تسريب الخبز المدعوم في غزة إلى السوق السوداء منحة أم صفقة؟
غزة / حنان الريفي
في صباحٍ يوم ٍ خانق ، يتحول المشهد اليومي أمام نقاط بيع الخبز المدعوم إلى قصة معاناة متكررة في مختلف أماكن قطاع غزة، طوابير طويلة من الرجال ،النساء والشباب ،ينتظرون بصمت أن يحين دورهم للحصول على ربطة خبز، في ظل الأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة والذي يقوم برنامج الغذاء العالمي (WFP) بتمويل ودعم إنتاج الخبز عبر مخابز ونقاط توزيع و تكيات محلية لضمان وصوله إلى الأسر بأسعار رمزية مدعومة (3 شواقل لربطة بوزن 2 كجم) والذي يُفترض أن يكون شبكة أمان غذائية للفقراء.
نصف ساعة تمرّ، والوجوه تزداد توترًا، قبل أن يخرج عامل نقطة البيع معلنًا نفاذ الكمية سريعًا: "انتهى الخبز.. عودوا غدًا"، تنهار الآمال الصغيرة، ويعود كثيرون إلى بيوتهم خاليي الأيدي بعد أن كانت أمالهم في الحصول على الخبز كبيرة.
لكن: على بعد خطوات قليلة من المخبز ونقاط البيع ، يتكرر المشهد بصورةٍ مختلفة، بائعون يجلسون إلى جانب أكياس كبيرة مليئة بالخبز، أمامهم عشرات الربط معروضة للبيع بسعر خمسة إلي سبعة إلي شواقل "فكة" مما يسبب أزمة مالية لعدم وجود الكاش، وعند البيع عبر التطبيقات يباع الخبز في السوق السوداء ضعف سعره، ،والمفارقة الصادمة أن الخبز الذي كان يفترض أن يصل إلى هؤلاء الواقفين في الطابور، أصبح سلعة في السوق السوداء، يضاعف معاناة الأسر الفقيرة وتتحول المنحة إلى صفقة مربحة ، ليكشف عن فجوة عميقة بين الكميات المخصصة والكميات الموزعة فعلياً، ويرصد نمطاً متكرراً لعمليات فساد وتسريب للخبز المدعوم ليباع في السوق السوداء.
شهادات قهر ووجع
أم محمد البلعاوي، أرملة ولا معيل لها ، تقول وهي تحمل طفلها الصغير: "أقف كل صباح قبل السادسة صباحاً، أريد فقط ربطة خبز بسعر "ثلاثة " شواقل كما أعلنوا، لكن غالبًا يقولون انتهى الخبز، لأعود إلى الخيمة وأطفالي يبقوا جوعي لحين توفير الخبز لهم مجدداً، وحينما أحصل عليه نهاية اليوم ، يكون الخبز رديء ومتيبس، وكأننا لا نستحق الجودة، وإذا لم يكن معي فكة معدنية، يرفضون البيع لعدم وجود هاتف محمول معي ".
محمود مسعود ،عامل يومي، يروي بمرارة : "أنا أعمل في تكسير حجارة البيوت المهدمة ، بالكاد أجمع قوت عائلتي، وعندما أذهب لشراء الخبز في نهاية يومي لا أجد الخبز متوفراً ، فأذهب لشرائه من السوق السوداء فيطلبون الدفع نقدًا أو تطبيق ، ويختلف المبلغ حسب مزاج البائع، فهناك من يطلب "5" وهناك من يطلب "7" شواقل نقداً ، وأنا لا أملك الكاش دائمًا ،لأضطر أن أشتري الخبز من السوق السوداء ب"8" الي "10" شواقل عبر التطبيق حسب تأخر الوقت في الليل ، مضيفا : رغم إدراكي أن السعر مجحفاً جداً وهذا يستهلك مبلغاً من أجرتي اليومية ، فلا يمكنني أن أترك عائلتي دون خبز، "أشعر أن الدعم لا يصل إلينا، بل يتحول إلى تجارة مربحة لغيرنا."
نائل سالم ، شاب جامعي ، يقول : "أراقب الطابور في طريق مروري يوميًا ، الناس ينتظرون بلا جدوى، بينما بجانب المخبز هناك من يبيع عشرات الربطات علنًا، الأمر واضح أنه تسريب من الداخل، ونشعر أن الفساد يتجلى في صور متعددة ويلتهم أبسط حقوقنا، فطلب الدفع نقدًا رغم أزمة السيولة، أو بيع الخبز بأسعار تتجاوز ثلاثة أضعاف السعر الرسمي، يحرم الأسر من حصصها المستحقة ويضاعف معاناتها وهذه الممارسات لا تقتصر على خسارة مالية للأسر الفقيرة، بل تترك أثرًا اجتماعيًا قاسيًا لأطفال ينامون بلا خبز، وأسر فقيرة تُستنزف ماليًا قد تصل الي نزاعات بين المواطنين في طوابير الخبز، الي جانب شباب يفقدوا الأمل في نزاهة المؤسسات الدولية والمحلية.
