اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

العين الدكتور أمجد الجميعان : الماضي ليس وطنًا بديلاً: الزمن الجميل والحاضر الأجمل!

العين الدكتور أمجد الجميعان : الماضي ليس وطنًا بديلاً: الزمن الجميل والحاضر الأجمل!
أخبارنا :  

لا تُقاس التجارب الإنسانية بما حققته من نجاحات فقط، بل بما راكمته أيضًا من إخفاقات ودروس. ومع ذلك، تميل المجتمعات أحيانًا إلى إعادة قراءة ماضيها بصورة انتقائية، فتتقدم إنجازاته إلى الواجهة، بينما تتراجع إخفاقاته وتحدياته، حتى يبدو الماضي أكثر اكتمالًا مما كان عليه، ويصبح معيارًا تُقاس عليه كل مرحلة جديدة.


ليس في احترام الماضي أو تقدير رجاله وإنجازاتهم ما يدعو إلى الجدل؛ فالوفاء للتاريخ جزء من الوفاء للمجتمع، وتكريم من أسهموا في البناء مسؤولية أخلاقية. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التقدير إلى نزعة لاستبقاء الماضي، تجعل من مرحلة سابقة مرجعًا دائمًا، ومن شخصيات غابت عن المشهد نماذج يصعب تجاوزها، وكأن مسيرة الدول والمجتمعات يمكن أن تتوقف عند أشخاص أو أزمنة بعينها.


الأخطر أن هذه النظرة لا تكتفي بتمجيد ما مضى، بل قد تتحول إلى موقف من الحاضر نفسه؛ فكل جديد يصبح موضع شك، وكل تجربة مختلفة تُقارن بتجربة سابقة، وكل إنجاز معاصر يُنظر إليه من خلال ما تحقق في زمن آخر. وهنا لا يعود الماضي ذاكرة وطنية، بل يتحول إلى معيار يحاكم الحاضر قبل أن يُمنح فرصة عادلة لإثبات نفسه.


إن الدول والمجتمعات لا تُبنى على استنساخ مراحلها السابقة، بل على قدرتها على تطوير ما راكمته، وتصحيح أخطائها، والاستجابة لمتغيرات كل مرحلة. فما كان مناسبًا لزمن قد لا يكون صالحًا لزمن آخر، وما نجح في ظروف معينة قد يفقد فاعليته عندما تتغير الظروف والأدوات والتحديات.


ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي ليس في أن نسأل: هل كان الماضي أجمل؟ بل أن نسأل: هل نملك الشجاعة لنصنع حاضرًا يستحق أن يصبح هو نفسه ماضيًا جميلًا لأجيالنا القادمة؟


المجتمع الذي يظل منشغلًا بمقارنة حاضره بماضيه يخاطر بأن يتحول من مجتمع يصنع تاريخه إلى مجتمع يعيش على روايته. أما المجتمع الواثق بنفسه، فيحترم ما أنجزه السابقون، لكنه لا يعتبر إنجازاتهم سقفًا نهائيًا للطموح.


الحياة لا تتوقف عند مرحلة، والدولة لا تتوقف عند شخص، والتاريخ لا يُكتب مرة واحدة. لكل زمن رجاله وأدواته وتحدياته، ومن الطبيعي أن تختلف الأدوار باختلاف المراحل. لذلك فإن رفض الجديد لمجرد أنه جديد لا يحمي الماضي، كما أن تمجيد الماضي لا يصنع مستقبلًا.


وفي المجتمعات التي حققت إنجازات حقيقية وتواصل مسيرة البناء، لا ينبغي أن يتحول الاعتزاز بما تحقق إلى حنين يعطل ما يمكن تحقيقه. فالمنجز الوطني الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعيش الناس أسرى له، بل يجب أن يكون قاعدة ينطلقون منها إلى إنجاز أكبر.


ولعل أفضل وفاء لمن صنعوا التاريخ ألا نبقى واقفين عند صفحاتهم، بل أن نضيف إليها صفحات جديدة. فالتاريخ الذي يستحق الاحترام ليس الذي نكرر الحديث عنه، وإنما الذي نستمر في صناعته.


الماضي ليس وطنًا بديلًا نعود إليه كلما خذلنا الحاضر؛ الماضي هو أساس نبني عليه، والحاضر هو مسؤوليتنا، والمستقبل هو الاختبار الحقيقي لقدرتنا على مواصلة البناء.




مواضيع قد تهمك