اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي أسامة البيطار : الأردن الذي لا تسمح له الجغرافيا أن يكون متفرجاً

المحامي أسامة البيطار : الأردن الذي لا تسمح له الجغرافيا أن يكون متفرجاً
أخبارنا :  

بدأ الأمر، في ظاهره، بخلاف على الاستملاك.


شهد مجلس النواب نقاشاً حاداً حول مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية، وتركز جانب كبير منه على الأرض والاقتطاع والتعويض وإدخال السكك الحديدية ضمن الأحكام المتعلقة بالطريق.


وهي أسئلة مشروعة؛ فالملكية الخاصة حق دستوري، والأرض في المجتمع الأردني ليست مجرد أصل اقتصادي، ولا يجوز أن يتحمل مواطن منفرد كلفة مشروع يفترض أنه يحقق منفعة عامة.


لكن ما جرى تحت القبة كشف، في تقديري، مشكلة أكبر من الخلاف على مادة قانونية.


الحكومة ربحت القانون… فمن ربح النقاش؟


لا يمكن القول إن الحكومة أخفت مشروع السكة عن مجلس النواب؛ فقد تحدثت عنه سابقاً وأدرجته ضمن خططها.


لكنها ارتكبت خطأ آخر ربما كان أكثر أهمية:


قدمت القانون قبل أن تقدم فلسفته، وقدمت الاستملاك للرأي العام قبل أن تقدم له المشروع الذي يستدعيه.


وبصراحة أكبر، نجحت الحكومة في إدارة التصويت أكثر مما نجحت في إدارة النقاش.


أما مجلس النواب، فانشغل في جانب كبير من النقاش بالتفاصيل القانونية والإجرائية، ولم يفرض بالقوة ذاتها السؤال الذي كان يجب أن يسبقها:


ما المشروع الوطني المتكامل الذي نعدل من أجله قانون الملكية العقارية؟


وفي هذه المساحة كانت الحركة الإسلامية أذكى سياسياً؛ التقطت المسألة التي يفهمها المواطن فوراً: أرضه.


التقطت القلق من الاستملاك والاقتطاع وحولته إلى قضية سياسية مفهومة شعبياً.


ولا لوم عليها في ذلك؛ فهذه هي السياسة.


اللوم يقع على من ترك لها المساحة.


فحين لا تقدم الحكومة روايتها كاملة، سيقدم خصومها روايتهم. وحين لا يلتقط البرلمان الصورة الكبرى، ستنتصر في المجال العام الصورة الأقرب إلى حياة الناس.


ولذلك، فالسؤال ليس فقط: من ربح التصويت؟


الحكومة ربحته.


السؤال الأصعب:


من ربح النقاش أمام الأردنيين؟


ولا أعتقد أن الإجابة مريحة للحكومة.


ثم جاءت معان


بعد ذلك جاءت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى معان، وما رافقها من حديث عن التنمية والاستثمار والبنية التحتية، وعن ميناء معان البري وربطه بسكة حديد العقبة.


وهنا ظهرت صورة أكبر بكثير من تلك التي سادت النقاش النيابي.


لم نعد نتحدث عن أرض ستُستملك فقط، بل عن سكة حديد وميناء بري ومراكز لوجستية وصناعة وربط بالعقبة وامتداد إقليمي محتمل.


فالمشروع في مرحلته الحالية يمتد لنحو 360 كيلومتراً لربط ميناء العقبة بمناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي، ضمن استثمار أردني إماراتي يقدر بنحو 2.3 مليار دولار، مع ربط منطقة معان التنموية بالسكة وإنشاء ميناء بري يمكن أن يكون نواة لمنطقة لوجستية وجمركية وصناعية.


والرؤية المعلنة تذهب أبعد من ذلك نحو شبكة يمكن أن تعزز مستقبلاً ربط الأردن بالسعودية والخليج، وأن تمتد شمالاً ضمن شبكات النقل الإقليمية.


عندها لا تعود السكة مجرد سكة.


تصبح جزءاً من سؤال يتعلق بموقع الأردن نفسه.


وهنا يحق لنا أن نسأل الحكومة: لماذا وصلت الصورة الكبيرة متأخرة؟


ولماذا احتاج المواطن إلى جدل نيابي صاخب ثم إلى زيارة ملكية لمعان حتى يرى أجزاء المشروع ضمن سياق واحد؟


المشكلة ليست في وجود المشروع؛ فهذا يحسب للحكومة.


