اسماعيل الشريف : هند رجب.. دمٌ يطارد القتلة
البدوي استدّ بعد أربعين سنة وقال: استعجلت - (...).
في التاسع والعشرين من كانون الثاني من عام 2024، كانت الطفلة الغزّية هند رجب، البالغة من العمر ست سنوات، وحيدةً خائفة داخل سيارة عالقة بين الجثث. اتصلت بالإسعاف تستغيث وتطلب النجدة، بينما كان إطلاق النار الكثيف يحيط بها على مدى ثلاث ساعات، في وقت رفض فيه الجيش المجرم السماح لطواقم الإسعاف بالوصول إليها. كان صوتها يخبو شيئًا فشيئًا، حتى انقطع. وهناك، في ذلك المكان، أطلق جيش الاحتلال أربعمائة رصاصة. تابع العالم هذه القصة المفجعة، وسمع توسلات طفلة لم تجد آذانًا صاغية في عالم يكثر فيه الحديث عن الطفولة والسلام والحضارة.
كذب الجيش المجرم، وادّعى أنه لم تكن له أي قوات في المنطقة، غير أنّ الحقيقة ما لبثت أن تكشّفت بعد السماح لطواقم الإسعاف بالوصول إلى موقع الجريمة، وبعد ظهور صور الأقمار الصناعية ونتائج التحقيقات؛ إذ تبيّن وجود خمسة وثلاثين أثر رصاصة في سيارة عائلة هند، إلى جانب جثث أفراد عائلتها، وجثتي المسعفَين اللذين حاولا إنقاذها بعد أن سُمح لهما بالتوجه إليها، قبل أن يتم استهدافهما.
إثر هذه الجريمة البشعة، تأسست في بلجيكا منظمة حقوقية تحمل اسم الشهيدة، لتكون شاهدًا حيًا على قضيتها، ولتعمل على ملاحقة المسؤولين عنها، وكل من تورط في جرائم الحرب في غزة، أمام المحاكم المحلية والدولية. وقد عملت هذه المؤسسة على إعداد ملفات قانونية ضد جنود وضباط صهاينة، مستندةً إلى أدلة جُمعت من منشورات الجنود على وسائل التواصل الاجتماعي، وبيانات تحديد المواقع، والشهادات الموثّقة. وقدّمت عشرات الشكاوى في دول مختلفة حول العالم، الأمر الذي دفع الكيان إلى تشديد القيود على نشر أي محتوى عسكري عبر منصات التواصل. كما قدّمت المؤسسة ملفًا قانونيًا مكوّنًا من 120 صفحة إلى محكمة لاهاي، سمّت فيه أربعةً وعشرين جنديًا وضابطًا صهيونيًا بوصفهم مسؤولين عن استشهاد هند وعائلتها.
ولكن، كما هو معروف، فقد أثبتت المحاكم الدولية عجزها وانتقائيتها في تطبيق القانون على المجرمين؛ فكل الذين حوكموا وسُجنوا من قِبل هذه المحاكم كانوا من دول العالم الثالث، فيما ظلّ مجرمو الغرب، الذين فاقت جرائمهم جرائم العالم، بعيدين عن المساءلة والعقاب.
قرأت تقريرًا للصحفي البريطاني البطل روبرت إنلاكيش، المعروف بدعمه للقضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وبمناهضته للتدخلات الغربية في المنطقة. وقد نُشر التقرير في عدد من المواقع الإخبارية الرصينة، وتناول فيه كيف يتعقّب حزب الله المتورطين في جريمة هند رجب، سعيًا لمحاسبتهم والانتقام لدمها.
أثبتت التحريات أن اللواء المدرع رقم 401 كان مسؤولًا عن جريمة هند رجب، قبل أن يُنقل لاحقًا ليواصل جرائمه في لبنان. واستنادًا إلى ملفات مؤسسة هند رجب، تمكّنت المقاومة اللبنانية من تحديد أسماء المتورطين في قتل هند، وبدأت بتعقّبهم واستهداف عدد منهم. وكان أولهم المقدم دانيال إيلا، الذي أُصيب إصابة خطيرة، ثم أُصيب القائد الذي خلفه بجروح خطيرة أيضًا. وفي شهر أيار، أُصيب القائد العام للواء، مئير بيدرمان، قبل أن يُقتل في الشهر الماضي قائد آخر من الكتيبة، ومعه ثلاثة من جنوده، إثر تدمير دبابته بطائرة مسيّرة قرب تلال علي الطاهر.
لا أعرف على وجه الدقة كم من المتورطين في مقتل هند قد نالهم شيء من الحساب، لكنني أعلم أن العدالة، وإن تأخرت، لا بد أن تجد طريقها. فلن تذهب دماء هند الزكية سدى، وستبقى قصتها شاهدًا خالدًا على بشاعة دولة مارقة تجاوزت كل حدود الإنسانية.
ستظل هند، بصوتها الخائف واستغاثتها الأخيرة، حاضرة في ضمير كل حرّ، وستبقى دماؤها الطاهرة تلاحق كل من تورط أو صمت أو تواطأ. وبإذن الله، ستتوج هذه المسيرة بالتحرير الكامل، وبمحاسبة كل من شارك في هذه الإبادة البشعة أو أعان عليها.