رمزي الغزوي : حُرّاسُ الحقيقة في زمنِ الآلة
لم تعد الصحافة تقف اليوم عند مفترق طريق بين الورق والشاشة، ولا بين القديم والجديد. معركتها الأعمق صارت معركة على معنى الحقيقة نفسها. ففي زمنٍ تستطيع فيه الآلة أن تكتب الخبر، وتُولِّد الصورة، وتُقلِّد الصوت، وتنسج النص في ثوانٍ معدودات، لم يعد السؤال: ماذا نكتب؟ وإنما: من الذي يفكر حقاً؟ ومن الذي يتحمل مسؤولية الكلمة حين تغادر أصابعنا إلى العالم؟لم يأتِ الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار زائراً عابراً، وإنما دخلها شريكاً صاخباً يفرض إعادة النظر في كل ما اعتدناه عن الكتابة والتحرير والتحقق والنشر. لقد منح الصحافة أجنحةً جديدة، وألقى على كاهلها في الوقت نفسه أثقل امتحاناتها الأخلاقية. فالسرعة التي تُنتج بها الآلة المعرفة، تستطيع بالقدر ذاته أن تُنتج الوهم، والخطأ، واليقين الزائف.
الصحافة لم تكن يوماً مهنة جمع المعلومات فحسب، بل كانت فناً في ترتيب العالم وفهمه. وما يهددها اليوم ليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته. الاستسلام لإغراء الاستسهال الذي يعدنا بنصوص كاملة بلا عناء، وبحقائق جاهزة بلا سؤال. فالحقيقة لا تولد بضغطة زر، بقدر ما تُنتزع من تعب الشك، ومن أخلاق المهنة، ومن ذلك القلق النبيل الذي يجعل الصحفي يسأل مرة أخرى قبل أن يصدق.
ولذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه خصماً للصحفي، ولا وريثاً له. هو أداة عظيمة حين يوضع في مكانه الصحيح. يستطيع أن يُحلل آلاف الوثائق، وأن يُراجع البيانات، وأن يختصر الساعات الطويلة من العمل المضني. لكنه يعجز عن امتلاك الحدس الإنساني الذي يلتقط ما بين السطور، ويعجز عن اختبار مرارة الخطأ، وقلق المسؤولية، وفرح الوصول إلى حقيقة استعصت طويلاً على الاكتشاف.
الأزمة التي نعيشها اليوم ليست أزمة تقنية بقدر ما هي أزمة وعي. فقد أصبح الجمهور شريكاً في صناعة الفوضى المعرفية حين يستهلك الخبر كما يستهلك مشهداً عابراً، ويبحث عن الإثارة أكثر مما يبحث عن المعنى. لذلك، فإن الصحافة القادمة لن تربح سباقها بالسرعة وحدها، بل بقدرتها على إعادة تعليم الناس فضيلة السؤال.
ستتغير الأدوات، وستغادرنا مهن وتولد أخرى، وسيزداد حضور الآلة في كل ما نكتب ونقرأ. غير أن شيئاً واحداً سيبقى عصياً على الاستبدال: الإنسان الذي يقف حارساً أخيراً على بوابة الحقيقة. ففي زمنٍ تستطيع فيه الآلة أن تقول كل شيء، ستغدو القيمة الحقيقية للصحفي كامنة في معرفته متى يشك، ومتى يصمت، ومتى يقول الكلمة التي لا يملك غيره شجاعة قولها.
ــ الدستور