المشكلة أنها تعاملت معه وكأن المطلوب تمرير تشريع، بينما المطلوب كان بناء فهم وتوافق حول رؤية.


فالدولة تستطيع بالأغلبية أن تمرر قانوناً، لكنها لا تستطيع بالأغلبية وحدها أن تبني مشروعاً وطنياً.


ارفعوا الخريطة قليلاً


إذا ابتعدنا عن قبة البرلمان ونظرنا إلى المنطقة، يصبح السؤال أكثر أهمية.


السعودية تعيد بناء خياراتها الاقتصادية والأمنية، وتركيا توسع حضورها الإقليمي، وباكستان تدخل بصورة أعمق في ترتيبات أمن المنطقة، ومصر تعيد تقييم موقعها في التحالفات الجديدة، والعراق ودول الخليج تستثمر في الموانئ والسكك والممرات وسلاسل التوريد.


لا نحتاج إلى معرفة الشكل النهائي لهذه التحولات حتى ندرك حقيقة واحدة:


الخريطة من حول الأردن يعاد رسمها اقتصادياً وأمنياً ولوجستياً.


والأردن يقع بين الخليج وبلاد الشام، وبين العراق والبحر الأحمر، وعلى بوابة فلسطين، وبالقرب من شرق المتوسط.


هذه الجغرافيا كانت في مراحل كثيرة مصدراً للتحديات، لكنها تستطيع أن تكون أحد أهم أصول الدولة.


فالأردن لن ينافس السعودية بحجم اقتصادها، ولا مصر بسكانها، ولا تركيا بقاعدتها الصناعية، ولا الخليج بموارده.


ميزته مختلفة:


الموقع، والاستقرار، والإنسان، والمؤسسات، والقانون، والمعرفة، والقدرة على التواصل مع الجميع.


ولذلك علينا أن نتوقف عن النظر إلى الأردن باعتباره دولة تقع بين الآخرين، وأن نبدأ ببنائه دولة تربط الآخرين.


الأولى تجعل الجغرافيا قدراً.


والثانية تجعلها رأس مال.


السكة وحدها لا تصنع المركز


وهنا ينبغي ألا نقرأ كل مشروع بمعزل عن الآخر.


ففي حزيران الماضي وافق مجلس الوزراء على الأسباب الموجبة لمشروع تعديل قانون التحكيم لسنة 2026، بما يتضمن إنشاء مركز التحكيم الدولي الأردني، بهدف تعزيز موقع الأردن كوجهة إقليمية ودولية لتسوية المنازعات ودعم البيئة الاستثمارية.


وقد يبدو قانون التحكيم بعيداً عن سكة العقبة وميناء معان.


لكنه، في الحقيقة، يقع في قلب الفكرة نفسها.


فإذا كنا نريد أن تمر التجارة والاستثمارات عبر الأردن، فعلينا ألا نسأل فقط كيف تمر البضائع، وإنما أيضاً:


أين تبرم عقودها؟ وأين تحل منازعاتها؟ وأين تدار استثماراتها؟


الممر التجاري يحتاج إلى مركز قانوني.


والمستثمر لا يسأل عن الطريق والميناء والضريبة فقط؛ يسأل أيضاً عن القانون والقضاء والتحكيم وسرعة إنفاذ الحقوق.


ومن هنا يمكن قراءة توقيت مشروع قانون التحكيم باعتباره جزءاً من فرصة أوسع لإعادة تعريف وظيفة الأردن الاقتصادية.


ومن التحكيم إلى اقتصاد المعرفة


لكن اقتصاد المستقبل لن يقوم على البضائع والموانئ وحدها.


جزء متزايد من القيمة الاقتصادية أصبح موجوداً في الفكرة والبرنامج والخوارزمية والعلامة التجارية والاختراع والبيانات والمعرفة.


وهنا تأتي الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي.


وقد دعوت سابقاً إلى إنشاء مظلة أردنية متخصصة للملكية الفكرية، تجمع التسجيل والحماية والإنفاذ والاستثمار ونقل التكنولوجيا والبحث والتطوير ضمن رؤية مؤسسية واحدة، بالتوازي مع إطار أكثر تكاملاً للذكاء الاصطناعي والبيانات والتقنيات الناشئة.


