اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

نضال البيك : من واشنطن إلى أوروبا... حمادة فراعنة يقرأ فلسطين من بوابتَي التأثير وصناعة القرار

: نضال البيك : من واشنطن إلى أوروبا... حمادة فراعنة يقرأ فلسطين من بوابتَي التأثير وصناعة القرار
أخبارنا :  

بقلم : نضال البيك


لم تعد الجاليات الفلسطينية في الشتات مجرد تجمعات بشرية تحمل ذاكرة الوطن وتعيش بعيداً عن فلسطين، بل أخذت تتحول، في السنوات الأخيرة، إلى مكونات مدنية وسياسية وإعلامية لها حضورها وتأثيرها في المجتمعات التي تعيش فيها.


ومن الولايات المتحدة الأميركية إلى العواصم الأوروبية، يتنامى حضور الفلسطينيين في المجال العام، من خلال المؤسسات والجمعيات والجامعات والإعلام والنقابات والأحزاب والانتخابات ومؤسسات المجتمع المدني. والأهم أن هذا الحضور بدأ يتجاوز التعبير عن التعاطف مع فلسطين إلى المشاركة في صناعة الرأي العام والتأثير في النقاش السياسي حول القضية الفلسطينية.

وهنا تبرز أهمية الدور الذي تقوم به الجاليات الفلسطينية في أميركا وأوروبا؛ فهي لا تتحرك فقط دفاعاً عن الهوية والذاكرة والحقوق الوطنية، وإنما تعمل، بدرجات متفاوتة، على نقل القضية الفلسطينية إلى داخل المجتمعات الغربية نفسها، ومخاطبة المواطن والناخب والبرلماني والحزب والإعلامي والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني.

لقد أصبحت معركة فلسطين، في جانب مهم منها، معركة وعي ورواية ورأي عام، وأصبحت الجاليات الفلسطينية جزءاً من هذه المعركة.


من فلسطين إلى واشنطن... ومن واشنطن إلى أوروبا


في هذا السياق تحديداً، تكتسب أهمية خاصة اللقاءات الحوارية المتتالية التي أجراها الكاتب والمحلل السياسي والنائب السابق الأستاذ حمادة فراعنة على أثير إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية.

فاللقاء الأول كان مع البروفيسور جون ظبيط، الأميركي من أصل فلسطيني من مدينة اللد، وعضو الحزب الديمقراطي الأميركي، وصاحب حضور في المشهد السياسي والحزبي الأميركي.

أما اللقاء الثاني، فجاء مع السيد جورج رشماوي، الفلسطيني المقيم في ألمانيا ورئيس اتحاد الجاليات الفلسطينية في أوروبا.

وللوهلة الأولى قد يبدو أن اللقاءين مجرد حوارين منفصلين مع شخصيتين فلسطينيتين تعيشان في الغرب.

لكن عند قراءة الاختيارين معاً، تتضح دلالة أعمق.

فهذا ليس انتقالاً عشوائياً من شخصية إلى أخرى، ولا مجرد تنويع في الضيوف، وإنما يبدو كأنه بناء متدرج لصورة واحدة: صورة الحضور الفلسطيني في موقعيْن أساسيين من مواقع التأثير العالمي، الولايات المتحدة وأوروبا.

الأول يفتح نافذة على الداخل الأميركي والحزب والكونغرس والانتخابات والرأي العام.

والثاني يفتح نافذة على الجاليات الفلسطينية في أوروبا، وعلى التنظيم والانتشار والعلاقات مع المؤسسات الأوروبية والمجتمع المدني والسياسة والإعلام.

وبذلك يصبح الحواران، عند وضعهما إلى جانب بعضهما، أشبه بخريطة سياسية للحضور الفلسطيني في الغرب.


حمادة فراعنة... السؤال الذي يتجاوز الضيف

وهنا تحديداً يظهر الدور المهني للكاتب والمحلل السياسي حمادة فراعنة.

فالمحاور المحترف لا يختار ضيفه فقط، وإنما يختار الموقع الذي يمثله الضيف، والزاوية التي يريد من خلالها قراءة القضية.

وفي اللقاء الأول، كان السؤال موجهاً إلى قلب المشهد الأميركي: كيف يفكر الأميركي الفلسطيني؟ كيف يرى الحزب الديمقراطي؟ ماذا يحدث داخل المجتمع الأميركي؟ وما الذي يمكن أن تعنيه التحولات في الرأي العام بالنسبة للقضية الفلسطينية؟

ثم ينتقل الحوار في اللقاء الثاني إلى أوروبا: كيف تعمل الجاليات الفلسطينية؟ كيف تنظم نفسها؟ كيف تتواصل مع المؤسسات الأوروبية؟ كيف تنتقل من حالة الوجود الاجتماعي إلى التأثير السياسي والإعلامي؟

وبين واشنطن وأوروبا، يصبح السؤال الأكبر:

هل يستطيع الفلسطينيون في الشتات أن يتحولوا من مجرد جماعات تعيش في دول القرار إلى قوى مدنية وسياسية قادرة على التأثير في هذه الدول؟

وهذا هو جوهر الاختيار.

