معاذ وليد أبو دلو : "الشباب الأردني بين الفرصة والقرار"
مرت قبل أيام ذكرى اليوم العالمي للشباب، وهي مناسبة تتجاوز الاحتفال الرمزي بالشباب إلى التذكير بدورهم باعتبارهم قوة رئيسية في التنمية وصناعة المستقبل، وبضرورة تمكينهم من المشاركة في الحياة العامة وصنع القرار. وفي الحالة الأردنية، تبدو هذه المناسبة فرصة حقيقية لطرح سؤال أكثر أهمية من مجرد الاحتفال: ماذا يريد الشباب الأردني اليوم؟
والسؤال لا ينبغي أن يبقى في إطار الخطابات العامة أو الشعارات، بل يجب أن يتحول إلى نقاش جاد حول أولويات الشباب، ودور الدولة والأحزاب والمؤسسات في الاستجابة لها.
ولعل أول ما يريده الشباب الأردني هو الفرصة؛ فرصة العمل والإنتاج والاستقلال وبناء المستقبل. فالشاب الأردني لا يبحث بالضرورة عن وظيفة حكومية بقدر ما يبحث عن اقتصاد قادر على استيعاب طاقته وكفاءته، وعن سوق عمل يمنحه فرصة عادلة بعيداً عن الواسطة والمحسوبية، وعن بيئة استثمارية قادرة على خلق وظائف حقيقية ومستدامة.
وهنا تبرز مفارقة تستحق التوقف، فقد أولت الدولة منذ سنوات ملف الاستثمار اهتماماً مؤسسياً، وانتقل من دائرة إلى وزارة، وأصبح له وزير ونائب لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، ومع ذلك ما تزال النتائج الاقتصادية والاستثمارية دون مستوى الطموح الذي ينتظره المواطن الأردني، والشباب بصورة خاصة. فالمشكلة ليست في عدد المؤسسات التي تحمل عنوان الاستثمار، وإنما في قدرتها على تحويل الاستثمار إلى مشاريع منتجة وفرص عمل حقيقية تنعكس على الواقع الفعلي.
الشاب الأردني يريد اقتصادا لا يجعله ينتظر سنوات للحصول على وظيفة، ولا يدفعه إلى الهجرة بحثا عن فرصة وعن مصدر يؤمن له لقمة العيش، ولا يجعل الوظيفة العامة هي الطريق الوحيد إلى الاستقرار وهذه العقلية السائدة للأسف!، بل يريد قطاعاً خاصا قويا، واستثمارا منتجا، وتمويلا حقيقيا للمشاريع الصغيرة والريادية، واقتصادا رقميا قادرا على استيعاب الطاقات الجديدة وتقليل نسبة البطالة العالية التي تفتك بمجتمعنا.
لكن الشباب لا يريدون العمل فقط؛ إنهم يريدون أيضا المشاركة.
لقد تغيرت طبيعة العلاقة بين الشباب والدولة والمجتمع، فالشباب اليوم أكثر وعياً بحقهم في أن يكون لهم صوت مسموع في القضايا العامة، وأن ينتقلوا من موقع المتلقي للسياسات إلى موقع المشارك في صياغتها. ولذلك فإن المشاركة الشبابية لا ينبغي أن تختزل في مؤتمرات أو ندوات أو مبادرات موسمية، وإنما يجب أن تكون مشاركة حقيقية في المؤسسات التي تصنع القرار.
وهنا يأتي دور الأحزاب السياسية.
إن الحديث المتزايد داخل بعض الأحزاب عن سؤال «ماذا يريد الشباب الأردني من الأحزاب»؟ يمثل في حد ذاته تطورا إيجابيا، لأنه يعكس إدراكا بأن الشباب أصبحوا عنصرا أساسيا في الحياة الحزبية والسياسية.
