اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

السفير ماهر لوكاشه : من استراتيجية استباق المخاطر إلى بناء القدرة على مواجهتها

السفير ماهر لوكاشه : من استراتيجية استباق المخاطر إلى بناء القدرة على مواجهتها
أخبارنا :  

قرأت مقال معالي السيد حسين هزاع المجالي المحترم المنشور في صحيفة «الرأي» بعنوان: «الضفة الغربية.. نحو استراتيجية أردنية لاستباق المخاطر»، وهو مقال يقدّم قراءة مسؤولة في ملف بالغ الحساسية لا يجوز التعامل معه بخفة أو بردود فعل عابرة. فقد انطلق من حقيقة أن ما يجري في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن الأمن الوطني الأردني، وأن مخاطر التهجير القسري أو تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن تستوجب تحركاً أردنياً استباقياً، لا انتظاراً لما قد تفرضه الوقائع بعد فوات الأوان.


والحقيقة أن أهمية المقال لا تكمن في تشخيص الخطر فحسب، بل في دعوته إلى صياغة رواية أردنية متماسكة، سياسياً وقانونياً وإعلامياً، وإلى منع تحويل ملف الضفة الغربية إلى مادة للاستقطاب الداخلي. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن أخطر ما يمكن أن يواجهه الأردن ليس الضغط الخارجي وحده، بل أن يجد هذا الضغط طريقه إلى الداخل عبر الانقسام، والإشاعة، والتوتر الاجتماعي، وتضارب الخطاب الوطني.


وفي هذا السياق تحديداً، لا يجوز أن نسمح بعودة لغة المعايرة بين أبناء الشعب الواحد على أساس الأصول والمنابت؛ فهذه اللغة لا تخدم إلا المتربصين بالأردن، ولا تنتج إلا مزيداً من الشقاق وإضعاف المناعة الوطنية. الأردنيون، على اختلاف أصولهم ومنابتهم، شركاء في وطن واحد، متساوون في الكرامة والحقوق والواجبات، وقد صنعوا معاً تاريخ الدولة ودافعوا عنها وأسهموا في بنائها. والخطر، حين يطرق الأبواب، لا يفرّق بين أحد منا، ولا يسأل عن أصل أو منبت؛ وهذه حقيقة ينبغي أن يدركها الجميع بوعي وحزم، لأن وحدة الصف ليست ترفاً اجتماعياً، بل شرط من شروط حماية الدولة.


ومع ذلك، فإن الحديث عن استراتيجية استباقية ينبغي ألا يبقى في إطار المبادرات الدبلوماسية والبيانات السياسية، مهما كانت أهميتها. فالمبادرة الدبلوماسية المقترحة، والتنسيق العربي والدولي، وتثبيت الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، كلها مسارات ضرورية، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تستند إلى دولة محصّنة من الداخل، قادرة على الصمود، وامتلاك أدوات تأثير حقيقية، والتعامل مع أسوأ الاحتمالات بهدوء وثقة.


لقد جُرّبت طويلاً لغة الشجب والإدانة والاستنكار، وجُرّبت الاجتماعات والنداءات والاحتجاجات السياسية، لكن المعتدي الذي لا يضع للقانون الدولي ولا للمواثيق والقرارات الدولية وزناً كافياً لن يتراجع لمجرد سماعه بياناً جديداً. وقد تتحول كثرة الاجتماعات، إن لم ترافقها خطوات عملية، إلى مساحة لكسب الوقت وإدارة الانتباه، بينما تتقدم المشاريع الخطرة على الأرض. لذلك فإن المطلوب ليس التخلي عن الدبلوماسية، بل تحريرها من أن تكون بديلاً عن الفعل، وتحويلها إلى جزء من منظومة وطنية أوسع تجمع بين الموقف السياسي والقدرة الاقتصادية والقانونية والأمنية والمجتمعية.


فالردع لا يبدأ دائماً من الحدود، بل يبدأ من الداخل. ويبدأ من اقتصاد قادر على توليد فرص العمل ورفع دخل المواطن، ومن سياسات تخفف الضغوط المعيشية وتمنح الناس شعوراً حقيقياً بالأمان والعدالة. ويبدأ كذلك من نظام صحي مستعد للطوارئ، وتعليم يبني الوعي والمهارة والانتماء، وثقافة تحمي المجتمع من التضليل، وتماسك اجتماعي يمنع تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة داخلية أو صراع بين مكونات المجتمع.


كما أن أمن الأردن لا ينفصل عن أمن الطاقة والمياه والغذاء واستمرارية المرافق الحيوية. ومن هنا فإن حماية مصفاة النفط ومحطات توليد الكهرباء وشبكات المياه والاتصالات وسائر البنى الأساسية يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية الأمن الوطني، لا ملفاً فنياً مؤجلاً. فلا معنى لأي جاهزية سياسية إذا كان انقطاع النفط أو الكهرباء أو الماء قادراً على شل الدولة وإرباك المجتمع في لحظة حرجة. المطلوب هو تأمين البدائل، ورفع المخزونات الاستراتيجية، ووضع خطط استمرارية واضحة، وحماية المنشآت الحيوية، والتدرب على إدارة الأزمات قبل وقوعها.


