اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

العميد الركن محمد علي مهيدات : الإعلام العسكري .. صناعة الأثر وحماية الوعي في عصر التنافس المعلوماتي

العميد الركن محمد علي مهيدات : الإعلام العسكري .. صناعة الأثر وحماية الوعي في عصر التنافس المعلوماتي
أخبارنا :  

في عالم لم تعد فيه المعارك تُخاض في ميادين القتال وحدها، أصبحت العقول والإدراك العام ساحات جديدة للتنافس وأصبحت القدرة على امتلاك المعلومة وإدارتها والتأثير من خلالها عاملاً رئيسياً في تشكيل موازين القوى، فالصراعات الحديثة لم تعد تعتمد على التفوق العسكري فقط، بل باتت ترتبط أيضاً بالقدرة على حماية الرواية الوطنية وتعزيز سردية مؤسسية قائمة على الثقة والمصداقية، وحماية الوعي في بيئة معلوماتية تتغير بسرعة غير مسبوقة.


وفي ظل هذا التحول، يشهد العالم انتقالاً في طبيعة التهديدات والتحديات، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والإعلامية والتقنية والمعرفية، وأصبحت المنافسة تدور حول تشكيل الإدراك العام والتأثير في اتجاهات الجمهور بقدر ما تدور حول السيطرة على الأرض، ومع التدفق المتسارع للمعلومات عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية والفضاء السيبراني، غدت إدارة المعلومات وصياغة الرواية الموثوقة جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني.


وفي هذا السياق، يبرز الإعلام العسكري في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي بوصفه أحد مرتكزات الاتصال الاستراتيجي للدولة، إذ تتكامل رسائله مع الأهداف الوطنية في إطار يقوم على الوضوح، والاتساق، وسرعة الاستجابة وتعزيز الثقة بين المؤسسة العسكرية والمجتمع، فلم يعد دوره يقتصر على نقل الأخبار أو توثيق النشاطات العسكرية، بل أصبح يسهم في بناء الإدراك العام، وإبراز جاهزية القوات المسلحة الأردنية، وتوثيق إنجازاتها، وإظهار أدوارها الدفاعية والإنسانية والتنموية والدبلوماسية، بما يعكس مكانتها بوصفها مؤسسة وطنية تحظى بثقة جميع الأردنيين.


لقد فرضت البيئة الرقمية تحديات غير مسبوقة، إذ باتت المعلومات تنتشر بوتيرة تتجاوز أحياناً قدرة المؤسسات على التحقق منها، في وقت أتاحت فيه التقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، إنتاج محتوى مضلل قادر على التأثير في الرأي العام وإرباك المشهد الإعلامي، وأمام هذا الواقع، أصبح نجاح الإعلام العسكري مرهوناً بقدرته على المبادرة لا الاكتفاء برد الفعل، من خلال رصد المتغيرات، وتحليل اتجاهات الرأي العام، والاستجابة السريعة للمعلومات غير الدقيقة، بما يحافظ على حضور السردية الوطنية في فضاء معلوماتي شديد التنافس.


ولم تعد إدارة هذا الفضاء تعتمد على نشر الرسائل الإعلامية فحسب، بل أصبحت تتطلب عملاً متكاملاً ينسق بين جمع المعلومات وتحليلها، وحماية الرواية الوطنية وتعزيز السردية المؤسسية، ومواجهة حملات التضليل، بما يعزز قدرة المجتمع على التمييز بين الحقائق والمعلومات الموجهة. وفي هذا الإطار، يغدو الإعلام العسكري جزءاً من منظومة أشمل تتكامل فيها عمليات المعلومات مع الاتصال الاستراتيجي لتحقيق تأثير مستدام في بيئة تتنافس فيها الروايات بقدر تنافس الإمكانات.


ومن هنا، لم تعد صناعة الأثر الإعلامي تقاس بعدد الأخبار المنشورة أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما بقدرة الرسالة على بناء الثقة، وترسيخ الانتماء، وتعزيز المعرفة الصحيحة، وتقديم رواية متماسكة تستند إلى المصداقية والاحتراف. فالثقة ليست نتيجة لحملات إعلامية مكثفة، بل حصيلة التزام مستمر بالدقة والشفافية والاتساق بين الرسالة والممارسة، وهو ما يمنح الإعلام العسكري القدرة على التأثير الإيجابي في مختلف الظروف، لا سيما خلال الأزمات والظروف الاستثنائية.


ويكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة في ظل تنامي محاولات استهداف الوعي عبر حملات التضليل والتشويه، الأمر الذي يجعل حماية الإدراك المجتمعي أحد أبعاد الأمن الوطني. فكلما امتلك المجتمع القدرة على التحقق من المعلومات وفهم سياقاتها والتمييز بين الحقيقة والدعاية، ازدادت مناعته الفكرية وتراجع تأثير المحتوى المضلل. ويتطلب ذلك الاستثمار في كوادر تجمع بين المعرفة العسكرية والمهارات الإعلامية والرقمية، قادرة على توظيف التقنيات الحديثة وتحليل البيانات وإدارة المحتوى الرقمي بكفاءة، بما يعزز تطوير الرسائل الإعلامية، ورفع سرعة الاستجابة، وتحسين القدرة على قياس أثرها في الجمهور، وبناء جاهزية إعلامية مستدامة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في البيئة المعلوماتية الحديثة.


في الختام، إن مستقبل الإعلام العسكري يرتبط بقدرته على مواكبة التحولات في البيئة المعلوماتية، وتطوير أدوات الاتصال الاستراتيجي، وتعزيز التكامل مع عمليات المعلومات، بما يحافظ على المصداقية ويصون الثقة العامة. ففي عصر التنافس على الوعي، لم تعد القوة تقاس بما تمتلكه الدول من إمكانات عسكرية فحسب، بل أيضاً بقدرتها على حماية الحقيقة وبناء الثقة، وترسيخ سردية وطنية متماسكة، ووعي مجتمعي قادر على مواجهة التضليل. ومن هذا المنطلق، يواصل الإعلام العسكري أداء رسالته بوصفه شريكاً أساسياً في منظومة الأمن الوطني الشامل، يسهم في تعزيز الاستقرار، وترسيخ الانتماء وصناعة أثر إعلامي يعكس مكانة القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ودورها في حماية الوطن ومصالحه.


* مديــر الإعلام العسكري



مواضيع قد تهمك