حسن عبدالحميد الرواشدة : حين كانت المصانع تُغنّى ..
«هذي الأردن مصانع دوّارة، بالخير تمري وبالرزق فوّارة، خضرا وسنابل وميّه بالصحاري، وعيون نشمية عالأردن سهّارة».
ليست هذه أبياتاً من خطة اقتصادية ولا مقدمة لفيلم ترويجي عن الاستثمار. إنها كلمات غنّتها سميرة توفيق في زمن كان فيه الفن الشعبي قادراً على أن يقول شيئاً بالغ الأهمية عن صورة الدولة في أذهان مواطنيها، مصنع يدور وسنبلة تنمو وماء يصل إلى الصحراء وعين تحرس ما بُني.
ربما تبدو المسألة للوهلة الأولى مجرد أغنية وطنية من زمن مضى. ولكن إذا قرأناها خارج الحنين تفتح سؤالاً أعمق بكثير فمتى خرجت التنمية من الثقافة الأردنية؟
ومتى أصبح الاقتصاد لغةً تخص الاقتصاديين والصناعة شأناً لوزارة الصناعة والزراعة ملفاً لوزارة الزراعة، والمياه أزمةً تتحدث عنها الحكومة بالأرقام، بدلاً من أن تكون جميعها أجزاء من الحكاية التي يرويها الأردني عن بلده؟
في التجربة الأردنية المبكرة، لم يكن بناء الدولة منفصلاً تماماً عن بناء صورتها. كان ثمة إدراك، مقصوداً كان أم عفوياً، بأن الدولة الحديثة لا يكفي أن تشق الطريق وتبني المدرسة وتفتح المصنع بل عليها أيضاً أن تجعل الناس يرون في الطريق والمدرسة والمصنع جزءاً من معنى الوطن.
ولهذا لا تبدو عبارة "مصانع دوّارة" غريبة داخل أغنية وطنية. المصنع نفسه كان علامة على التقدم. والسنبلة لم تكن مجرد صورة ريفية جميلة، بل تعبيراً عن أرض تنتج.
أما "الميّه بالصحارى" فهي ربما أكثر الصور كثافة في المقطع كله فتحويل واحد من أصعب قيود الجغرافيا الأردنية إلى صورة للقدرة على الفعل.
ثم تأتي "عيون نشمية عالأردن سهّارة" والترتيب هنا جميل في دلالته حتى لو لم يكن مقصوداً بهذه الصرامة، إنتاج، ورزق، وزراعة، ومياه، ثم أمن يحرس كل ذلك.
وهنا تكمن المسألة فالدول لا تُبنى بالمشروعات وحدها بل تُبنى أيضاً بالقصة التي تمنح تلك المشروعات معناها.
قد تستطيع حكومة أن تبني طريقاً، لكن الثقافة هي التي تجعل الطريق جزءاً من تصور الناس لتقدم بلدهم. وقد تقيم منطقة صناعية، لكن الاقتصاد لا يتحول إلى قيمة اجتماعية لمجرد افتتاحها.
وقد ترتفع الصادرات، لكن الرقم يبقى رقماً ما لم يعرف المواطن ماذا يعني المصنع الذي أنتجها، ومن يعمل فيه، وأي مدينة تغيرت بسببه، وأي أسرة أصبح لها دخل منه.
وهذا تحديداً ما يجعل العودة إلى أغنية قديمة مسألة معاصرة تماماً. فالأردن اليوم يمتلك، واحدة من أكثر خرائطه الاقتصادية طموحاً منذ سنوات.
رؤية التحديث الاقتصادي تستهدف استيعاب أكثر من مليون شاب وشابة في سوق العمل وزيادة الدخل الحقيقي للفرد بمعدل 3 في المئة سنوياً، وتضم مئات المبادرات موزعة على عشرات القطاعات.
واللافت أن القطاعات التي تضعها الرؤية في قلب المستقبل تشبه، بطريقة مثيرة، مفردات تلك الأغنية القديمة، الصناعات عالية القيمة، الزراعة والأمن الغذائي، الصناعات الغذائية والهندسية والدوائية، ثم المياه والطاقة ضمن الموارد المستدامة.
والرؤية تقدر الحاجة إلى نحو 41 مليار دينار من الاستثمارات والتمويل لتحقيق أهدافها طويلة الأجل، يفترض أن يأتي نحو 72 في المئة منها من الاستثمار المحلي والأجنبي والشراكات بين القطاعين العام والخاص.
بل إن البرنامج التنفيذي الثاني للرؤية، للفترة 2026-2029، أعاد وضع الصناعة والزراعة والأمن الغذائي والمياه والطاقة والبنية التحتية ضمن المشروعات المركزية للمرحلة المقبلة.
إذن، المشكلة ليست أن التنمية اختفت من قاموس الدولة. المشكلة أنها تراجعت من قاموس الثقافة.
