اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. زيد خالد المعايطة : الإفراط في وصف المضادات الحيوية

م. زيد خالد المعايطة : الإفراط في وصف المضادات الحيوية
أخبارنا :  

تتزايد في الأردن الجهود الرامية إلى تعزيز الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية والحد من مقاومة مضادات الميكروبات، وهو توجه يعكس إدراكاً متنامياً لخطورة هذه الظاهرة وانعكاساتها على الصحة العامة، لكن هذه الجهود تفتح الباب أمام سؤال لا يقل أهمية، فإذا كان الأطباء يمتلكون المعرفة والخبرة التي تمكنهم من تحديد الحالات التي تستدعي استخدام المضادات الحيوية، فلماذا ما يزال الإفراط في وصفها قائماً.

اعتدنا عند الحديث عن مقاومة المضادات الحيوية أن ينصرف الاهتمام مباشرة إلى الإرشادات الطبية والأدلة العلمية، وهذا أمر طبيعي، فهي تمثل الأساس الذي تقوم عليه الممارسة الطبية، لكن المعرفة وحدها لا تفسر كل شيء، فقرارات بعض الأطباء لا تُتخذ بلا مبرر وان كان غير كاف ببعض الأحيان، بل من حيثيات واقع يومي تفرضه كثافة المراجعين، وضيق الوقت، والحاجة إلى اتخاذ قرارات سريعة في ظل قدر من عدم اليقين، وعندما تتراكم هذه الضغوط، قد يصبح اللجوء إلى ما يبدو الخيار الأكثر أماناً هو الاستجابة الطبيعية، حتى وإن لم يكن دائماً الخيار الأمثل، وهنا تبرز العلوم السلوكية بوصفها أداة تساعد على فهم أثر البيئة المحيطة في القرارات المهنية.

ولا تتوقف العوامل المؤثرة عند ظروف العمل وحدها، فالعلاقة بين الطبيب والمريض تمثل جانباً آخر من الصورة، فكثير من الأطباء يشعرون بأن المريض يتوقع مغادرة العيادة وهو يحمل وصفة علاجية، وأن الاكتفاء بشرح أسباب عدم الحاجة إلى المضاد الحيوي قد لا يحقق قناعته أو رضاه، وسواء كانت هذه التوقعات دقيقة أم مبالغاً فيها، فإنها تصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار، وهو ما يذكرنا بأن السلوك الإنساني كثيراً ما يتأثر بالسياق الاجتماعي بقدر تأثره بالمعرفة والخبرة.

وإذا كانت هذه العوامل السلوكية تؤثر بالفعل في قرارات الأطباء، فإن السؤال يصبح، هل يمكن توظيفها للمساعدة في تحسين وضبط تلك القرارات، وتؤكد التجارب الدولية أن ذلك ممكن، ففي إحدى المبادرات، تلقى الأطباء الذين ارتفعت معدلات وصفهم للمضادات الحيوية تقارير سرية تقارن ممارساتهم بزملائهم في المستشفيات نفسها، دون اصدار تعليمات جديدة، أو برامج تدريب إضافية، أو إجراءات عقابية، وكان الهدف أن يرى الطبيب كيف يتعامل أقرانه، الذين يعملون في الظروف نفسها مع الحالات المشابهة، ويستند هذا الأسلوب إلى مبدأ يعرف بالمقارنة مع الأقران، فالناس يميلون بطبيعتهم إلى تقييم سلوكهم من خلال مقارنة أنفسهم بمن يشبهونهم، وعندما اكتشف كثير من الأطباء أن زملاءهم يصفون المضادات الحيوية بمعدلات أقل، أعادوا النظر في ممارساتهم وعدلوا سلوكهم.

ومن هنا، يمكن للحملات الحالية في الأردن أن تحقق أثراً أكبر إذا لم تقتصر على نشر الوعي، بل أضيفت إليها تدخلات سلوكية تساعد الأطباء على اتخاذ القرار المناسب في اللحظة المناسبة، كتزويدهم بتقارير دورية وسرية تقارن أنماط وصفهم بالمعدلات السائدة لدى زملائهم في التخصص نفسه أو في المنشأة الصحية نفسها، أو تضمين أنظمة الوصفات الإلكترونية رسائل تذكيرية في الحالات التي يكثر فيها وصف المضادات الحيوية دون داع، إلى جانب تطوير وسائل تساعد الطبيب على توضيح أسباب عدم الحاجة إلى المضاد الحيوي للمريض بطريقة واضحة ومقنعة، فمثل هذه التدخلات لا تحد من استقلالية الطبيب، ولا تنتقص من تقديره الطبي، وإنما تساعد على تهيئة بيئة تدعم اتخاذ القرار الأفضل.

وفي النهاية، ستظل مقاومة مضادات الميكروبات تحدياً صحياً يتطلب تطوير العلاجات، وتعزيز الأنظمة الرقابية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي، لكن الحد من الإفراط في وصف المضادات الحيوية يتطلب أيضاً فهماً أعمق للعوامل التي تؤثر في قرارات الأطباء، فالعلوم السلوكية لا تقدم بديلاً عن الطب، وإنما تكمله، لأنها تساعد على تصميم بيئة عمل تجعل أفضل قرار طبي هو القرار الأكثر احتمالاً.


مواضيع قد تهمك