اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. هيفاء ابو غزالة : معركة العرب القادمة .. امتلاك المعرفة

د. هيفاء ابو غزالة : معركة العرب القادمة .. امتلاك المعرفة
أخبارنا :  

في كل تحول كبير عرفته البشرية، تقدمت الأمم التي امتلكت المعرفة، وتأخرت تلك التي اكتفت باستهلاك ما ينتجه الآخرون.


واليوم، مع الذكاء الاصطناعي، تتكرر المعادلة نفسها ولكن بسرعة غير مسبوقة. فالعالم لا ينتظر، والمسافة بين من يصنع المعرفة ومن يستهلكها تتسع كل يوم.


ومن هنا ينبغي أن يبدأ النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي.


فالسؤال لم يعد: هل وصل الذكاء الاصطناعي إلى منطقتنا؟ لقد وصل، ودخل مدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا وبيوتنا.


والسؤال ليس أيضاً ماذا تستطيع هذه التكنولوجيا أن تفعل، فنحن نشاهد قدراتها تتطور أمامنا كل يوم. السؤال الأهم هو: هل نمتلك المعرفة التي تجعلنا شركاء في صناعتها، أم سنبقى مجرد مستخدمين لما ينتجه الآخرون؟


هذا هو الفارق بين أن يكون الذكاء الاصطناعي مدخلاً لنهضة عربية، أو بوابة لنوع جديد من التهميش.


فالخطر الحقيقي ليس في أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً، بل أن تتقدم المعرفة من حولنا بينما تبقى قطاعات واسعة من مجتمعاتنا خارجها.


عندها لن يكون المهمش فقط من يعاني من الفقر أو البطالة، بل أيضاً من يحمل شهادة جامعية ولا يمتلك مهارات العصر، ومن يعمل في مهنة تتغير أمامه من دون أن يحصل على فرصة لإعادة التأهيل، ومن يدخل سوق العمل بأدوات تنتمي إلى عالم يتراجع.


وهنا يصبح امتلاك المعرفة قضية تنموية بامتياز.


لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع نهضة.


يمكن شراء أحدث الأجهزة والمنصات والبرامج، لكن لا يمكن شراء القدرة على الابتكار بقرار إداري.


المعرفة تُبنى عبر تعليم جيد، وجامعات تنتج البحث العلمي، ومؤسسات تشجع الإبداع، واقتصاد يمنح المبتكر فرصة لتحويل الفكرة إلى مشروع.


ولذلك فإن معركتنا الأولى تبدأ من التعليم.


فالمدرسة العربية مطالبة اليوم بأكثر من إدخال الحاسوب إلى الصف أو تعليم الطالب استخدام تطبيق جديد.


المطلوب تغيير فلسفة التعليم ذاتها.


ففي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن يقدم المعلومة خلال ثوانٍ، لم يعد الحفظ هو المهارة الأهم، بل القدرة على السؤال والتحليل والنقد والابتكار والتحقق من المعرفة وتوظيفها.


نريد جيلاً يستخدم الذكاء الاصطناعي لكي يفكر بصورة أفضل، لا جيلاً يستخدمه لكي يتوقف عن التفكير.


ومن المدرسة نصل إلى الجامعة، فليس من المنطقي أن نتحدث عن اقتصاد المعرفة بينما تظل بعض جامعاتنا تقيس نجاحها بعدد الخريجين أكثر مما تقيسه بحجم ما تنتجه من معرفة وابتكار.


الجامعة في عصر الذكاء الاصطناعي يجب أن تكون مختبراً للأفكار، وحاضنة للباحثين والشركات الناشئة، وجسراً بين البحث العلمي والاقتصاد.


والأمر لا يتعلق بالأجيال الجديدة وحدها. هناك ملايين العرب الموجودين اليوم في سوق العمل، وستتغير طبيعة أعمال كثير منهم مع انتشار الذكاء الاصطناعي.


ولهذا ينبغي أن تصبح إعادة التدريب والتأهيل حقاً وفرصة مستمرة، لا برنامجاً مؤقتاً يبدأ بعد وقوع المشكلة.


فالمجتمع الذي لا يطور مهارات العاملين فيه سيجد جزءاً منهم، بعد سنوات قليلة، واقفاً خارج سوق تغيرت قواعده.


وتشير الدراسات الصادرة عن منظمة العمل الدولية والإسكوا إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل قطاعات واسعة من سوق العمل العربي، وأن التأثير الأكبر لن يكون بالضرورة في اختفاء الوظائف، وإنما في تغير المهارات المطلوبة لأدائها.


وهذا يعني أن المعركة ليست بين الإنسان والآلة، بل بين من يمتلك المعرفة الجديدة ومن لا يمتلكها.


لكن النهضة العربية لن تتحقق إذا اكتفت كل دولة بخوض هذه الثورة منفردة.


لدينا لغة يتحدث بها مئات الملايين، وشباب يشكلون قوة بشرية هائلة، وكفاءات عربية تعمل في جامعات ومختبرات وشركات تكنولوجية كبرى داخل المنطقة وخارجها، ولدينا رؤوس أموال وأسواق واسعة. ما ينقصنا هو تحويل هذه العناصر المتفرقة إلى قوة معرفية عربية مشتركة.


لماذا لا يكون لدينا مشروع عربي كبير للذكاء الاصطناعي باللغة العربية؟ ولماذا لا نبني شبكات عربية للباحثين ومراكز للتميز تتشارك المعرفة والبيانات والخبرات؟ ولماذا لا يصبح الاستثمار في الباحث العربي والشركة التكنولوجية الناشئة أولوية توازي الاستثمار في البنية التحتية والمشروعات الكبرى؟


فالسيادة في المستقبل لن تُقاس فقط بما تمتلكه الدول من أرض وموارد، بل بما تمتلكه من معرفة وبيانات وعقول قادرة على الابتكار.


وهنا تكمن الفرصة العربية الحقيقية. فنحن لسنا مضطرين إلى البدء من الصفر، ولسنا محكومين بأن نبقى مستهلكين للتكنولوجيا.


لكن الانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج يحتاج إلى قرار استراتيجي يجعل المعرفة مشروعاً وطنياً وعربياً، لا ملفاً تقنياً يُترك لوزارة أو مؤسسة واحدة.


نحتاج إلى مدرسة تصنع العقل، وجامعة تنتج المعرفة، وبحث علمي يحظى بالتمويل، وقطاع خاص يغامر بالاستثمار في الابتكار، وسياسات تعيد تأهيل العاملين، وتعاون عربي يجمع العقول والموارد بدلاً من بعثرتها.


عندها فقط يصبح السؤال عن الذكاء الاصطناعي سؤال نهضة، لا سؤال خوف.


فالذكاء الاصطناعي لن يصنع نهضتنا نيابة عنا، كما أنه لن يحكم علينا بالتهميش.


نحن من سيحدد موقعنا في هذا العصر بما نستثمره اليوم في الإنسان والمعرفة.


والخيار أمامنا واضح: إما أن نمتلك المعرفة فنشارك في صناعة المستقبل، أو نكتفي باستهلاكها فنربي جيلاً يعرف كيف يستخدم ما يصنعه الآخرون، لكنه لا يعرف كيف يصنعه.


إنَّ النهضة العربية في عصر الذكاء الاصطناعي لن تبدأ من الآلة، بل من العقل العربي القادر على فهمها وتطويرها وتوجيهها.


فمن يمتلك المعرفة لا ينتظر المستقبل .. بل يصنعه




مواضيع قد تهمك