وعندها يمكن أن تتجمع الصورة:


العقبة بوابة بحرية، ومعان عقدة لوجستية وصناعية، والسكة تربط الجغرافيا، والتحكيم يوفر جزءاً من البنية القانونية للاستثمار، والملكية الفكرية تحمي المعرفة وتحولها إلى قيمة، والذكاء الاصطناعي يبني جزءاً من اقتصاد المستقبل.


هذه ليست، بالضرورة، ملفات منفصلة.


يمكن أن تكون أجزاء من مشروع واحد لإعادة تعريف وظيفة الأردن في المنطقة.


من «الأردن الممر» إلى «الأردن المنصة»


لا يكفي أن تمر البضائع عبر الأردن.


السؤال الأهم: ماذا ستترك فيه؟


هل سنكتفي برسوم العبور؟


أم نبني حول الممر مراكز لوجستية وصناعية، ومقار إقليمية للشركات، وخدمات مالية وتأمينية، ومراكز بيانات، وبحثاً وتطويراً، وشركات تكنولوجيا، وتحكيماً وتسوية منازعات، وتسجيل وإدارة للملكية الفكرية؟


فالسلعة قد تمر عبر الأردن مرة واحدة.


أما إذا كان عقدها يبرم هنا، ونزاعها يحل هنا، وتقنيتها تطور هنا، وملكيتها الفكرية تحمى وتدار من هنا، وخدماتها اللوجستية والمالية تقدم من هنا، فإننا لا نعود مجرد دولة عبور.


نصبح جزءاً من سلسلة القيمة نفسها.


وهذا هو الفرق بين الأردن الممر والأردن المنصة.


أين نريد الأردن عام 2040؟


هذا، في النهاية، هو السؤال الذي أعتقد أنه يجب أن يسبق كثيراً من نقاشاتنا التشريعية والاقتصادية:


أين نريد الأردن عام 2040؟


هل نريده سوقاً صغيراً ينتظر ما تقرره الاقتصادات الأكبر من حوله؟


أم ممراً تمر عبره مشاريع الآخرين؟


أم مركزاً إقليمياً للنقل واللوجستيات والطاقة والتكنولوجيا والمعرفة والاستثمار والتحكيم؟


إذا أردنا الثالثة، فلا تكفي سكة واحدة ولا قانون واحد ولا مشروع استثماري واحد.


نحتاج إلى رؤية تجعل قوانين الملكية والاستثمار والنقل والطاقة والتحكيم والبيانات والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية أجزاء من مشروع وطني واحد.


والأهم أن تصل هذه الرؤية إلى البرلمان والمواطن قبل أن يصل إليهما القانون المطلوب لتنفيذها.


أخيراً


ربما كانت أهم عبرة في الجدل الأخير أن الدولة لا تحتاج فقط إلى مشروعات كبيرة، بل إلى رواية كبيرة تشرح لماذا تبنيها.


من حق مجلس النواب أن يدقق في كل متر أرض سيُستملك، ومن حق المواطن أن يعرف ويحصل على التعويض العادل، ومن حق المعارضة أن تسأل وتعارض.


لكن من حق الأجيال المقبلة علينا أيضاً أن نسأل:


ما الأردن الذي سنتركه لها؟


فالمنطقة تتحرك، والتحالفات تتغير، والممرات يعاد رسمها، والاقتصاد العالمي ينتقل إلى عصر جديد.


وفي حالة الأردن، فإن إحدى أعظم ميزاتنا موجودة أمامنا منذ تأسيس الدولة:


الجغرافيا.


لكن الجغرافيا وحدها لا تصنع المستقبل.


يجب أن نضيف إليها البنية التحتية والاستثمار والقانون والتحكيم والمعرفة والذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، وقبل ذلك كله رؤية وطنية تعرف إلى أين تريد أن تصل.


فالسكة تستطيع أن تجعل الأردن ممراً، لكن القانون والتحكيم والمعرفة والملكية الفكرية والتكنولوجيا هي التي تستطيع أن تجعل منه مركزاً.


وعندها لن يكون الأردن دولة تمر من خلالها تحولات المنطقة، بل دولة تشارك في تشكيلها.


فالأردن، بحكم موقعه وتاريخه، لا تسمح له الجغرافيا أن يكون متفرجاً .




مواضيع قد تهمك