اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سمير حمدان - بودابست : أخطر أزمة في القرن الحادي والعشرين ليست حربًا… بل أزمة خيال

سمير حمدان  بودابست : أخطر أزمة في القرن الحادي والعشرين ليست حربًا… بل أزمة خيال
أخبارنا :  

لم تسقط إمبراطورية لأنها خسرت معركة، بل لأنها ربحت معارك لم تعد تغير المستقبل، تلك ليست مفارقة تاريخية، بل القانون الذي يحكم صعود القوى وسقوطها، فالتاريخ لا يتغير عندما تنتقل القوة من دولة إلى أخرى، بل عندما يتغير معناها، وعندها يصبح المنتصر في الأمس أول من يعجز عن فهم الغد، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أمة ليس نقص الموارد، بل الإصرار على الدفاع عن تعريف للقوة لم يعد يفسر العالم، فالحضارات لا تهزمها الجيوش أولًا، بل تهزمها الأفكار التي تتوقف عن التجدد، وعندما يحدث ذلك تتحول النجاحات القديمة إلى قيود تمنع رؤية ما يولد خلف الأفق.


ولعل أكثر الأخطاء شيوعًا هو النظر إلى أثينا، وروما، وبريطانيا، والولايات المتحدة بوصفها حلقات متتابعة في تاريخ النفوذ، بينما تمثل في الحقيقة أربع إجابات مختلفة عن سؤال واحد، أين تسكن القوة، رأت أثينا مستقبلها في البحر، ورأت روما أن تحويل الجغرافيا إلى نظام حكم هو أساس التفوق، ورأت بريطانيا أن المعرفة عندما تتحول إلى إنتاج تصبح مصدر النفوذ، ثم أدركت الولايات المتحدة أن المال، والتكنولوجيا، والتحالفات، قادرة على بناء نظام يجعل الآخرين يتحركون داخل قواعده، وما جمع هذه التجارب لم يكن امتلاك قوة أكبر، بل امتلاك تصور جديد للعالم سبق عصره، فالقوة لا تنتصر لأنها أكثر، بل لأنها أحدث.


غير أن التاريخ يخفي مفارقة أكثر قسوة، فكل قوة عظيمة تصبح مع الزمن أسيرة السبب الذي صنع عظمتها، البحر الذي حمل أثينا إلى النفوذ لم يمنع أفولها، والطرق التي وحدت روما لم توقف تراجعها، والأسطول البريطاني لم يحم مكانة الإمبراطورية عندما أصبحت الصناعة ثم التكنولوجيا مركز الثقل، والاتحاد السوفيتي امتلك ترسانة هائلة، لكنه عجز عن تحويلها إلى اقتصاد قادر على التجدد، ولم يكن الفشل في نقص القوة، بل في الاعتقاد أن القوة ما زالت تقيم في المكان نفسه، بينما كانت تغادره بهدوء إلى فضاء جديد.


ولهذا لم يكن سون تزو يكتب عن الحرب وحدها، ولم يكن كلاوزفيتز يحصرها في ميادين القتال، ولم يكن بول كينيدي يفسر التاريخ بالأرقام فقط، فقد التقت أفكارهم عند حقيقة واحدة، أن القوة ليست ملكية دائمة، بل علاقة متحركة بين المعرفة، والاقتصاد، والسياسة، والقدرة على التكيف، وما إن تتجمد هذه العلاقة حتى تبدأ في استنزاف نفسها، لأن الزمن لا يهزم الدول، بل يهزم الأفكار التي ترفض الاعتراف بأنه تغير.


وهنا تكمن خصوصية القرن الحادي والعشرين، ففي المرات السابقة كانت أدوات القوة تتغير بوتيرة تسمح للدول بالتكيف، أما اليوم فإن التكنولوجيا تعيد تشكيل الاقتصاد، والأمن، والسياسة، بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على الاستجابة، ولم تعد الرقائق الإلكترونية، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، وشبكات الإنتاج العالمية، مجرد أدوات اقتصادية، بل أصبحت البنية التي يعاد من خلالها توزيع النفوذ، ولم تعد المنافسة تدور حول من يسيطر على الأرض فقط، بل حول من يضع القواعد التي يعمل العالم داخلها، ولذلك أصبح الخيال السياسي، والقدرة على استشراف المستقبل، أصلًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الموارد أو الجغرافيا.


ومن هنا لم يعد أخطر سباق في العالم سباق التسلح، بل سباق إعادة تعريف القوة قبل أن يعيدها الآخرون، فالدول التي تستثمر في حماية نجاحاتها القديمة أكثر مما تستثمر في اكتشاف مصادر القوة الجديدة، قد تمتلك كل أدوات الأمس، لكنها تعجز عن قيادة الغد، وما يبدو اليوم استقرارًا قد يكون بداية جمود، وما يبدو مغامرة قد يصبح بعد سنوات القاعدة الجديدة التي يعاد بناء العالم حولها.


وربما لن يسأل المؤرخون بعد نصف قرن من امتلك أكبر جيش، ولا من حقق أعلى معدل نمو، بل سيسألون من امتلك البصيرة ليدرك أن القوة غادرت مكانها القديم قبل أن يصبح ذلك حقيقة يراها الجميع، لأن التاريخ لا يورث المستقبل للأقوى، بل لمن يملك الشجاعة لإعادة تعريف القوة كلما تغير العصر، فكل حضارة سقطت مرتين، مرة عندما فقدت تفوقها، ومرة قبل ذلك بكثير، عندما فقدت قدرتها على تخيل المستقبل الذي كان يولد أمامها .




مواضيع قد تهمك