقد احتفظت السعودية ودول الخليج بمؤسساتها وحدودها، وساعدت الثروة وبناء أجهزة الدولة والمظلة الأمنية الأميركية على الاستمرار. بل إن الولايات المتحدة، خلافاً لمنطق التفكيك، عملت طويلاً على حماية استقرار هذه الدول لضمان الطاقة والقواعد والتوازن مع إيران.


اليمن بوصفه الاستثناء

في اليمن انهارت العملية السياسية وتحولت البلاد إلى حرب إقليمية ومحلية منذ 2014–2015، مع سلطة حوثية في صنعاء، وحكومة معترف بها دولياً، ومجلس انتقالي جنوبي، وقوى قبلية ومحلية متعددة. تشبه النتيجة نموذج ينون في انقسام المجال، لكنها مرتبطة بتاريخ الوحدة اليمنية والحروب الداخلية والتدخل السعودي–الإماراتي والدعم الإيراني للحوثيين، أكثر من ارتباطها بفعل إسرائيلي مباشر.


من التفكيك إلى الإدماج تحت التفوق

أظهرت اتفاقيات التطبيع أن إسرائيل قد تحقق هدف الهيمنة من دون تقسيم الخليج. فالشراكات الأمنية والتكنولوجية والدفاعية، ضمن مظلة أميركية، تدمج إسرائيل في الإقليم باعتبارها قوة متقدمة في مواجهة إيران. وهذا تعديل مهم على ينون: الدولة الخليجية المستقرة والمتعاونة قد تكون أكثر نفعاً من دويلات مضطربة تهدد الطاقة والممرات. يبقى الثابت هو التفوق الإسرائيلي والاعتماد الأمني على واشنطن، بينما تتغير وسيلة بلوغه.


الفصل العاشر: إيران وتركيا وباكستان وأفغانستان

امتد مسح ينون للهشاشة من المغرب إلى الهند. أشار إلى الفرس والأذريين وغيرهم في إيران، وإلى الأكراد والعلويين في تركيا، وإلى الانقسام السني–الشيعي في باكستان وأفغانستان. لكنه لم يقدم لهذه الدول خرائط تنفيذية دقيقة كالتي قدمها لسوريا والعراق، وكانت غايته إثبات فرضيته العامة: أن المجال الإسلامي كله محكوم بتناقضات تمنع تحوله إلى كتلة مستقرة.


إيران

لم تتفكك إيران، بل أصبحت بعد 2003 قوة إقليمية أوسع نفوذاً. سعت إسرائيل إلى احتواء برنامجها النووي وقدراتها الصاروخية وشبكة حلفائها عبر العقوبات والعمليات السرية والاغتيالات والضربات، بالتنسيق أو التقاطع مع الولايات المتحدة. ويظهر في الخطاب الاستراتيجي اهتمام بالأقليات والأطراف الإيرانية، لكن لا يصح اعتبار كل حركة احتجاجية صنيعة خارجية. الحالة الإيرانية تنقض تنبؤ الانهيار السهل وتثبت قدرة دولة تاريخية مركزية على إدارة تنوعها بالقوة والمؤسسات.


تركيا

احتفظت تركيا بوحدتها رغم الصراع الكردي والاستقطاب السياسي. وتذبذبت علاقتها بإسرائيل بين التعاون والتوتر، ما يكشف أن الجغرافيا والمصالح قد تتغلبان على الأيديولوجيا. إسرائيل تستفيد من علاقاتها مع الأكراد العراقيين، لكن تقسيم تركيا سيهدد نظاماً إقليمياً واسعاً ولا يمثل سياسة إسرائيلية ثابتة يمكن إثباتها.


أفغانستان وباكستان

أسقط التدخل الأميركي نظام طالبان عام 2001، وبنى دولة اعتمدت على الدعم الخارجي ثم انهارت سريعاً مع الانسحاب في 2021. أما باكستان فبقيت موحدة رغم العنف المذهبي والتمرد في بلوشستان ومناطق الحدود. في الحالتين كان الدور الأميركي مباشراً ومرتبطاً بالحرب على الإرهاب، بينما ظل الدور الإسرائيلي هامشياً. إدراجهما يوضح حدود أطروحة البحث: ليست كل عملية إضعاف تقودها إسرائيل، حتى إن انسجمت نتيجتها مع صورة ينون لعالم إسلامي منقسم.