لدينا اليوم رؤية اقتصادية أكثر تفصيلاً مما كان متاحاً قبل عقود، ومؤشرات أداء، وجداول زمنية، وبرامج تنفيذية، ومشروعات، واستثمارات. لكن السؤال الأصعب يتركز في دخول كل هذا الى المخيلة العامة للأردنيين؟
هل يعرف الناس قصة الاقتصاد الأردني، أم يسمعون أخباره فقط؟ أن تقول للمواطن إن الصادرات ارتفعت، معلومة. وأن تجعله يعرف المصنع الذي يقف خلف هذه الصادرات، والعامل الذي ينتج فيها، والمدينة التي تغير اقتصادها، والمهارة التي أصبحت مطلوبة، فهذا بناء لوعي اقتصادي.
وأن تقول إن مشروعاً للمياه سيُنجز، خبر. أما أن يصبح الماء، في بلد من الأكثر فقراً مائياً، جزءاً من سردية وطنية عن القدرة على تحدي الجغرافيا، فهذه ثقافة. ربما لهذا كانت "ميّه بالصحارى" أبلغ من عشرات العروض التقديمية.
ليس لأن الأغنية أكثر دقة من الأرقام، وإنما لأنها تفعل شيئاً لا تستطيع الأرقام أن تفعله وحدها فهي تحوّل الإنجاز إلى معنى. ولا يعني ذلك الدعوة إلى استعادة نموذج الأغنية الوطنية القديمة، ولا إلى تحويل الفن إلى نشرة لإنجازات الحكومة.
فالفن الذي يتحول إلى دعاية يفقد الفن والدعاية معاً. كما أن الأردن اليوم ليس الأردن الذي كُتبت فيه تلك الأغاني، المجتمع أكثر تعقيداً، والمواطن أكثر نقداً، ووسائل الاتصال مفتوحة، ولا يمكن بناء سردية وطنية حديثة بإنكار البطالة أو المديونية أو الفقر أو أزمات المياه والنقل.
على العكس تماماً. السردية التي يحتاجها الأردن اليوم لا بد أن تكون أكثر صدقاً، لا أكثر احتفالاً.
أن تقول إن لدينا مشكلة مياه، ثم تحكي كيف نحاول حلها. أن تعترف بالبطالة، ثم تجعل خلق فرصة العمل قصة وطنية حقيقية. أن تعرض المصنع لا باعتباره ديكوراً خلف مسؤول يفتتحه، بل من خلال العامل والمهندس، والمنتج والسوق والتصدير.
أن يرى الأردني الزراعة الحديثة في الأغوار والبادية والجنوب باعتبارها جزءاً من مستقبل بلده، لا بقايا رومانسية من ماضيه. وهنا تصبح الثقافة شريكاً في التنمية، لا ملحقاً إعلامياً بها.
والمفارقة أن رؤية التحديث الاقتصادي نفسها تضع الصناعات الإبداعية ضمن قطاعات الخدمات المستقبلية، وتتعامل مع الثقافة والتصميم والإنتاج الإبداعي باعتبارها قطاعات اقتصادية لها مبادراتها، لا مجرد نشاط ترفيهي على هامش الاقتصاد.
نحتاج إلى سينما ترى التحولات الاجتماعية التي تصنعها التنمية، وإلى دراما تعرف المدن والقرى والمصانع والمزارع خارج الصور النمطية. وإلى موسيقى تستطيع أن تلتقط الأردن الجديد بلغتها هي، لا بلغة البيانات الحكومية. وإلى إعلام اقتصادي يخرج من البورصة والموازنة والمؤتمرات الصحفية إلى حياة الناس.
وإلى مدارس تعلّم الطفل ماذا ينتج بلده، لا أسماء محافظاته فقط. فالمواطن يحمي ما يشعر أنه شريك فيه، ويفخر بما يعرف قصته، ويتحمّل كلفة التحول حين يفهم إلى أين يذهب.
قبل عقود، استطاعت أربعة أسطر بسيطة أن ترسم تلك الصورة للأردن، لم تكن تلك الصورة كاملة، وبالتأكيد لم يكن الواقع مثالياً كما تصفه الأغنية. لكن كانت هناك فكرة شديدة الأهمية وهي أن البناء نفسه يستحق أن يدخل وجدان الناس.
واليوم، فيما يدخل الأردن مرحلة جديدة من مشروع التحديث الاقتصادي، ربما لا يكفي أن نسأل كم مشروعاً أنجزنا، وكم استثماراً جذبنا، وكم فرصة عمل خلقنا. تلك أسئلة ضرورية وستظل المعيار الحقيقي للنجاح.
التنمية المطلوبة هي التي تدخل الثقافة، والفن، والإعلام، والذاكرة، واللغة اليومية للناس. ولعل هذا هو الدرس الذي بقي مختبئاً كل هذه السنوات في أغنية لسميرة توفيق.
في زمن ما، لم يكن الأردنيون يغنون للأردن فقط، كانوا يغنون لما يريدون للأردن أن يصبحه.