د. نوال محمد نصير : ليس كل صمت يعني الرضا
بقلم: الدكتورة نوال محمد نصير
في بيئات العمل، يفرح المسؤول عندما تختفي الشكاوى، ويظن أن الأمور تسير كما يجب. لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أن غياب الشكوى لا يعني دائما أن الجميع راضٍ، فقد يكون الصمت أحيانا علامة على أن البعض لم يعد يؤمن بأن الكلام سيغير شيئا.
في بداية أي عمل، يدخل الموظف بحماس، يحمل أفكارا، ويسأل، ويقترح، ويحاول أن يترك أثرا. وإذا وجد من يستمع إليه، يزداد تمسكا بمكانه، لأن الإنسان بطبيعته يحب أن يشعر بأن وجوده له قيمة. أما إذا اصطدم بالتجاهل مرة بعد أخرى، فإنه يتغير بهدوء. لا يفتعل المشكلات، ولا يعترض، لكنه يتوقف عن المبادرة، ويكتفي بما هو مطلوب منه.
ومن خلال عملي، رأيت هذا المشهد أكثر من مرة. ليس لأن الموظفين فقدوا كفاءتهم، بل لأنهم فقدوا شعورهم بأن اجتهادهم يحدث فرقًا. وهنا تبدأ المؤسسة بخسارة شيء لا يظهر في التقارير، وهو الحماس.
المؤسسة الناجحة ليست التي لا تخطئ، وإنما التي تعرف كيف تستفيد من عقول العاملين فيها. فالفكرة الجيدة قد تأتي من أي موظف، والاقتراح البسيط قد يوفر وقتًا أو جهدًا أو يحل مشكلة استمرت سنوات. لكن ذلك لن يحدث إذا شعر الناس أن رأيهم لا يلقى اهتمامًا.
أحيانا ننشغل بالحديث عن تطوير الأنظمة والإجراءات، وننسى أن الإنسان هو من يطبقها. فإذا شعر بالعدل والاحترام، أصبح أكثر حرصا على نجاح المؤسسة، أما إذا فقد هذا الشعور، فإنه يؤدي عمله، لكن دون الشغف الذي يصنع الإنجاز الحقيقي.
ولا أعتقد أن الإدارة الناجحة هي التي يسمع فيها الجميع صوت المدير فقط، بل التي تمنح الآخرين فرصة للتعبير، وتستفيد من اختلاف الآراء، وتدرك أن الاحترام لا يقل أهمية عن أي قرار إداري.
وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تستمع لموظفيها تكسب أكثر من مجرد أفكار جديدة. إنها تبني الثقة، وتحافظ على الكفاءات، وتخلق بيئة يشعر فيها الجميع أنهم شركاء في النجاح، لا مجرد منفذين للمهام.
في النهاية، أخطر ما قد تخسره أي مؤسسة ليس موظفًا يقدم استقالته، بل موظفًا بقي في مكانه، لكنه فقد حماسه. فالمؤسسات لا تنهض بالقرارات وحدها، بل بالإنسان الذي يشعر أن وجوده يحدث فرقًا.