د. الاء طارق الضمرات : مستقبل الجامعات في ظل انخفاض أعداد الطلبة: خارطة طريق للتحول والاستدامة
لم تعد التحديات التي تواجه الجامعات الأردنية مجرد قضية تتعلق بتراجع أعداد المقبولين أو انخفاض الإيرادات المالية، بل أصبحت مؤشراً على تحول ديموغرافي واقتصادي وتعليمي عميق قد يعيد تشكيل خريطة التعليم العالي في الأردن خلال العقد القادم. والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: كم طالباً سيلتحق بالجامعات العام المقبل؟ بل: هل ما زالت الجامعات الأردنية مهيأة لعالم يتغير بوتيرة أسرع من قدرتها على التكيف؟
لقد اعتادت الجامعات لعقود طويلة أن تبني خططها الاستراتيجية على فرضية ثابتة مفادها أن أعداد الطلبة ستستمر في الارتفاع، وأن الطلب على التعليم الجامعي سيبقى متزايداً بصورة طبيعية، لكن الواقع الحالي يفرض معادلة مختلفة تماماً؛ إذ تتقاطع عدة متغيرات في وقت واحد لتشكل ما يمكن وصفه بـ"العاصفة المثالية" التي تهدد استدامة مؤسسات التعليم العالي.
وربما يكون أكثر التحديات خطورة هو انخفاض معدلات المواليد في الأردن خلال السنوات الأخيرة، فالتراجع الديموغرافي لا يظهر أثره فوراً، لكنه يعمل بصمت حتى يصل إلى الجامعات بعد ما يقارب ثمانية عشر عاماً، واليوم بدأت هذه الموجة تصل بالفعل، وهذا يعني أن المنافسة بين الجامعات لن تكون مستقبلاً على جودة البرامج فقط، بل على عدد الطلبة أنفسهم، فالطالب الذي كان يمثل جزءاً من كتلة طلابية كبيرة أصبح مورداً نادراً، وستدخل الجامعات في سباق غير مسبوق لاستقطابه.
وهنا يبرز سؤال أكثر عمقاً: هل صُممت الجامعات الأردنية لعصر الوفرة أم لعصر الندرة؟
ومن التحديات أيضًا المنافسة الإقليمية... فلم يعد الطالب محلياً
ففي الماضي كانت الجامعات الأردنية تتنافس فيما بينها، أما اليوم فهي تنافس جامعات في السعودية والإمارات وقطر وماليزيا وتركيا وحتى الجامعات العالمية التي تقدم برامجها عبر الإنترنت، ولقد تغير سلوك الطالب نفسه؛ فهو لم يعد يبحث عن الشهادة فقط، بل عن تجربة تعليمية، وفرص تدريب، وشهادات مهنية، وتعليم مرن، وربط مباشر بسوق العمل، وأصبحت الحدود الجغرافية أقل تأثيراً في قراراته، بينما أصبحت جودة الخدمات الرقمية والسمعة الدولية أكثر أهمية، وبالتالي فإن المنافسة لم تعد محلية، بل أصبحت عالمية، بينما لا تزال بعض الجامعات تفكر بعقلية السوق المحلي.
كما كشفت جائحة كورونا أن التعليم الإلكتروني لم يكن حلاً مؤقتاً، بل بداية لنموذج جديد من التعليم، واليوم تقدم جامعات عالمية برامج كاملة عبر الإنترنت برسوم أقل، ومرونة أكبر، وشهادات معترف بها دولياً، كما ظهرت منصات تمنح شهادات احترافية قد تكون في بعض القطاعات أكثر قيمة من الدرجة الجامعية التقليدية.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي؛ فإذا بقيت الجامعات تنظر إلى التعليم الإلكتروني باعتباره مجرد وسيلة لنقل المحاضرة من القاعة إلى الشاشة، فإنها ستكون قد خسرت جوهر التحول الرقمي، فالمستقبل لا يقوم على التعليم الإلكتروني، بل على التعليم الذكي الذي يوظف الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والتعلم التكيفي، والتعليم الشخصي الذي يصمم لكل طالب تجربة مختلفة.
ومن أكثر المفارقات إثارة للقلق أن كثيراً من البرامج الأكاديمية ما زالت تُدرّس لمهن بدأت تختفي، بينما تتشكل في المقابل وظائف جديدة لم تدخل بعد إلى الخطط الدراسية، فالاقتصاد العالمي يتحول بسرعة نحو تخصصات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، والتكنولوجيا المالية، والاستدامة، والاقتصاد الأخضر، وإدارة الابتكار، والحوكمة الرقمية.
ولذلك فإن السؤال لم يعد: كم برنامجاً تمتلك الجامعة؟ بل: كم برنامجاً يحتاجه المستقبل فعلاً؟
إن الجامعات التي تستمر في تكرار البرامج التقليدية قد تجد نفسها بعد سنوات تمتلك قاعات دراسية جاهزة، لكنها خالية من الطلبة.