لكن السؤال الأهم الذي ينبغي أن تطرحه الأحزاب على نفسها هو: ماذا ستقدم الأحزاب للشباب؟
فالشباب لا يحتاجون حزبا يطلب منهم الانتساب فقط لرفع عدد الأعضاء، ولا حزبا يتعامل معهم باعتبارهم كتلة انتخابية، ولا أن تتحول العضوية الحزبية إلى وسيلة للبحث عن وظيفة أو منفعة شخصية، الحزب الحقيقي هو الذي يقدم للشباب مشروعا سياسيا وفكريا واقتصاديا، ويمنحهم مساحة حقيقية للتعبير والمشاركة وصناعة القرار داخل الحزب نفسه.
ومن المؤسف أن جزءا من الحضور الشبابي في الحياة الحزبية ما يزال مرتبطا أحيانا بمصالح شخصية أو اجتماعية، سواء بحثا عن وظيفة أو شبكة علاقات أو حضور اجتماعي، في حين أن نسبة أقل تنخرط في العمل الحزبي انطلاقا من إيمان حقيقي بالفكرة والبرنامج السياسي.
وهنا لا تقع المسؤولية على الشباب وحدهم؛ بل تقع أيضا على الأحزاب، فإذا كانت الأحزاب تريد شبابا مؤمنين بالعمل السياسي، فعليها أن تقدم لهم سياسة تستحق الانتماء إليها، وأن تجعل الشاب عضوا فاعلا في صناعة القرار الحزبي، لا مجرد رقم في قوائم المنتسبين.
أما الدولة، فعليها أن تدرك أن معالجة قضية الشباب لا تكون فقط من خلال برامج التدريب والتشغيل، على أهميتها، وإنما من خلال سياسة اقتصادية متكاملة تجعل النمو الاقتصادي قادرا على إنتاج فرص عمل، وتربط التعليم بسوق العمل، وتدعم الاستثمار، وتزيل العوائق أمام القطاع الخاص، وتخلق بيئة حقيقية لريادة الأعمال والابتكار.
كما أن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يكتمل من دون حضور شبابي نوعي. فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية تحتاج إلى الرعاية، وإنما هم شريحة اجتماعية تمتلك القدرة على التجديد السياسي والفكري، ومن هنا فإن نجاح عملية التحديث السياسي في الأردن لن يقاس فقط بعدد الأحزاب الجديدة أو بعدد المنتسبين إليها، وإنما بمدى قدرتها على إنتاج قيادات سياسية جديدة، وفي مقدمتها القيادات الشابة.
وفي المقابل، فإن الشباب أنفسهم أمام مسؤولية لا تقل أهمية ، فالمشاركة السياسية الحقيقية تتطلب الوعي والمعرفة والقدرة على الحوار وقبول الاختلاف، كما تتطلب أن يتحول الشاب من انتظار الفرصة إلى السعي لصناعتها، ومن البحث عن المكاسب الشخصية إلى التفكير في المصلحة العامة.
إن الأردن لا تنقصه الطاقات الشبابية، ولا تنقصه الكفاءات؛ وإنما التحدي الحقيقي هو كيف نحول هذه الطاقات إلى قوة اقتصادية وسياسية منتجة.
الشباب الأردني يريد فرصة عادلة، ويريد دولة تفتح أمامه أبواب المستقبل، وحزبًا يحترم عقله ولا يستغل حاجته، ومؤسسات تسمح له بالمشاركة الحقيقية، واقتصادا يمنحه القدرة على بناء حياته دون أن يكون مضطرا للبحث عن مستقبله خارج وطنه.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «ماذا يريد الشباب الأردني؟»، بل يجب أن يكون أيضا: هل نحن مستعدون أن نقدم للشباب الأردني ليصبح شريكا كاملا في بناء الدولة؟
فالشباب ليسوا مستقبل الأردن فحسب؛ إنهم حاضر الأردن، وقوته ، وأحد أهم شروط استدامة مشروعه السياسي والاقتصادي للبقاء صامدا في وجه التحديات والإقليم العاصف.