عاطف أبو حجر : كلابنا وكلابهم
لم تعد الكلاب الضالة في مدننا كائنات عابرة تبحث عن فتات طعام أو ظلّ جدار، بل تحوّلت – بقدرة قادر – إلى قوة ميدانية قائمة بذاتها، تعرف شوارعنا أكثر مما نعرفها نحن، وتتحرك فيها بثقة من لا يخشى قانونًا ولا ينتظر مساءلة.
أما الإنسان، ذلك الكائن الذي يُفترض أنه "سيد المكان"، فقد غدا يمشي متلفتًا، يختصر الطرق، ويؤجل خروجه حتى يطمئن إلى أن التحركات الليلية للكلاب قد هدأت.
في الماضي كنا نخشى اللصوص، ثم صرنا نخشى الحفر، واليوم نخشى نباحًا يسبق العقر.
لا يحتاج المواطن الأردني إلى تقارير أو دراسات ليدرك حجم المشكلة؛ فالأرقام باتت مكتوبة على الأجساد لا في الدفاتر. أطفال عادوا إلى بيوتهم مصابين بجروح بليغة لا تُمحى آثارها سريعًا، وكبار غيّروا عاداتهم اليومية، وتحولت طرق المدارس إلى مسارات للحذر بدلًا من أن تكون طرقًا للعلم والأمان.
لم يعد الضرر حادثًا فرديًا يُبرَّر بالصدفة، بل صار ظاهرة عامة تتكرر في الأحياء السكنية والقرى وأطراف المدن، وحتى في الأماكن التي يُفترض أنها آمنة، كالمتنزهات ومحيط المدارس.
ولأن الفوضى، حين تستمر، تتحول إلى نظام، صار للكلاب الضالة عندنا أنواع غير مكتوبة:
- كلاب الحاويات، وهي كلاب ذات خبرة طويلة في الاقتصاد المنزلي، تحفظ مواعيد إخراج النفايات، وتعتبر الحاوية حقًا مكتسبًا لا يُنازع.
- كلاب الشوارع الليلية، تتحرك في مجموعات، وتفرض وجودها بقوة الصوت أولًا، ثم بالعقر عند الحاجة، وتمنح العابرين جرعة أدرينالين مجانية.
- كلاب المناطق السكنية، وهي الأخطر، لأنها اختلطت بالبشر حتى فقدت رهبة الإنسان، فأصبح الطفل هدفًا سهلًا، والمارّ مشروع ضحية.
لا تنتشر الكلاب الضالة عبثًا؛ فهي تعرف أين تجد ما يُبقيها حيّة: قرب الحاويات، وبجوار المساجد والأسواق، وحول المدارس، وفي أطراف المدن حيث تغيب الرقابة وتكثر الأعذار. وكلما غاب التنظيم حضرت الكلاب، وكأن بينها وبين الإهمال اتفاقًا غير مكتوب.
ليس المطلوب حربًا على الكلاب، ولا تحويل الشوارع إلى ساحات عنف، فهذه كائنات لا ذنب لها في تقاعس البشر. لكن الرحمة لا تعني ترك الناس فريسة للخوف، ولا أن يصبح الطفل أقل قيمة من شعار إنساني يُرفع بلا خطة.
لقد أثبتت تجارب دول أخرى أن التبليغ المنظم، والتعامل المؤسسي، والتعقيم، والإيواء، حلول تحمي الإنسان وتحفظ حياة الحيوان معًا، دون دماء ودون فوضى. لقد أصبحنا ننتظر إذن المرور من كلاب لم تختر أن تكون ضالة، لكننا اخترنا أن نتركها كذلك.
في الغرب، الكلب الضال حالة طارئة، أما في شوارعنا فهو حالة دائمة. هناك، إذا شوهد كلب بلا صاحب، تتحرك الجهات المختصة فورًا: يُلتقط، ويُفحص، ويُعقَّم، ويُطعَّم، ثم يُودَع في مأوى منظّم أو يُعرض للتبنّي. أما عندنا، فالكلب يولد ضالًا، ويكبر ضالًا، ويتقاعد ضالًا، وربما يورّث الضلال لأجيال لاحقة، في دورة حياة متكاملة لا تحتاج إلا إلى شارع مهمل وحاوية ممتلئة.
كلابهم تحمل أطواقًا، وكلابنا تحمل خبرة ميدانية.
كلابهم تُدرَّب على الطاعة، وكلابنا تُدرَّب على العقر، لا لأنها شرسة، بل لأن الشارع قاسٍ.
هناك تُدار القضية بعقل وخطة واضحة، وهنا تُدار بالعاطفة أحيانًا، وبالتجاهل أحيانًا أخرى، وبالدهشة الدائمة: "من أين جاءت كل هذه الكلاب؟"، وكأنها سقطت علينا من الفضاء!
الخلاصة المؤلمة: لسنا أقل رحمة، لكننا أضعف تنظيمًا، ولسنا أكثر قسوة، لكننا أكثر فوضى. فبين كلابهم وكلابنا، الفرق ليس في النباح، بل في القرار.
ما يطمئننا حقًا ليس أن يخرج مسؤول بكل ثقة ليعلن: "تم اصطياد الكلب والقضاء عليه". فهذه البطولة تأتي دائمًا بعد انتهاء المباراة، وبعد أن يكون الكلب قد أنهى جولته ووزّع العضّات على الأطفال والكبار، ثم أصبح هو المتهم الوحيد الذي لن يدافع عن نفسه. يبدو أن خطط المكافحة عند بعض الجهات تبدأ بعد وقوع الكارثة، وكأن المطلوب من المواطن أن يصمد حتى يصدر البيان الصحفي!
المشكلة ليست في كلب ضال، بل في قطيع كامل من الإهمال يتجول في الشوارع بحرية. فكل حادثة تتكرر، وفي كل مرة نسمع العبارات نفسها: "تمت المتابعة"، و"تمت السيطرة"، و"تم اتخاذ الإجراءات". أما الإجراءات الوقائية التي تمنع وصولنا إلى هذه المرحلة، فيبدو أنها أيضًا ضالة، ولم يعثر عليها أحد حتى الآن.
لا نريد بيانات انتصار على كلب بعد أن مزّق أجساد أطفالنا وكبارنا، ولا نريد حلولًا موسمية تُستخرج من الأدراج عند كل حادثة. ما نريده هو خطة حقيقية وجذرية لمعالجة ظاهرة الكلاب الضالة، حتى لا نستيقظ غدًا على خبر جديد وضحايا جدد، ثم نُكافأ مرة أخرى ببيان رسمي يخبرنا أن "المهمة أُنجزت"... ولكن بعد فوات الأوان.