والطلبة الدوليون هم الفرصة التي لم تُستثمر بعد، ففي ظل محدودية السوق المحلي، يصبح التوسع الخارجي ضرورة استراتيجية وليس خياراً تسويقياً.، ويمتلك الأردن سمعة أكاديمية جيدة، وكفاءات علمية متميزة، واستقراراً نسبياً مقارنة بالعديد من الدول، وهي جميعها عناصر يمكن أن تجعل الجامعات الأردنية وجهة تعليمية إقليمية.
غير أن استقطاب الطلبة الدوليين لا يتحقق بالإعلانات أو المعارض التعليمية فقط، بل يتطلب بناء منظومة متكاملة تشمل الاعتماد الدولي، والبرامج المطروحة باللغة الإنجليزية، والخدمات الرقمية، والإجراءات السريعة للقبول، والتسويق العالمي، والشراكات الأكاديمية، وتجربة طلابية تنافسية، فالجامعة التي لا تنظر إلى العالم باعتباره سوقها المستقبلي قد تجد نفسها محاصرة بسوق محلي يتقلص عاماً بعد عام.
ولا بد من النظر الآن من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل، فمن أخطر ما يمكن أن تواجهه الجامعات الأردنية ليس انخفاض أعداد الطلبة، وإنما التعامل مع هذا الانخفاض باعتباره أزمة مؤقتة يمكن تجاوزها بإجراءات مالية أو حملات تسويقية موسمية، فالتحول الحالي هو تحول هيكلي، يتطلب إعادة التفكير في فلسفة الجامعة نفسها؛ من مؤسسة تمنح الشهادات إلى مؤسسة تنتج المعرفة، وتصنع المهارات، وتبني الابتكار، وتستجيب بسرعة للتحولات العالمية.
وأقترح إطلاق "الاستراتيجية الوطنية لتحول الجامعات الأردنية 2035"، بحيث لا يكون هدفها زيادة أعداد الطلبة فقط، بل إعادة تعريف دور الجامعة في الاقتصاد الوطني، وترتكز هذه الاستراتيجية على خمسة محاور مترابطة:
1. تنويع مصادر الدخل لتصل مساهمة الأنشطة غير التعليمية (الاستشارات، البحث التطبيقي، التدريب، الابتكار) إلى ما لا يقل عن 40% من إيرادات الجامعات خلال عشر سنوات.
2. تدويل التعليم العالي من خلال مضاعفة أعداد الطلبة الدوليين وإنشاء برامج أكاديمية مشتركة مع جامعات عالمية.
3. التحول إلى التعلم مدى الحياة عبر تقديم مسارات تعليمية مرنة وشهادات مهنية قابلة للتراكم والاعتراف.
4. الجامعة المنتجة للمعرفة بربط البحث العلمي بحاجات الصناعة والقطاعين العام والخاص، وتحويل مخرجاته إلى حلول ومنتجات وخدمات.
5. حوكمة قائمة على الأداء تعتمد مؤشرات مثل توظيف الخريجين، والابتكار، والأثر المجتمعي، والاستدامة المالية، بدلاً من التركيز على أعداد الطلبة فقط.
هذه الرؤية تنقل النقاش من سؤال: " كيف نزيد عدد الطلبة؟" إلى سؤال أكثر أهمية: " كيف نبني جامعة قادرة على الازدهار حتى في ظل انخفاض أعداد الطلبة؟"، وهو التحول الفكري الذي أرى أنه سيكون محور النقاش الحقيقي حول مستقبل التعليم العالي في الأردن.
فالجامعات التي تنتظر عودة الماضي قد تفقد المستقبل، أما الجامعات التي تمتلك شجاعة التغيير فستكتشف أن انخفاض أعداد الطلبة ليس نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة تُقاس فيها قيمة الجامعة بما تصنعه من أثر، لا بما تستقبله من أعداد.
أما فيما يتعلق بكيف أطبق هذه الاستراتيجية فمن خلال إعادة بناء نموذج عمل للجامعات يحقق الاستدامة المالية والأكاديمية ويواكب التحولات العالمية في التعليم العالي. وفي هذا السياق يمكن طرح مجموعة من الحلول العملية:
أولاً: إنشاء منصة القبول الوطنية الذكية: بدلاً من أن تعمل كل جامعة منفردة في استقطاب الطلبة، يتم إنشاء منصة وطنية تعتمد على الذكاء الاصطناعي تعرض جميع البرامج الجامعية، وتقترح للطالب أفضل التخصصات وفق معدله واهتماماته واحتياجات سوق العمل، مع إمكانية التقديم لجميع الجامعات من خلال نافذة واحدة، ويسهم ذلك في رفع كفاءة القبول، وتحقيق توزيع أكثر عدالة للطلبة، وتقليل التكاليف التسويقية على الجامعات.