جون ظبيط... فلسطين من داخل المشهد الأميركي

الحوار مع الدكتور جون ظبيط قدم للمستمع نافذة على الداخل الأميركي، لا على أميركا من الخارج.

فالرجل فلسطيني الأصل، أميركي الانتماء السياسي، يعيش داخل المؤسسات والحياة الحزبية الأميركية، ولذلك فإن شهادته تحمل قيمة خاصة في فهم طبيعة التحولات التي تجري داخل المجتمع الأميركي.

وقد أخذ الحوار إلى ملفات الحزب الديمقراطي، والكونغرس، ومجلسي النواب والشيوخ، والانتخابات، والاقتصاد الأميركي، وتأثير الحروب على المواطن، والتحولات بين الشباب الأميركي تجاه القضية الفلسطينية.

وهنا تكمن أهمية الحوار: أن فلسطين لم تعد تُناقش فقط من العواصم العربية، بل أصبحت تُناقش من داخل الولايات المتحدة نفسها، ومن داخل الأحزاب والمؤسسات والجامعات والحركات الشبابية والمجتمع المدني.

وهذا التحول يستحق القراءة الهادئة والعميقة.


جورج رشماوي... فلسطين من قلب أوروبا

ثم جاء اللقاء الثاني مع جورج رشماوي ليأخذ المستمع إلى مساحة أخرى من الجغرافيا السياسية الفلسطينية: أوروبا.

وهنا لم يعد السؤال متعلقاً بفلسطيني واحد يعيش في دولة أوروبية، بل بتجمعات وجاليات ومؤسسات تسعى إلى بناء إطار أكثر تنظيماً للحضور الفلسطيني.

واللافت في مفهوم "أجمع" الذي أشار إليه رشماوي، أنه يحمل دلالة تتجاوز كلمة "اتحاد" إلى معنى التجميع والتقارب وتوحيد الجهود الفلسطينية في أوروبا.

فالفكرة الأساسية ليست فقط أن يكون للفلسطينيين مؤسسات، وإنما أن تتواصل هذه المؤسسات وتتعاون وتنسق وتتحول من جزر متفرقة إلى شبكة مدنية قادرة على الحضور والتأثير.

وهنا يصبح الوجود الفلسطيني في أوروبا أكثر من مجرد حالة اجتماعية؛ يصبح رأسمالاً بشرياً ومدنياً وسياسياً وإعلامياً يمكن توظيفه في خدمة الحقوق الفلسطينية.

من الجالية إلى القوة المؤثرة

لقد تغيرت طبيعة العمل الفلسطيني في الشتات.

ففي الماضي كان التركيز الأكبر على الحفاظ على الهوية والذاكرة، وتنظيم الفعاليات وإحياء المناسبات الوطنية والتعبير عن المواقف.

أما اليوم، فإن التحدي أصبح أكبر:

كيف يدخل الفلسطيني إلى المؤسسات التي تصنع القرار؟

كيف يصل إلى البرلمان؟

كيف يشارك في الانتخابات؟

كيف يدخل الأحزاب؟

كيف يؤثر في الإعلام؟

كيف يتواصل مع النقابات والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني؟

كيف يبني تحالفات مع القوى الأوروبية والأميركية المؤمنة بالعدالة وحقوق الإنسان؟

هذه الأسئلة هي التي تنقل الجالية من حالة الوجود إلى حالة التأثير.

واشنطن وأوروبا... بوابتان للقضية الفلسطينية

إذا كان الحوار مع جون ظبيط قد قدم قراءة من داخل المشهد الأميركي، فإن الحوار مع جورج رشماوي قدم قراءة من داخل التجمع الفلسطيني الأوروبي.

وبين الاثنين تظهر صورة متكاملة:

فلسطيني أميركي داخل الحياة السياسية الأميركية، وفلسطيني أوروبي يعمل على تنظيم الجاليات الفلسطينية في أوروبا.

الأول يمثل نافذة على السياسة الأميركية من الداخل.

والثاني يمثل نافذة على العمل الفلسطيني الأوروبي من الداخل.

وهذا ما يجعل اختيار فراعنة للضيفين يحمل دلالة سياسية وإعلامية واضحة.

إنه لا يتحدث عن الشتات باعتباره حالة جغرافية بعيدة عن فلسطين، وإنما يحاول أن يقرأه باعتباره امتداداً فلسطينياً موجوداً في قلب المجتمعات الغربية ومواقع التأثير فيها.

معركة فلسطين لم تعد محصورة في الجغرافيا

لقد أصبحت القضية الفلسطينية اليوم حاضرة في الجامعات الأميركية والأوروبية، وفي النقابات، وفي البرلمانات، وفي الإعلام، وفي الشارع، وفي الحملات الانتخابية، وفي نقاشات الأحزاب.

وهذا يعني أن الفلسطينيين أمام فرصة تاريخية لبناء خطاب جديد؛ خطاب لا يكتفي بالشكوى، وإنما يقدم الرواية الفلسطينية بلغة القانون الدولي وحقوق الإنسان والعدالة والحرية والكرامة.

