اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمود الدباس ــ ابو الليث : دائرة قاضي القضاة .. لا أقبله لابني .. ولن أقبله لابنتي ..

محمود الدباس ــ ابو الليث : دائرة قاضي القضاة .. لا أقبله لابني .. ولن أقبله لابنتي ..
أخبارنا :  

سبحان الله الذي جعل الزواج سبيلاً لإعمار الأرض.. وأقام الأسرة على المودة والرحمة.. وجعل بين الزوجين من السكن ما يجعل الحياة أكثر طمأنينة.. فإذا تعذر استمرارها.. لم يجعل الفراق جريمة.. وإنما أرشد إلى أن يكون الانفصال بإحسان.. وكأن الرسالة واضحة منذ البداية.. إن عجزتم عن الاستمرار معاً.. فلا تجعلوا من الفراق باباً للانتقام؟!..


هذه الفكرة استوقفتني اليوم.. وأنا أزور دائرة قاضي القضاة.. برفقة أحد الأشخاص الذي علق في تبعات الطلاق.. وما ينشأ عنه من قضايا وإجراءات.. فوجدت نفسي أمام مؤسسة.. لا تتعامل مع القضايا الأسرية باعتبارها أوراقاً في ملفات فقط.. وإنما باعتبارها حياة بشرية.. فيها مشاعر.. وحقوق.. وأطفال.. وعائلات.. قد تبقى آثار الخصومة بينها سنوات طويلة..


كان لدى مرافقي بعض الملاحظات حول إجراءات التقاضي.. فاستأذنت بلقاء سماحة قاضي القضاة الشيخ عبدالحافظ الربطة.. فاستقبلنا كعادته ببشاشة.. واستمع لما لدينا.. ثم أحالنا إلى مفتش المحاكم فضيلة الدكتور محمد الشمايلة.. لنجد أمامنا الصورة ذاتها.. احتراماً ومهنيةً واستماعاً هادئاً لما يقال..


وخلال الحديث.. طرح عليّ الدكتور الشمايلة سؤالاً بسيطاً في ظاهره.. عميقاً في معناه.. قال لي.. لو كانت الطليقة ابنتك.. فهل تقبل أن يتم ظلمها؟!..


أجبته بلا تردد.. لو كان الأمر يتعلق بابني.. فلا أقبل أن تظلمه طليقته.. ولو كانت القضية تتعلق بابنتي.. فلا أقبل أن تظلم طليقها.. لأن العدل لا يتغير بتغير موقعنا من القضية.. ولأن ما أرفضه على نفسي.. لا يجوز أن أقبله على غيري عندما تنعكس المواقع..


وهنا تحديداً تكمن واحدة من أكبر مشكلات ما بعد الطلاق.. أن يتحول القانون من وسيلة لحفظ الحقوق إلى وسيلة لإيلام الطرف الآخر.. وأن تتحول الشكاوى والقضايا والإجراءات إلى أدوات للنكد والانتقام.. لا سيما عندما يكون بين الطرفين أطفال.. فيصبح الأب والأم مشغولين بإيذاء بعضهما.. بينما يدفع الأبناء الثمن من أعصابهم واستقرارهم وطفولتهم.


ليس معنى التفريق بالإحسان أن يتنازل الإنسان عن حقه.. ولا أن يسكت عن الظلم.. وإنما أن يأخذ حقه.. دون أن يجعل من القانون سلاحاً للانتقام.. وأن يعرف الطرفان أن انتهاء الزواج.. لا يعني انتهاء الإنسانية.. وأن أبناءهما سيبقون جسراً بينهما مهما حاول كل طرف أن يهدم الجسر مع الآخر..


والأجمل في زيارتي اليوم.. أنني لم أجد الحديث عن العدالة.. منفصلاً عن طريقة التعامل مع الناس.. فقد كنت أظن أن البشاشة التي وجدناها لدى مفتش المحاكم.. ربما كانت لأن قاضي القضاة هو من أحالنا إليه.. لكن ظني تغير عندما بدأ أصحاب القضايا والمراجعين يتوافدون عليه واحداً تلو الآخر.. فوجدته يتعامل مع الجميع بالهدوء ذاته.. والبشاشة ذاتها.. والمهنية ذاتها.. يستمع للسؤال.. ويجيب عن الملاحظة.. ويتعامل مع كل قضية بما تستحقه.. دون أن يتغير وجهه بتغير صاحبها.. أو طريقة وصوله..


وهنا أدركت.. أن اجتماع العدالة مع المهنية والبشاشة.. ليس أمراً ثانوياً في عمل المسؤول.. فالمراجع قد يخرج من مكتب المسؤول.. دون أن يحصل على ما يريد.. لكنه إذا شعر أنه سُمع باحترام.. وأن حقه عولج بعدالة.. فقد يخرج راضياً عن طريقة التعامل.. حتى وإن لم تكن النتيجة لمصلحته..


ولو أن كل مسؤول.. استطاع أن يجعل المراجع يشعر بأنه إنسان.. قبل أن يكون صاحب معاملة.. وأن يستمع إليه قبل أن يحكم عليه.. وأن يجمع الحزم مع البشاشة.. والمهنية مع الرحمة.. لربما كانت علاقتنا مع مؤسسات الدولة في منحى آخر..


شكراً لسماحة قاضي القضاة الشيخ عبدالحافظ الربطة.. الذي جعل من مؤسسة القضاء الشرعي نموذجاً في المهنية وحسن التعامل..


وشكراً لفضيلة الدكتور محمد الشمايلة.. الذي جعلني اليوم أكثر تفاؤلاً.. بأن لدينا مسؤولين يعرفون.. أن هيبة المنصب لا تحتاج إلى العبوس.. وأن قوة القرار لا تحتاج إلى قسوة.. وأن العدالة يمكن أن تكون حازمة.. دون أن تفقد إنسانيتها..


ويبقى الأهم.. أن نتذكر جميعاً.. حين نقف في قضايا الطلاق على طرفي الخصومة.. أن نسأل أنفسنا سؤالاً واحداً قبل أن نطلب حقاً.. أو نرفع شكوى.. أو نستعمل إجراءً قانونياً ضد الآخر..


لو انعكست المواقع.. هل كنت سأقبل أن يُفعل بي ما أفعله به؟!..


إن كانت الإجابة لا.. فربما كان في الأمر شيء من الظلم.. وإن كانت الإجابة نعم.. فنحن أقرب إلى معنى العدالة.. وأقرب إلى ذلك الذي أراده الله لنا.. أن نجتمع بإحسان.. وإن افترقنا.. أن يكون فراقنا بإحسان..




مواضيع قد تهمك