ثانياً: تحويل الجامعات إلى مراكز لإعادة تأهيل القوى العاملة: ينبغي ألا تقتصر خدمات الجامعات على خريجي الثانوية العامة، بل تمتد لتشمل الموظفين والعاملين الراغبين في تطوير مهاراتهم أو تغيير مسارهم المهني، ويمكن إطلاق برامج قصيرة في الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وإدارة المشاريع، والاقتصاد الرقمي، بحيث تصبح الجامعة مركزاً وطنياً للتعلم المستمر، وتفتح لنفسها سوقاً تعليمياً جديداً لا يعتمد فقط على الطلبة التقليديين.
ثالثاً: ربط كل برنامج أكاديمي بشريك من سوق العمل: يشترط عند اعتماد أي برنامج أكاديمي وجود شريك استراتيجي من القطاعين العام أو الخاص يشارك في تصميم الخطة الدراسية، ويوفر التدريب العملي، ويسهم في توظيف الخريجين، ويضمن هذا النموذج مواءمة البرامج مع احتياجات الاقتصاد، ويعزز ثقة الطلبة بقيمة التعليم الجامعي.
رابعاً: إطلاق برنامج (ادرس في الأردن): يُدار هذا البرنامج على المستوى الوطني بهدف مضاعفة أعداد الطلبة الدوليين، من خلال إنشاء بوابة إلكترونية موحدة للتقديم، وتبسيط إجراءات القبول والتأشيرات، وتقديم منح جزئية، وتنفيذ حملات تسويق موجهة للدول العربية والأفريقية والآسيوية، فكل طالب دولي يمثل استثماراً اقتصادياً وأكاديمياً يعزز مكانة الجامعات الأردنية.
خامساً: إنشاء حاضنة وطنية للبرامج المستقبلية: بدلاً من انتظار سنوات لتطوير الخطط الدراسية، يتم إنشاء حاضنة وطنية داخل مجلس التعليم العالي تتولى سنوياً تصميم برامج أكاديمية جديدة في التخصصات المستقبلية، مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا المالية، والاقتصاد الأخضر، والطب الرقمي، ثم تُتاح هذه البرامج مباشرة للجامعات الراغبة في تطبيقها، مما يسرّع عملية التطوير ويمنع تكرار الجهود.
سادساً: تنويع مصادر دخل الجامعات: تعتمد معظم الجامعات بصورة كبيرة على الرسوم الدراسية، وهو نموذج لم يعد مستداماً، لذلك ينبغي التوسع في إنشاء مراكز استشارية، ومكاتب لنقل التكنولوجيا، ووحدات للتعليم التنفيذي، ومشروعات استثمارية جامعية، بحيث تصبح الإيرادات الذاتية مورداً أساسياً يدعم الاستقرار المالي ويقلل من أثر انخفاض أعداد الطلبة.
سابعاً: تطبيق نظام التمويل القائم على الأداء: يُعاد تصميم آلية تمويل الجامعات بحيث ترتبط بمؤشرات أداء واضحة، مثل نسبة توظيف الخريجين، والإنتاج البحثي التطبيقي، وعدد براءات الاختراع، والإيرادات الذاتية، ومستوى رضا الطلبة وأصحاب العمل، ويشجع هذا النظام الجامعات على التنافس في جودة المخرجات بدلاً من التنافس على زيادة أعداد المقبولين.
ثامناً: إنشاء تحالفات أكاديمية بين الجامعات: بدلاً من تكرار البرامج والإمكانات، يمكن إنشاء تحالفات وطنية تتشارك في أعضاء هيئة التدريس، والمختبرات، والمكتبات الرقمية، والتعليم الإلكتروني، وبعض التخصصات النادرة، ويؤدي ذلك إلى خفض النفقات التشغيلية، ورفع جودة التعليم، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد.
تاسعاً: إنشاء مرصد وطني للطلب على التعليم العالي يُؤسس مرصد وطني يعتمد على تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بأعداد الطلبة، والتخصصات المطلوبة، والوظائف المستقبلية، والتغيرات الديموغرافية، ويصدر تقارير دورية تدعم الجامعات في اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة، بدلاً من الاعتماد على التقديرات التقليدية.
عاشراً: إطلاق برنامج (الجامعة المنتجة): تتبنى الجامعات نموذجاً إنتاجياً يربط المعرفة بالاقتصاد، من خلال إنشاء شركات ناشئة، وتسويق براءات الاختراع، وبيع الخدمات البحثية والاستشارية، وتحويل مخرجات البحث العلمي إلى منتجات وحلول تخدم المجتمع، وبذلك تتحول الجامعة من مؤسسة تعتمد على الرسوم الدراسية إلى مؤسسة منتجة للمعرفة والقيمة الاقتصادية.