اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

محمد ابو رمان : المرحلة الجديدة من الحرب.. تحولات استراتيجية

محمد ابو رمان : المرحلة الجديدة من الحرب.. تحولات استراتيجية
أخبارنا :  

لم يكن التصعيد العسكري الأخير بين الولايات المتحدة وإيران مجرد عودة إلى المواجهة بعد أسابيع من الهدوء، بقدر ما كان تعبيراً عن الأزمة البنيوية التي حملتها اتفاقية وقف الحرب منذ لحظتها الأولى.

فمنذ البداية لم يكن هناك اتفاق حقيقي على السؤال الأكثر أهمية في أي حرب: من انتصر ومن تراجع؟ ولهذا جاءت مذكرة التفاهم أقرب إلى هدنة مؤقتة منها إلى تسوية مستقرة؛ فقد أوقفت العمليات العسكرية، لكنها تركت الملفات الأكثر حساسية معلقة، على افتراض أن المفاوضات اللاحقة ستكون قادرة على حسمها، سواء ما يتعلق بمضيق هرمز، أو الانسحاب الإسرائيلي، أو الأموال الإيرانية المجمدة. لكن هذه القضايا تحولت تدريجياً إلى البؤرة الجديدة للصراع، وجعلت من وقف إطلاق النار منذ لحظة التوقيع على المذكرة حالة هشّة، بل شديدة الهشاشة.

السؤال اليوم ليس فقط: هل ستعود الحرب؟ بل أيضاً: هل انتهت مذكرة التفاهم فعلاً كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب؟ والأرجح أنها دخلت مرحلة من التجميد، بعدما تراجع الفريقان المفاوضان في واشنطن وطهران خطوة إلى الخلف، تاركين المجال أمام صقور الطرفين لمحاولة فرض وقائع جديدة تمنح كل فريق أوراقاً إضافية عندما يعود إلى طاولة التفاوض.

غير أن المشكلة تكمن في طبيعة الملفات المطروحة اليوم؛ فهي ليست من النوع الذي يسمح بتسويات سهلة، بخاصة عندما يتعلق الأمر بمضيق هرمز، الذي لم يعد، في نظر الحرس الثوري الإيراني، مجرد ممر بحري استراتيجي، بل ورقة ضغط ربما تفوق في أهميتها البرنامج النووي نفسه، وهو ما تعكسه تصريحات المسؤولين الإيرانيين خلال الأيام الأخيرة.

وبالرغم من صعوبة بناء سيناريوهات دقيقة لما ستذهب إليه التطورات، فإن التحول الأهم يتمثل في انتقال مركز الصراع نفسه. ففي بداية الحرب كان البرنامج النووي والصاروخي الإيراني يمثلان العنوان الرئيس للمواجهة، بل إن الحديث لم يخلُ من أهداف تتعلق بإضعاف النظام الإيراني. أما اليوم، فقد أصبح مضيق هرمز هو العقدة الأساسية التي تدور حولها الحسابات العسكرية والسياسية.

وهذا ليس مجرد تبدل في الأولويات، بل انتقال من الصراع على القدرات العسكرية الإيرانية إلى الصراع على الجغرافيا الاستراتيجية. فهرمز لم يعد قضية إيرانية أو أميركية فقط، بل أصبح قضية تتصل بأمن الطاقة والاقتصاد العالمي والممرات البحرية، وهو ما يوسع دائرة اللاعبين المنخرطين في الأزمة.

ومن هنا يمكن فهم التحول في الموقف الخليجي. ففي بداية الحرب استطاعت دول الخليج أن تنأى بنفسها نسبياً عن المواجهة، أما اليوم فقد أصبحت الأزمة تمس أمنها القومي واستقرارها الاقتصادي بصورة مباشرة، ولم يعد ممكناً لها الاكتفاء بسياسة الحياد أو الصبر الاستراتيجي، حتى وإن اختلفت طبيعة أدوارها. كما يفسر ذلك أيضاً دخول الحوثيين بقوة على خط التصعيد، وما يثيره من مخاوف من انتقال المواجهة من هرمز إلى باب المندب، بما يجعل أمن الممرات البحرية عنوان المرحلة المقبلة.

في المقابل، تبدو إيران نفسها بصدد إعادة ترتيب أولويات نفوذها الإقليمي. فإذا كانت استراتيجيتها خلال العقدين الماضيين قامت على شبكة الفواعل ما دون الدول، فإن الحرب الأخيرة تدفع نحو إعادة الاعتبار للجغرافيا الاستراتيجية بوصفها مصدر القوة الأكثر تأثيراً. ومن هذه الزاوية، يصبح هرمز بالنسبة للحرس الثوري أكثر من مجرد ورقة تفاوضية؛ إنه جزء من معركة داخلية على النفوذ في الجمهورية الإسلامية، وجزء من معركة إقليمية لإعادة تعريف موقع إيران ودورها بعد الحرب.

في ضوء هذه التحولات، يبدو من الطبيعي أن تتراجع، على المدى القريب، فرص العودة السريعة إلى المفاوضات، وأن تتقدم السيناريوهات العسكرية المحدودة التي يسعى كل طرف من خلالها إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل العودة إلى طاولة الحوار. ولا يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة، لكنه يعني أن الميدان سيظل المكان الذي تُصنع فيه شروط التفاوض المقبلة.

ولعل هذا ما يعيد إلى الأذهان مقولة المفكر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز بأن «الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى». فما يجري اليوم ليس خروجاً على السياسة، بل محاولة لإعادة رسم قواعدها، بعدما انتقل الصراع من البرنامج النووي إلى الجغرافيا الاستراتيجية، ومن تخصيب اليورانيوم إلى مضيق هرمز.


مواضيع قد تهمك