محمد دياب المحاضر الجامعي يؤكد : أن الآلية التي يتبعها برنامج الغذاء العالمي في بيع الخبز عبر نقاط البيع ، عقيمة وفيها امتهان لكرامة الناس، إلي جانب أن جودة الخبز في كثير من الاحيان سيئة ولا تصلح للاستخدام ، حيث يصطف الناس منذ ساعات الفجر من أجل حجز تذكرة شراء ومن ثم الانتظار في طوابير طويلة من أجل الحصول على الخبز ، وهذه الآلية بحاجة لمراجعة وتنظيم عبر توسيع شبكة الموزعين وتوفير الكميات المناسبة ، وتعزيز الرقابة على نقاط البيع ،لقيام بعض اصحاب هذه النقاط ببيع كميات من الخبز في السوق السوداء على حساب المواطنين .
سلسلة التوريد المفقودة
تشير شهادات ميدانية أنه منذ وصول الطحين إلى المخابز، يُفترض أن تُوزع الحصص وفق قوائم رسمية وإيصالات تسليم توضح ألية التوزيع ، لكن تقارير ميدانية وشهادات مواطنين تكشف أن جزءًا من هذه الكميات يتسرب إلى السوق السوداء وحفلات الزفاف ، عبر سماسرة الخبز ووسطاء، ليُباع لاحقًا بأسعار مضاعفة وسط محاولات مستمرة للالتفاف على رقابة "برنامج الأغذية العالمي" .
وقد تواصلت معدة التقرير مع العديد من المخابز ونقاط البيع ، إلا أن الجميع رفض التحدث وأبلغونا بأن الغذاء العالمي قد عمم على الجميع بعدم التحدث الي الصحافة بخصوص الخبز المدعوم من قبلها وهناك تعهدات ضمنية حول الأمر ومن يخالف ذلك يتم إيقاف التعامل معه .
محمود " اسم مستعار " وهو صاحب مخبز يستفيد من برنامج الخبز المدعوم من الغذاء العالمي، أكد أن المخابز تتسلّم الخبز يوميًا وفق فواتير وأذونات صرف رسمية لنقاط البيع المعتمدة من منظمة الغذاء العالمي ، وأن المشكلة ليست في المخابز أو نقاط البيع، بل في استغلال بعض المواطنين وسماسرة الخبز الذين يرسلون أطفالًا بادعاءات مختلفة للحصول على حصص إضافية، مما يربك أصحاب نقاط بيع الخبز ، إلى جانب أن البرنامج كان قد خفض كمية الخبز المدعوم بشكل كبير وأغلق العديد من نقاط البيع وحرمان العديد من الأسر من تواجد الخبز لديها.
وأشار إلى أن عدد من المخابز رفعت توصيات لبرنامج الغذاء العالمي (WFP) بإنشاء نظام إلكتروني يحدد لكل أسرة نقطة بيع أقرب لها ويعتمد بطاقة الهوية، مع تصنيف العائلات حسب عدد أفرادها لتحديد الكميات المناسبة للعائلات الكبيرة التي لا تكفيها ربطة خبز واحدة في اليوم ، بما يضمن وصول الدعم لمستحقيه ويحد من التلاعب، أو عودة المخابز الي العمل بشكل طبيعي لما قبل العدوان الاسرائيلي في السابع من أكتوبر 2023 بحيث يستطيع المواطن شراء الخبز مباشرة وبسعره الطبيعي ولكنهم لم يستلموا رداً من البرنامج.
تلاعب بـ "قوت الجوعى"
حيلة البطاقات المتكررة والتهرب من الدفع الرقمي
يروي المواطن والتاجر في آن واحد، أبو المجد، تفاصيل الدورة اليومية للحصول على الخبز وتحويله إلى بضاعة احتكارية، قائلاً: "نذهب أنا والآخرين يومياً إلى نقطة البيع الخاصة في منطقتنا لشراء الخبز بسعره الرسمي الذي يتراوح بين (2-3 شواقل) للربطة الواحدة. تُعطى لنا بطاقات توزيع خاصة، فنشتري في كل مرة عدداً معيناً، ثم نخرج ونعود بعد دقائق معدودة لنشتري مجدداً بالبطاقة ذاتها أو بطاقات جديدة لتجميع كميات أكبر للبيع النقدي (الكاش) وتجميع الفكة للتصرف بها بشكل شخصي، ولتغطية الأمر يقومون في نقطة البيع بتعطيل أجهزة الدفع الإلكتروني أو إغلاق شبكة الإنترنت للتهرب من البيع عبر التطبيق .
