م. زيد خالد المعايطة : قراءة في الزيارة الملكية إلى الصين
تفتح الزيارة الملكية إلى الصين آفاقاً مهمة أمام الأردن، سواء في الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا، أو في توسيع شبكة علاقاته الاقتصادية والسياسية بما يخدم مصالحه الوطنية، وهي في الوقت ذاته تعكس قدرة الأردن وحقه في التحرك وبناء شراكاته وفق هذه المصالح، لكن للزيارة أثراً آخر ظهر في الداخل منذ اللحظة الأولى، فوجود جلالة الملك على رأس الوفد بعث برسالة ثقة واضحة بالأردن واقتصاده ومستقبله، رسالة مباشرة للداخل وهي رسالة لها قيمتها في وقت أصبحت فيه المعنويات العامة جزءاً مهماً من المشهد الاقتصادي.
فالاقتصاد في النهاية تحركه القرارات، وهذه القرارات قد لا ترتبط دائماً بما هو متاح بالوقت الحالي فقط، بل بما نتوقعه في المرحلة المقبلة من قادم الايام، فحين يسود التفاؤل يصبح التوسع والاستثمار والمبادرة أكثر حضوراً، وحين يزداد القلق يميل الناس إلى التريث والانتظار وربما السكون، ومن هنا لا تبقى الثقة مجرد شعور عام، لأن تراكم قرارات الأفراد والشركات هو ما يصنع جانباً مهماً من حركة السوق، وما يبدأ كتوقع إيجابي يمكن أن يتحول إلى قرار، ثم إلى نشاط اقتصادي حقيقي.
ولهذا فإن للمعنويات العامة أثراً اقتصادياً لا ينبغي التقليل منه، فالثقة تشجع على الحركة، والحركة بدورها تولد مزيداً من الثقة، بينما قد يقود القلق والشك الى حالة التشاؤم ومن ثم إلى دائرة معاكسة يتسع فيها الحذر وتتراجع معها الرغبة في المبادرة، ولا يعني ذلك أن التفاؤل يصنع النمو بمفرده، فنظرة الناس إلى المستقبل تؤثر أيضا في استعدادهم للاستثمار والإنفاق والمخاطرة، وهي جميعاً عناصر تدخل في صميم النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الأردن، الذي عاش لسنوات وسط إقليم لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل في أخرى، من الحروب والاضطرابات السياسية إلى الصدمات الاقتصادية وتراجع حركة التجارة والاستثمار في المنطقة، ورغم قدرة الأردن على التعامل مع هذه الظروف والاستمرار في متابعة أولوياته، فإن امتداد حالة عدم اليقين من حولنا يترك بطبيعته أثراً على المزاج العام، وهنا تصبح الإشارات الإيجابية مهمة، لأن الناس لا يبنون توقعاتهم على الأرقام والمؤشرات وحدها، بل أيضاً على ما يرونه أمامهم وعلى الصورة التي تتشكل لديهم عن اتجاه البلد وثقته بالمستقبل.
لكن الإشارة لا تنفصل عن صاحبها، فالكلمة أو الخطوة نفسها قد تحمل وزناً مختلفاً باختلاف من يقف خلفها، ومن هنا يكتسب ترؤس جلالة الملك للوفد بعداً يتجاوز برنامج الزيارة نفسه، فوجود جلالته في مقدمة هذا التحرك الاقتصادي، وفي دولة بحجم الصين، يمنح رسالة الثقة ثقلاً أكبر في الداخل، ويعكس الجدية والاستمرارية والثقة على أعلى مستوى في الدولة، فالناس لا تتلقى الرسائل من مضمونها فقط، بل من مصدرها أيضاً، وكلما كان المصدر أكثر حضوراً ومصداقية، كان أثر الرسالة أوسع.
وبالطبع، لا يمكن للمعنويات الإيجابية أن تكون بديلاً عن السياسات الاقتصادية السليمة، ولا عن تشجيع الاستثمار والإنتاج والعمل وخلق الفرص، لكنها تستطيع أن تمنح كل ذلك دفعة إضافية، فالمستثمر يحتاج إلى الفرصة، لكنه يحتاج أيضاً إلى الثقة لاتخاذ القرار، وصاحب العمل يحتاج إلى السوق، لكنه يحتاج كذلك إلى نظرة إيجابية لما هو قادم، وهنا تتحول المعنويات من حالة نفسية عامة إلى قوة محفزة يمكن أن تظهر آثارها في الاقتصاد.
ومن هذه الزاوية، تضاف إلى الأهمية السياسية والاقتصادية للزيارة الملكية إلى الصين قيمة أخرى يصعب قياسها بالأرقام، لكنها لا تقل أهمية، وهي ما تبعثه في الداخل من ثقة بالمستقبل، خاصة عندما تأتي الرسالة من جلالة الملك نفسه، فاقتصاد أي بلد يحتاج إلى رأس المال والفرص والأسواق، لكنه يحتاج أيضاً إلى معنويات تدفع الناس إلى التحرك نحوها، لأن الثقة بالغد قد تكون أحياناً أول خطوة في صناعة ما نريد أن يكون عليه.
ــ الراي