اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. عبد الفتاح الدرادكة : إلى أين سيصل الهدر في الولائم؟

م. عبد الفتاح الدرادكة : إلى أين سيصل الهدر في الولائم؟
أخبارنا :  

في مجتمعنا الأردني، اعتدنا أن نفرح بالزواج والجاهات والنجاح، ونحتفي بالتخرج، ونكرّم أبناءنا وأصدقاءنا في المناسبات المختلفة. وهذه مظاهر اجتماعية جميلة، بل هي جزء أصيل من ثقافتنا، عندما تبقى في حدود المعقول. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المناسبات إلى سباق للاستعراض والمبالغة، وإلى تجمعات ضخمة لا نعرف في النهاية ما الغاية الحقيقية منها.


قد نتفهم إقامة وليمة بمناسبة الزواج ودعوة عدد من المدعوين، وقد نتفهم دعوة أعداد أكبر في بعض الجاهات والصلحات والعطوات، بحكم طبيعة هذه المناسبات وأهميتها الاجتماعية. وقد نتفهم أيضاً جهود الإصلاح التي تجمع الناس وتستدعي حضور وجهاء وشخصيات اجتماعية. لكن ما يصعب تفهمه هو هذا التوسع المبالغ فيه: مئات، بل أحياناً آلاف المدعوين، ومواكب من السيارات، وحضور أصحاب الدولة والمعالي والعطوفة والسعادة، وتصوير واستعراض، وكأننا أمام حدث وطني كبير.


وحتى حفلات التخرج، التي يفترض أن تكون مناسبة عائلية يفرح فيها الأهل بنجاح أبنائهم، تحولت في بعض الحالات إلى مناسبات ضخمة تتجاوز بكثير حجم الإنجاز نفسه.


والسؤال البسيط الذي يجب أن نسأله: بماذا نحتفل؟


هل احتفالنا بتخرج طالب من الثانوية يضمن له دخول التخصص الذي يريده؟ وهل يضمن له مستقبلاً وظيفياً آمناً؟ وهل تخرجه من الجامعة يعني أنه سيجد وظيفة في اليوم التالي؟


الواقع يقول إن آلاف الخريجين يدخلون كل عام إلى سوق عمل يعاني من محدودية الفرص وارتفاع معدلات البطالة. إذن، لماذا كل هذا الاستعراض؟


هل نحتفل بالإنجاز الحقيقي، أم نحتفل بإشباع غرورنا الاجتماعي، وإثبات حضورنا، والتفاخر أمام الآخرين؟


والأمر لا يتوقف عند حجم الدعوات. فهناك كلفة اقتصادية واجتماعية هائلة. سيارات تتحرك من مختلف المناطق، ووقود يُستهلك، وطرق تزدحم، ووقت يضيع، وقد يجد المدعو نفسه، أو حتى عابر الطريق الذي لا علاقة له بالمناسبة، عالقاً في أزمة مرورية لساعات.


ثم تأتي الوليمة التي قد تُذبح من أجلها عشرات أو مئات الرؤوس من الماشية، وتوضع كميات ضخمة من اللحم والأرز على المناسف، حتى أصبحنا نرى أحياناً ما يزيد بكثير على حاجة المدعوين، لينتهي جزء كبير منه إلى حاويات النفايات.


وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل هذه هي قيم الكرم التي نريدها؟ وهل الكرم يعني الإسراف؟ وهل إكرام الضيف يكون بإهدار المال والطعام والوقت؟


والأغرب أن هذه المبالغة لا تحقق لصاحبها بالضرورة ما يتوقعه. فالمجتمع لا يرحم، والناس لا تترك صغيرة ولا كبيرة إلا وناقشتها.


قد يقول البعض: من أين له كل هذا المال؟ وكيف يستطيع إقامة وليمة بهذا الحجم ونحن نعرف أن ماضيه لم يكن يوحي بمثل هذه القدرة؟ وقد يتساءل آخرون: لماذا أقام كل هذا؟ هل يريد أن "يستشيخ”؟ أم يريد أن يغطي على ماضٍ فقير أو متواضع بعد أن تحسنت أحواله وأصبح ميسوراً؟


وهناك حكاية أخرى لا تقل طرافة: قد يسقط بعض الأشخاص سهواً من قائمة المدعوين، فتبدأ الحكاية من عندهم! لا يعود الحديث عن المناسبة ولا عن صاحبها ولا عن الإنجاز، وإنما عن السؤال الأزلي: "كيف دعوا فلان وفلان وأنا ما عزَموني؟” وبعدها تبدأ حفلة أخرى من العتاب والذم والتجريح، وكأن بطاقة الدعوة أصبحت شهادة حسن سيرة وسلوك!


أما من حضر، فقد يجد نفسه أمام لجنة تقييم للوليمة: كم منسفاً؟ كم رأساً؟ ما نوع اللحم؟ هل الأرز جيد؟ هل الطبخ "على الأصول”؟ وهل كان السمن بلديّاً أم لا؟


وهكذا تتحول المناسبة من فرحة اجتماعية إلى بورصة للمناسف، ومن احتفاء بالإنجاز إلى مسابقة في عدد المدعوين وحجم الوليمة.


وقد يقول قائل: هذه أموال أصحابها وهم أحرار في إنفاقها. وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن المسألة لا تتعلق بالمال وحده. عندما تتحول الوليمة إلى مواكب تعطل الطرق، وإلى ازدحامات ترهق الناس، وإلى كميات من الطعام ينتهي بعضها في النفايات، فإن الأمر يتجاوز الحرية الشخصية إلى أثر اجتماعي عام.


نحن لسنا ضد الفرح، ولا ضد الكرم، ولا ضد الجاهات والصلحات والمناسبات الاجتماعية، ولسنا ضد أن يفرح الإنسان بنجاح ابنه أو ابنته. نحن فقط ضد أن يتحول الفرح إلى هدر، والكرم إلى إسراف، والمناسبة إلى استعراض، والمجتمع إلى ساحة للمنافسة في "من أكثر؟ ومن أكبر؟ ومن دعا أكثر؟”.


نحن بحاجة إلى ثقافة اجتماعية جديدة تقول إن قيمة الإنسان ليست بعدد المدعوين، ولا بحجم الوليمة، ولا بعدد أصحاب المناصب الذين حضروا. القيمة الحقيقية في الإنجاز، وفي العلم، وفي العمل، وفي الأخلاق، وفي خدمة المجتمع.


ولنكن صريحين: ليس من الحكمة أن نذبح عشرات الرؤوس ونطبخ مئات الكيلوغرامات من الأرز فقط لكي نقول إننا أقمنا وليمة لم يحضر مثلها أحد. فليس كل ما يُطبخ يؤكل، وليس كل من حضر أكل، وليس كل من لم يُدعَ نام وهو راضٍ!


الكرم الحقيقي ليس في كثرة الطعام، وإنما في حسن تقديمه، وليس في عدد المدعوين، وإنما في صدق المناسبة، وليس في حجم الموكب، وإنما في قيمة ما نحتفل به.


فإلى أين سيصل بنا هذا الهدر إذا لم نضع له حداً؟


وهل أصبحنا بحاجة إلى مناسبة أكبر من المناسبة نفسها، ووليمة أكبر من عدد المدعوين، وموكب أكبر من صاحب المناسبة؟


لنفرح، ولنكرم، ولنحتفل، ولكن من دون أن يتحول الفرح إلى هدر، والكرم إلى إسراف، والمناسبة إلى استعراض.


والله من وراء القصد




مواضيع قد تهمك