وتغلق بعض نقاط التوزيع أبوابها مبكراً بعد توزيع كمية محدودة من خلال التحايل على الغذاء العالمي ،و منح بعض الأشخاص بطاقة واحدة، بينما يعطي تجار الخبز الذين يشترونه بكميات كبيرة (ربطة تلو الأخرى) لإعادة بيعه في السوق السوداء بأسعار أعلى ، مضيفاً : - فش ولا نقطة توزيع إلا بترفع حصص لبعض الحبايب، سواء للعاملين معهم أو للتجار المقربين-.
ويكمل أبو المجد : يتعمد بعض نقاط البيع بتفريغ الخبز الي السوق بحجج كثيرة منها " تعطل المخبز أو سيارة نقل الخبز، أو تأخره، ليذهب المواطنون إلى نقطة أخرى للشراء، لكي يتمكن من بيعه بدون رقابة أو ضغط من المواطنين.
أصبحنا نعرف ألية العمل من خلال إعطاء بطاقات الخبز لشركائنا للشراء والذهاب إلي نقطة أخرى لشراء كمية أكبر من الخبز بشكل أسرع وارسالها إلي السوق.
تبرز شهادة "أبو المجد" وجهاً آخر للاستغلال عند حجز كميات لـ "سهرات الشباب" في حفلات الزفاف ،"عندما يأتي أصحاب الحفلات ليحجزوا كميات كبيرة، يقوم صاحب النقطة باقتطاع ما بين50 إلى 100 ربطة من حصة المواطنين ليبيعها لصاحب الحفل بمبلغ لا يقل عن 8 شواقل للربطة الواحدة عبر التطبيق، مستغلاً حاجة صاحب الفرح واضطراره للشراء."
محاولات ضبط فاشلة..
كيف يتم خداع مشرفي "الغذاء العالمي"؟
رغم المحاولات المستمرة لتنظيم عملية التوزيع، إلا أن الالتفاف على القوانين يظل سيد الموقف، يكمل أبو المجد بأن نيفين أبو حصيرة، المشرفة في برنامج الغذاء العالمي على نقاط توزيع الخبز، في مرّات كثيرة تؤكد على: "ضرورة البيع في وقت موحد بجميع النقاط لمنع تسرب الخبز وتهريبه".
ولكن الالتزام المؤقت والتوثيق الصوري الذي يقوم أصحاب النقاط به من إرسال صور وفيديوهات توثق التزامهم بالبيع الموحد لعدة أيام إرضاءً للمنظمة، ثم يعودون سريعاً إلى أساليبهم القديمة بمجرد تراجع حدة الرقابة وفي حال تواجد مشرفي المنظمة بشكل ميداني في النقطة، يعمد التجار إلى إرسال أشخاص تابعين لهم (زبائن وهميين) للشراء بشكل يبدو نظامياً، لتجميع الخبز والاحتفاظ به حتى ينتهي البيع الرسمي، ثم يرسلونه مجدداً لبيعه في السوق السوداء.
رسالة مفتوحة إلى WFP""
يختتم أبو المجد شهادته بتوجيه رسالة صريحة ومباشرة إلى القائمين على المساعدات الإنسانية وبرنامج الغذاء العالمي، واصفاً الخلل الأساسي ومقترحاً الحلول: "يجب عليكم ألا تكتفوا بالتأكد من خروج الكميات من المخابز فحسب، بل عليكم تتبع مسار الخبز ومحاسبة أي نقطة تساهم في حرمان المواطن البسيط من حقه، إن هذا التلاعب والتنقل المستمر للخبز بين أيدي التجار هو ما يغذي السوق السوداء ويزيد من معاناة الناس" مكملاً : بضرورة وجود موعد بيع موحد، صارم، ومراقب بشكل حقيقي على الأرض، لما وجدنا نحن كتجار خبز وقتاً للتنقل من نقطة إلى أخرى لشراء الحصص وتهريبها."
الغذاءُ العالمي.. وفجوةُ الرقابة
رغم إعلان برنامج الأغذية العالمي عن دعمه المباشر للمخابز، إلا أن غياب الشفافية وبقاء بيانات التوزيع حكراً على الغرف المغلقة، إلى جانب عدم فاعلية قنوات الشكاوى، يشكل بيئة خصبة لنمو الفساد وتقويض مبدأ المساءلة ، و إن هذا التعتيم المعلوماتي يعوق الرقابة المجتمعية، مما يجعل من إطلاق آليات تحقق ورقابة مستقلة ضرورة ملحة لضمان وصول الدعم الإغاثي إلى مستحقيه الفعليين وتجفيف منابع السوق السوداء.