الفصل الحادي عشر: الولايات المتحدة والغرب – شراكة أم تقاطع؟

لا يمكن وصف الولايات المتحدة بأنها مجرد ذراع تنفذ إرادة إسرائيل؛ فهي قوة عظمى ذات مصالح في الطاقة والممرات والقواعد ومواجهة الخصوم وحماية الحلفاء. وقد ضغطت أحياناً على إسرائيل، وحمت في أحيان أخرى استقرار دول عربية لا يريد ينون بقاءها. لكن التحالف الخاص بين البلدين جعل حماية التفوق العسكري الإسرائيلي عنصراً ثابتاً في السياسة الأميركية، وخلق نقاط التقاء واسعة بين الاستراتيجية الأميركية وبعض نتائج المشروع الإسرائيلي.


في العراق كان القرار والتنفيذ أميركيين–بريطانيين، والنتيجة إزالة جيش مركزي معادٍ لإسرائيل. في ليبيا كان التدخل أطلسياً، والنتيجة انهيار المركز. في سوريا قدم الغرب دعماً لمعارضين وسعى إلى إضعاف نظام متحالف مع إيران، فيما نفذت إسرائيل حرباً جوية مستقلة ضد القدرات الإيرانية والسورية. وفي فلسطين استخدمت واشنطن نفوذها بطريقة لم توقف الاستيطان أو تنهِ الاحتلال. هذه الحالات لا تثبت قيادة إسرائيل للغرب، لكنها تكشف تراكباً بين مشروع الهيمنة الأميركية ومتطلبات الأمن الإسرائيلي.


كما أن المؤسسات التي أنشأها التدخل الغربي حملت أحياناً بذور الانقسام: المحاصصة، الفيدرالية غير المتوازنة، بناء قوات محلية خارج المركز، والعقوبات التي تضعف المجتمع والدولة معاً. لكن الغرب دعم في حالات أخرى وحدة الأردن ومصر ودول الخليج، لأن انهيارها يهدد أمن إسرائيل والطاقة والهجرة والملاحة. لذلك لا توجد سياسة غربية واحدة للتقسيم؛ توجد إدارة انتقائية للقوة والاستقرار وفق المصلحة.


الفصل الثاني عشر: حصيلة المقارنة

الساحة تصور ينون النتيجة الفعلية درجة التقاطع

فلسطين والأردن سيطرة بين البحر والنهر ودولة فلسطينية شرق النهر توسع السيطرة والاستيطان وفصل غزة؛ بقاء الدولة الأردنية مرتفع في فلسطين، متعثر في الأردن

لبنان تفكك طائفي ومناطق نفوذ اجتياح واحتلال ثم دولة ضعيفة مع قوة حزب الله مرتفع مع نتائج مضادة


سوريا كيانات طائفية وتحطيم الجيش دولة موحدة اسمياً ومجزأة النفوذ مرتفع وظيفياً لا حدودياً


العراق شيعي وسني وكردي حول مدن كبرى محاصصة وإقليم كردي وتعدد السلاح بعد الغزو مرتفع وظيفياً


مصر تفكك وكيان قبطي واستعادة سيناء دولة مركزية وسلام مستمر وسيناء مصرية ضعيف

السودان انقسام شمال/جنوب انفصال الجنوب ثم انهيار داخلي جديدمرتفع في النتيجة


ليبيا ضعف المركز وعدم الاستقرار سقوط النظام وانقسام السيادة بعد الناتو مرتفع في النتيجة


الخليج تفكك السعودية والجزيرة استمرار الدول وتطبيع واحتواء أمني ضعيف؛ تحولت الوسيلة


إيران وتركيا هشاشة إثنية ومذهبية استمرار دولتين إقليميتين قويتين ضعيف


الدولة الناقصة بديلاً عن التقسيم الرسمي

تكشف المقارنة أن الشكل الأكثر انتشاراً لم يكن إنشاء دول جديدة معترف بها، بل إنتاج دولة ناقصة: علم ومقعد دولي وحكومة، يقابلها سلاح خارج المؤسسة، وحدود مخترقة، واقتصاد تابع، ومناطق نفوذ أجنبية. هذه الصيغة أقل كلفة من إعادة رسم الحدود، وتحقق الوظيفة نفسها تقريباً: منع تشكل قرار قومي مستقل أو قوة عسكرية قادرة على موازنة إسرائيل.