فالتحولات الحقيقية لا تحدث فقط عندما يخرج الناس إلى الشوارع، وإنما عندما يتحول هذا الحراك إلى وعي سياسي، ومشاركة انتخابية، وتأثير مؤسسي، وتحالفات مدنية، وحضور داخل مواقع القرار.

ومن هنا تأتي أهمية الجاليات الفلسطينية في أميركا وأوروبا.

الاختيار لم يكن صدفة

وعندما نضع اللقاءين جنباً إلى جنب، يصبح من الصعب النظر إليهما باعتبارهما مجرد مصادفة في البرمجة الإذاعية.

اختيار شخصية فلسطينية أميركية لها حضور في الحياة السياسية الأميركية، ثم الانتقال إلى شخصية فلسطينية أوروبية تقود إطاراً جامعاً للجاليات الفلسطينية في أوروبا، يحمل في ذاته رسالة.

رسالة تقول إن فلسطين موجودة في واشنطن كما هي موجودة في برلين وبروكسل ولندن وباريس وغيرها.

وأن الفلسطيني في الشتات ليس فقط لاجئاً أو مهاجراً أو صاحب ذاكرة، وإنما يمكن أن يكون مواطناً فاعلاً، وناخباً، وإعلامياً، وأكاديمياً، وناشطاً، وحزبياً، وبرلمانياً، وصاحب قرار وتأثير.

ومن هنا يمكن قراءة اللقاءين باعتبارهما حلقتين في سلسلة واحدة: قراءة فلسطين من مواقع وجودها وتأثيرها في الغرب.

وهذا، في تقديري، يعكس وعياً لدى الأستاذ حمادة فراعنة بأهمية أن تكون القضية الفلسطينية حاضرة في النقاش السياسي الدولي من خلال أصوات فلسطينية تعيش داخل تلك المجتمعات وتفهم لغتها السياسية وآلياتها ومؤسساتها.


حمادة فراعنة... صناعة الحوار لا صناعة الظهور


ومن الإنصاف هنا أن نتوقف عند أسلوب حمادة فراعنة في إدارة الحوار.

فقد بدا في اللقاءين محاوراً يترك للضيف مساحة واسعة، ويطرح السؤال ثم يستمع، ويتابع الإجابة ليبني عليها السؤال التالي.

وهذه ليست مسألة شكلية.

فحين يكون الضيف صاحب تجربة سياسية وميدانية، فإن قيمة الحوار ترتفع عندما يُمنح الوقت والمساحة لعرض تجربته وتحليله.

وفراعنة لم يكن في الحوارات باحثاً عن الظهور على حساب ضيفه، بل كان واضحاً أنه يبحث عن المعلومة والتحليل والرؤية.

وهذا هو الفرق بين من يستخدم الضيف ليظهر، ومن يستخدم الحوار ليُظهر القضية.


الخاتمة:

من الشتات إلى الشراكة في صناعة القرار


إن الحضور الفلسطيني في الولايات المتحدة وأوروبا يدخل مرحلة جديدة.

مرحلة لم يعد فيها السؤال: أين يعيش الفلسطينيون؟

بل أصبح السؤال:

أين يستطيع الفلسطينيون أن يؤثروا؟

وهذا تحول بالغ الأهمية.

ففلسطين تحتاج إلى حضورها في فلسطين، لكنها تحتاج أيضاً إلى حضور أبنائها في عواصم العالم، وفي الجامعات، والأحزاب، والبرلمانات، والنقابات، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني.

ومن هنا فإن لقاءين متتاليين مع شخصيتين فلسطينيتين تمثلان فضاءين مختلفين، أميركياً وأوروبياً، يقدمان قراءة تستحق التوقف.

وأحسب أن هذا الاختيار لم يكن وليد الصدفة، بل يعكس رؤية لدى الأستاذ حمادة فراعنة في بناء حوار يلاحق القضية الفلسطينية حيث توجد مراكز التأثير، وحيث يتشكل الرأي العام، وحيث تصنع السياسات. فى

فقد أخذنا من اللد إلى أميركا، ومن فلسطين إلى أوروبا، ومن الجالية إلى الحزب، ومن الحزب إلى المجتمع، ومن المجتمع إلى البرلمان والانتخابات، ومن الرواية إلى التأثير.

وهنا تكمن قيمة الإعلام السياسي المسؤول.

كل التحية والتقدير للأستاذ حمادة فراعنة، الكاتب والمحلل السياسي والمحاور، على هذا الاختيار الواعي، وعلى هذه المساحة التي منحها للصوت الفلسطيني القادم من داخل المجتمعات الأميركية والأوروبية.

إنه لا يكتفي بأن يسأل: ماذا يحدث لفلسطين؟

بل يذهب إلى السؤال الأهم:

ماذا يفعل الفلسطينيون حيث توجد مراكز صناعة القرار؟ وكيف يمكن أن يتحول حضورهم من مجرد وجود في الشتات إلى شراكة في التأثير وصناعة الرأي والقرار؟

وهذا هو الحوار الذي يستحق أن يُسمع... لأنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحاول أن يقرأ اتجاه المستقبل.


مواضيع قد تهمك