تُظهر أزمة الخبز المدعوم في قطاع غزة وكيف يمكن للمنح والمساعدات الإنسانية أن تتحول إلى صفقات ربحية وتجارة غير مشروعة على حساب الفئات الأشد فقراً بمجرد غياب الرقابة الصارمة، ولإعادة بناء الثقة وضمان نزاهة المنظومة الإغاثية، يتطلب الواقع صياغة استراتيجية رقابية شاملة تبدأ بتفعيل قنوات شكاوى مستقلة ونزيهة تتيح للمواطنين الإبلاغ عن التلاعب والاحتجاز بسرية تامة، بالتوازي مع إلزام الجهات الشريكة بنشر قوائم توزيع الحصص اليومية للمخابز ونقاط البيع لإتاحة البيانات للجمهور وتعزيز الشفافية، كما تبرز الحاجة الملحة لتشكيل لجان تحقق مجتمعية مستقلة تضم مؤسسات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية لتتبع مسارات الدعم ميدانياً، وصولاً إلى اتخاذ إجراءات عقابية حازمة تشمل سحب التراخيص وفض التعاقد الفوري مع أي جهة يثبت تورطها في تسريب القوت الأساسي للمواطنين.
فقد حاولنا التواصل مع مسؤولي الغداء العالمي عبر البريد الالكتروني والاتصال المباشر ولكن لم يجب أحد على تساؤلاتنا ، ليبقي السؤال مفتوحا ..
بعلوشة: "معادلة الغموض": تضارب حاد في الروايات الميدانية
"إن ما نلمسه اليوم على الأرض من ممارسات وتجاوزات تحيط بآلية توزيع الخبز المدعوم في قطاع غزة، لا يمثل مجرد خلل لوجستي عابر، بل ينطوي على إشكاليات عميقة تمس بشكل مباشر مبادئ الشفافية والمساءلة، وتصادر حق المواطنين الأصيل في الوصول إلى المعلومات."
فقد أكد مدير المكتب الإقليمي لائتلاف "أمان" بقطاع غزة، وائل بعلوشة، أن تجاوزات توزيع الخبز المدعوم ليست خللاً عابراً، بل تمثل انتهاكاً لمبادئ الشفافية والمساءلة وحق المواطنين في الوصول إلى المعلومات وأن حجب البيانات وإخفاء كميات الخبز المستلمة يحرم المنظومة الإغاثية من الرقابة الذاتية، مما يصعّب تتبع المساعدات من مصدرها حتى المستهلك، ويخلق بيئة خصبة لظهور تجار الحروب وازدهار السوق السوداء على حساب جوع أبناء شعبنا" مما يؤدي في النهاية إلى تآكل الثقة المجتمعية وفقدان المواطن الأمل في عدالة التوزيع الإغاثي."
وعبّر بعلوشة عن قلقه البالغ إزاء لجوء بعض الجهات لسياسة التهديد بقطع المساعدات عن المواطنين والشركاء المحليين الذين يبلغون عن الخروقات، واعتبر هذا السلوك تكميماً للأفواه يتنافى مع المساءلة المجتمعية ويعيق تصحيح المسار، مما يتسبب في تآكل الثقة الشعبية بعدالة التوزيع، وأن المشهد الحالي يعيش "معادلة غموض" مدمّرة، فيما تتهرب المخابز ونقاط التوزيع من مسؤوليتها بإلقاء اللوم على المواطنين، يظهر برنامج الغذاء العالمي متخبطاً وبلا خطط طوارئ ، مما يخلق مساحة مظلمة تستنزف فيها المساعدات وتحولها لتجارة مربحة.
غياب الشفافية يحوّل خبز المساعدات لتجارة احتكارية
"وللخروج من هذا النفق المظلم، يضع ائتلاف 'أمان' خارطة طريق عاجلة ومسؤولة، تبدأ بإنهاء سياسة حجب المعلومات من قِبل برنامج الغذاء العالمي، واعتماد نظام فواتير رقمية علنية توضح حصص المناطق بشكل صريح ليعرف المجتمع كمية الوارد والصادر.
كما تطالب "أمان " فوراً بتدشين قنوات شكاوى مستقلة وآمنة تضمن سرية هوية المبلغين وحمايتهم، وتشكيل لجان رقابة مجتمعية محلية تشرف ميدانياً على المخابز."
"وأخيراً، يؤكد بعلوشة: على ضرورة حوكمة العلاقة مع الشركاء المحليين؛ بحيث تتضمن العقود بنود نزاهة صارمة تقضي بسحب رخصة التوزيع وإلغاء الشراكة فوراً مع أي جهة يثبت تورطها في تهريب قوت المواطن، بالتوازي مع فتح حوار دائم وشفاف مع الإعلام المحلي لتجاوز ثقافة المنع واستبدالها بالمسؤولية التشاركية."