د. مهند النسور : لا صحة عامة بلا مشاركة مجتمعية
لم تعد الصحة العامة في القرن الحادي والعشرين مسؤولية الحكومات أو وزارات الصحة وحدها، بل أصبحت مسؤولية وطنية ومجتمعية مشتركة، تتقاسمها المؤسسات العامة والخاصة، والجامعات، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، والأهم من ذلك المواطن نفسه. فالصحة لا تُبنى داخل المستشفيات فقط، بل تبدأ في المنزل، والمدرسة، ومكان العمل، والحي، وكل بيئة يعيش فيها الإنسان. ولهذا أصبحت المشاركة المجتمعية إحدى أهم ركائز الصحة العامة الحديثة، وعاملًا رئيسيًا في بناء أنظمة صحية أكثر كفاءة واستدامة.
والمشاركة المجتمعية ليست حملات توعوية موسمية أو مبادرات تطوعية عابرة، بل هي نهج مؤسسي يقوم على إشراك المجتمع في تحديد الاحتياجات الصحية، وصياغة الأولويات، والمساهمة في التخطيط والتنفيذ والتقييم. فكلما شعر المواطن بأنه شريك في القرار، ازدادت ثقته بالمؤسسات، وارتفع التزامه بالسلوكيات الصحية، وأصبحت البرامج الوقائية والعلاجية أكثر فاعلية واستدامة.
لقد أكدت التجارب العالمية أن المجتمعات التي تمتلك وعيًا صحيًا وثقة متبادلة مع مؤسساتها كانت الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات. وخلال جائحة كوفيد-19، لم يكن النجاح مرهونًا بتوافر اللقاحات أو جاهزية المستشفيات فحسب، بل اعتمد أيضًا على وعي المجتمع، والالتزام بالإرشادات الصحية، ودور المتطوعين والجمعيات الأهلية والقيادات المحلية في نشر الرسائل الصحية، والحد من الشائعات، والوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
وفي عالمنا العربي، برزت تجارب تؤكد أن الاستثمار في الإنسان يوازي الاستثمار في البنية التحتية الصحية. ففي الأردن، أسهمت المبادرات الشبابية ومؤسسات المجتمع المدني في دعم حملات التوعية والتطعيم وخدمة الفئات الأكثر احتياجًا. وفي المملكة العربية السعودية، قدم آلاف المتطوعين نموذجًا رائدًا خلال مواسم الحج والعمرة في تعزيز الوقاية وتنظيم الحشود. كما رسخت دولة الإمارات ثقافة التطوع الصحي، وأسهمت الجمعيات الأهلية في مصر ولبنان والمغرب وتونس في حملات التبرع بالدم، والكشف المبكر عن الأمراض، وتعزيز الثقافة الصحية والاستجابة للطوارئ. وتؤكد هذه النماذج أن نجاح المشاركة المجتمعية يقوم على الثقة والتمكين والشراكة أكثر مما يقوم على وفرة الموارد.
ورغم هذه النماذج المشرقة، لا تزال المشاركة المجتمعية في كثير من بلداننا تُمارس بصورة محدودة أو ترتبط بالأزمات أكثر من ارتباطها بالتخطيط المستدام. وما نحتاج إليه اليوم هو الانتقال من ثقافة "العمل من أجل المجتمع" إلى ثقافة "العمل مع المجتمع"، بحيث يصبح المواطن شريكًا في صنع القرار الصحي، لا مجرد متلقٍ للخدمة.
إن مستقبل الصحة العامة لن تصنعه المؤسسات وحدها، بل سيصنعه مجتمع واعٍ يشعر بالمسؤولية ويشارك في صناعة الحلول. فكل استثمار في بناء الثقة، وتعزيز التطوع، وتمكين المجتمع، هو استثمار في الأمن الصحي والتنمية والاستقرار. وعندما يتحول كل فرد إلى شريك في الوقاية، وسفير للتوعية، ومساهم في صنع القرار، تصبح الصحة العامة ثقافةً مجتمعيةً راسخة، لا مجرد خدمات تُقدَّم. وحينها فقط نستطيع أن نقول بثقة: لا صحة عامة بلا مشاركة مجتمعية.
ــ الراي