ما لم يحسبه ينون

قلل ينون من قدرة المجتمعات على مقاومة الانقسام، ومن قدرة الدول التاريخية على البقاء، كما أغفل أن انهيار المركز يخلق قوى غير دولية وتنظيمات عابرة للحدود قد تهدد إسرائيل أكثر من الجيوش التقليدية. ولم يتنبأ بصعود إيران بعد إسقاط العراق، ولا بحجم اعتماد إسرائيل المستمر على الولايات المتحدة، ولا بتحول التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع دول عربية إلى أداة هيمنة أقل كلفة من التفكيك.


استنتاجات البحث

أولاً، لا تكمن قيمة نص ينون في كونه جدول عمليات، بل في كشفه بنية عقل استراتيجي يرى أمن إسرائيل نتيجة مباشرة لضعف الآخرين. وقد بقيت هذه البنية حاضرة في سياسات منع الدولة الفلسطينية، والمحافظة على التفوق، وضرب القدرات العسكرية في الجوار، واستثمار القوى المحلية والمناطق العازلة.


ثانياً، انتقلت الفكرة من تقسيم معلن إلى تفكيك وظيفي. فالعراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان لم تتحول كلها إلى الدويلات التي سماها ينون، لكنها عانت درجات مختلفة من فقدان احتكار السلاح والسيادة. وهذا هو المعنى الأكثر دقة لعبارة «من فكر رجل إلى أيديولوجية دولة»: استمرار الغاية مع تبدل الأدوات والظروف.


ثالثاً، كان الدور الغربي حاسماً في بعض الساحات، لكنه لم يكن تابعاً بصورة آلية لإسرائيل. التقت المصالح في تحطيم قوى معادية، واختلفت عندما هدد الانهيار الطاقة أو الملاحة أو حلفاء واشنطن العرب. البحث الجاد لا يحتاج إلى المبالغة؛ فالوقائع المثبتة في العراق وليبيا وفلسطين ولبنان كافية لإظهار كيف تستطيع القوة الخارجية إعادة تشكيل الدول، وكيف يمكن لإسرائيل أن تستفيد من ذلك.


رابعاً، يبقى الأردن في مركز الخطر النظري لأن تصفية القضية الفلسطينية على حسابه وردت بوضوح في النص وتستمر في خطاب إسرائيلي يميني. لكن صمود الأردن لا يعتمد على الرفض السياسي وحده؛ بل على قوة الدولة، ووحدة الهوية الوطنية، وحماية المؤسسات، ودعم بقاء الفلسطينيين على أرضهم، ورفض أي ترتيبات تفصل السيادة الفلسطينية عن الضفة الغربية والقدس وغزة.


خامساً، الرد الإقليمي الأكثر فاعلية على منطق ينون ليس خطاباً مضاداً فقط، بل بناء دولة مواطنة قادرة على استيعاب التنوع، وتوحيد السلاح والقرار، وتحقيق العدالة والتنمية، ومنع الطائفة والإثنية من التحول إلى أبواب للتدخل الخارجي. لقد بنى ينون مشروعه على هشاشة الداخل؛ ولذلك تبدأ مقاومته من إصلاح الداخل قبل إدارة الصراع مع الخارج.


أما الخلاصة الكبرى فهي أن الشرق الأوسط لم يصبح نسخة حرفية من خريطة ينون، لكنه اقترب في مواضع كثيرة من منطقه: إسرائيل أكثر تفوقاً واندماجاً في النظام الإقليمي، ودول عربية عدة أضعف وأشد انقساماً مما كانت عليه عام 1982. ومع ذلك لم يُحسم المستقبل؛ فالدول التي حافظت على مؤسساتها، والمجتمعات التي رفضت التقسيم، والمصالح الجديدة التي جعلت الاستقرار ضرورة، كلها تثبت أن التفكك ليس قدراً جغرافياً بل نتيجة سياسية يمكن منعها أو عكسها.



مواضيع قد تهمك