ومن هنا، على الأردن أن يوضح للدول المجاورة، بل أن يضع أمامها هذه الحقيقة بلا مواربة، أن الوقوف إلى جانبه ودعمه بكل الإمكانات المتاحة ليس منّةً ولا شأناً أردنياً داخلياً، بل مسؤولية ومصلحة مشتركة. فالأردن، بحكم موقعه وثباته ودوره، ليس بوابة أمن شعبه وحده؛ بل هو بوابة للأمن والأمان في سائر دول المنطقة والإقليم، وهذه حقيقة راسخة في الجغرافيا السياسية للمنطقة. وأي إضعاف لاستقراره أو تحميله وحده أعباء أزمات المنطقة لن يبقى أثره داخل حدوده، بل ستتسع تداعياته لتطال الجميع. لذلك فإن المطلوب من دول الجوار ترجمة هذا الإدراك إلى تعاون سياسي واقتصادي وأمني وإنساني فعلي، وإلى مساندة عملية تعزز قدرة الأردن على حماية استقراره وأداء دوره، لأن حماية الأردن هي في جوهرها حماية للاستقرار الإقليمي كله.


إن ما دعا إليه المقال من منع الاستقطاب الداخلي وبناء موقف سياسي وقانوني وإعلامي موحّد يحتاج إلى ترجمة مؤسسية واضحة. نحتاج إلى مركز وطني ينسق قراءة المخاطر، ويجمع المعلومات، ويضع السيناريوهات، ويحدد المسؤوليات، ويتابع التنفيذ بمواعيد ومؤشرات قابلة للقياس. ونحتاج إلى خطاب رسمي وشعبي متزن لا يهوّن من الخطر ولا يزرع الذعر، بل يشرح للمواطن ما الذي يجري، وما الذي تفعله الدولة، وما الدور المطلوب منه.


كما أن دعم صمود الشعب الفلسطيني وحماية الأردن من تداعيات ما يجري ليسا مسارين متعارضين، بل هما في جوهرهما مسار واحد. فكلما بقي الفلسطيني متمسكاً بأرضه وحقوقه، ضاقت الطريق أمام مشاريع التهجير والوطن البديل. وكلما كان الأردن قوياً ومتماسكاً ومحصناً، أصبح أقدر على حماية موقفه وثوابته ورفض تحميله نتائج سياسات لم يصنعها.


نحن لا نحتاج إلى مواجهة عبثية، ولا إلى خطاب انفعالي، ولا إلى قرارات تجرّ الأردن إلى خيارات لا تخدم مصالحه. لكننا في الوقت نفسه لا نحتاج إلى انتظار الخطر حتى يقترب من أبوابنا كي نبدأ الاستعداد. الهدوء الذي يدعو إليه المقال يجب أن يكون هدوء دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تحمي ما تريد، لا هدوءاً يُفهم على أنه تردد أو اكتفاء بالمراقبة.


إن المرحلة المقبلة تتطلب الجمع بين هدوء الخطاب وسرعة الفعل، وصلابة الموقف ومرونة الحركة، والانفتاح الدبلوماسي والاعتماد على الذات، ودعم الحقوق الفلسطينية وحماية المصالح الأردنية. وهذه ليست معادلة مستحيلة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية، وخطة تنفيذية، ومراجعة حقيقية لأولويات الاقتصاد والطاقة والمياه والصحة والتعليم والإعلام والأمن المجتمعي.


في النهاية، أتفق مع جوهر ما ذهب إليه معالي حسين المجالي: لا مواجهة منفردة وغير محسوبة، ولا انسحاب من المسؤولية، بل تحرك استباقي يحمي الأردن ويصون الحقوق الفلسطينية. غير أن التحرك الاستباقي لا يكتمل بالرسائل الدبلوماسية وحدها؛ فالدبلوماسية تحتاج إلى ظهر يحميها، والموقف السياسي يحتاج إلى مجتمع متماسك، والقرار الوطني يحتاج إلى اقتصاد قادر على الصمود، والدولة تحتاج إلى نفط وكهرباء وماء وخدمات لا تتوقف عندما تشتد الأزمات.


الأردن لا يملك ترف الانتظار. ومن أراد أن يحميه من مخاطر المستقبل، فعليه أن يبدأ اليوم بتحصين حاضره. فالمواطن المطمئن، والاقتصاد المنتج، والمؤسسات الجاهزة، والبنية التحتية المؤمّنة، والمجتمع المتماسك، هي الحصن الحقيقي الذي يجعل أي تهديد أقل قدرة على ابتزاز الأردن أو فرض أجندته عليه.





مواضيع قد تهمك