د. عادل الوهادنة : بكين لا تغيّر بوصلة عمّان… بل تكشف اتساع خريطتها
نقاط رئيسة
1. الانفتاح على الصين توسيع لمساحة القرار الأردني، وليس انتقالاً بين المحاور.
2. قوة الأردن تكمن في تعدد شراكاته دون أن تكون أي علاقة على حساب أخرى.
3. الزيارة حملت مضموناً اقتصادياً وتكنولوجياً يتجاوز اللقاءات السياسية والبروتوكولية.
4. الاستثمار النافع هو الذي ينقل المعرفة، ويشغّل الأردنيين، ويرفع الصادرات والقيمة المضافة المحلية.
5. اللقاءات ومذكرات التفاهم لا تكفي؛ المعيار الحقيقي هو ما يتحول منها إلى مصانع وفرص عمل ومشروعات قابلة للقياس.
6. الملك يفتح أبواب الفرص، وعلى المؤسسات أن تضمن دخولها إلى الاقتصاد وعدم ضياعها بين الإجراءات.
7. السؤال ليس: لماذا ذهب الأردن إلى الصين؟ بل: ماذا سنفعل عندما تعود الفرص من الصين؟
من السهل اختصار زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين في سؤال مثير: هل يبحث الأردن عن بديل للغرب؟ لكن هذا السؤال، رغم جاذبيته الإعلامية، يضيّق ما جاءت الزيارة لتوسّعه.
الدول الصغيرة لا تحمي مصالحها باستبدال اعتمادٍ باعتماد، ولا بالانتقال من ظلّ قوة إلى ظلّ قوة أخرى؛ بل بتوسيع المساحة التي تقف فيها مستقلة، وبجعل علاقاتها المتعددة مصادر قوة لا محاور انقسام.
لذلك لا تبدو بكين «باب طوارئ» فتحه الأردن بسبب ضيق الخيارات، ولا إعلاناً عن تغيير التحالفات.
إنها نافذة إضافية في بيت دبلوماسي يعرف أن العالم لم يعد يُدار من عاصمة واحدة، وأن التمسك بالأصدقاء لا يتعارض مع البحث عن شركاء جدد.
الزيارة الحالية، وهي التاسعة لجلالة الملك إلى الصين منذ اعتلائه العرش، ليست جولة بروتوكولية عابرة؛ فقد امتدت بين شنغهاي وشنتشن وبكين، وشملت لقاءات مرتبطة بالتصنيع والطاقة والتعدين والأسمدة والغذاء والسياحة والروبوتات والنقل الجوي المتقدم والخدمات اللوجستية.
كما تناولت الاستفادة من التجربة الصينية في حوكمة الشركات المملوكة للدولة.
وهذا يكشف أن لغة الزيارة اقتصادية وتكنولوجية بقدر ما هي سياسية. المصدر الرسمي الصيني، الموقع الرسمي لجلالة الملك.
لكن علينا ألا نقع في المبالغة المقابلة. فاللقاء مع شركة ليس مصنعاً، ومذكرة التفاهم ليست فرصة عمل، والإعجاب بالتكنولوجيا لا يعني امتلاكها.
النجاح لا يُقاس بعدد الاجتماعات والصور، بل بما يصل بعد عودة الوفد إلى أرض الأردن.
الاستثمار الذي يحتاجه الأردن ليس المال الذي يعبر حدوده ثم يغادرها، بل الاستثمار الذي يزرع معرفة، ويشغّل أردنيين، ويبني سلسلة إنتاج، ويفتح باباً للتصدير.
فليس كل مشروع كبير مشروعاً وطنياً، وليس كل تمويل رخيص قليل الكلفة على المدى البعيد.
ومن هنا، يجب أن تمر أي شراكة مقبلة عبر بوابات واضحة: قيمة مضافة محلية، ونقل حقيقي للتكنولوجيا، وتشغيل وتدريب الأردنيين، وشفافية في التمويل والعقود، وحماية للبيانات والسيادة الرقمية، وقدرة على التصدير لا مجرد زيادة الاستيراد.
الأردن يمتلك ما قد يجعل منه شريكاً مهماً للصين: الاستقرار، والموقع، والموارد البشرية، واتفاقيات التجارة، وإمكانية الوصول إلى أسواق عديدة.
وفي المقابلة التي سبقت الزيارة، عُرضت فرص في الطاقة الخضراء والاقتصاد الرقمي والتصنيع والسياحة، مع الإشارة إلى مشاريع طاقة متجددة وتخزين تقارب قدرتها غيغاواط واحد، وفرص استثمارية تتجاوز مليار دولار. نص المقابلة الرسمية.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المزايا تعتمد على سؤال واحد: هل نحن مستعدون لاستقبال الاستثمار، أم مستعدون فقط للحديث عنه؟
الملك يستطيع فتح الأبواب، لكن المؤسسات هي التي يجب أن تمنع الفرص من الضياع بينها.
المطلوب بعد الزيارة ملف تنفيذي لكل مشروع، وجدول زمني، وجهة مسؤولة، ومؤشرات تقيس رأس المال والوظائف والصادرات ونسبة المكوّن المحلي.
فالفرق بين دولة تجذب الاستثمار ودولة تنتظره هو ما تفعله في اليوم التالي للزيارة.
أما علاقة الأردن بالولايات المتحدة وأوروبا والدول العربية، فلا تنتقص منها الشراكة مع الصين.
على العكس، تعدد العلاقات المتوازنة يزيد قيمة الأردن لدى الجميع.
الدولة الواثقة لا تخسر صديقاً كي تكسب آخر، ولا تحوّل اقتصادها إلى رسالة احتجاج سياسية.
زيارة بكين ليست امتحاناً لولاء الأردن لهذا المحور أو ذاك؛ إنها امتحان لقدرتنا على تحويل تعدد الصداقات إلى استقلال في القرار، والتكنولوجيا إلى معرفة، والمذكرات إلى مصانع، والزيارات إلى فرص تصل إلى حياة المواطن.
السؤال الصحيح إذن ليس: لماذا ذهب الأردن إلى الصين؟
بل: ماذا سنفعل في الأردن عندما تعود الفرص من الصين؟
من يقرأ الزيارة بوصفها تغييراً في البوصلة يقرأ حركة الطائرة فقط؛ أما من يقرأها بوصفها توسيعاً لمساحة القرار، فهو يقرأ حركة الدولة.