اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

حسان سلطان المجالي : أين تقع مصلحة الوطن .. ؟

حسان سلطان المجالي : أين تقع مصلحة الوطن .. ؟
أخبارنا :  

هذا السؤال يبدو بسيطاً في ظاهره ، لكنه من أكثر الأسئلة تعقيداً وخطورة في المجالين السياسي والقانوني ، فالجميع يتحدث باسم مصلحة الوطن ، الحكومة تقول إن قراراتها تصب في مصلحة الوطن ، والمعارضة تقول إن اعتراضها دفاع عن مصلحة الوطن ، والمسؤول يبرر إجراءاته بمصلحة الوطن ، وحتى الفاسد أحياناً يحاول الاحتماء بهذا الشعار الفضفاض ، وهنا تصبح المشكلة الحقيقية : إذا كان الجميع يتحدث باسم مصلحة الوطن ، فلماذا تختلف المواقف وتتضارب المصالح وتتعارض القرارات ..؟


الحقيقة أن مصلحة الوطن ليست مفهوماً عاطفياً يفسره كل شخص وفق هواه ، وليست شعاراً سياسياً يصلح لتبرير كل قرار أو إسكات كل نقد ، ففي الدولة الحديثة تكون مصلحة الوطن مفهوم قانوني ودستوري له معايير واضحة يمكن قياسها والاحتكام إليها ....


فمصلحة الوطن لا تقع في مصلحة حكومة مؤقتة ، لأن الحكومات تتغير والوطن يبقى ، ولا تقع في مصلحة مسؤول يسعى إلى حماية موقعه أو إخفاء أخطائه ، لأن المنصب وظيفة عامة وليس ملكية خاصة ، ولا تقع في مصلحة حزب أو تيار أو جماعة أو نخبة اقتصادية تستأثر بالمكاسب وتحمّل المجتمع كلفة قراراتها ....


مصلحة الوطن تقع "أولاً" في حماية الدستور وسيادة القانون ، لأن الدولة التي يُعلّق فيها القانون من أجل الأشخاص تتحول تدريجياً إلى دولة أشخاص لا دولة مؤسسات ،، وتقع "ثانياً" في حماية المال العام ، لأن الاعتداء على المال العام ليس مجرد مخالفة مالية بل اعتداء مباشر على حقوق الأجيال الحاضرة والقادمة ، وتقع "ثالثاً" في العدالة وتكافؤ الفرص ، لأن الوطن الذي تُوزع فيه المناصب والامتيازات وفق القرابة والشللية والمحسوبية يفقد كفاءاته ويكافئ الفشل ويعاقب الاستحقاق ....


كما أن مصلحة الوطن لا يمكن أن تكون في إخفاء الحقائق عن المواطنين أو في إدارة الصورة بدلاً من إدارة الواقع ، فالثقة العامة لا تُبنى بالدعاية ، وإنما بالشفافية والمساءلة والاعتراف بالأخطاء وتصحيحها ، وكل سلطة تخشى النقد أكثر مما تخشى الخطأ تكون قد بدأت السير في الاتجاه المعاكس لمصلحة الوطن ....


ومن الناحية السياسية ، فإن أخطر ما يصيب الدول هو احتكار تعريف مصلحة الوطن ، فعندما تعتقد حكومة أن رأيها وحده يمثل الوطن ، يصبح كل معارض مشتبهاً به ، وكل ناقد متهماً ، وكل صاحب رأي مختلف خارجاً عن الإجماع ، وهذه ليست صفات حكومة قوية ، بل هي صفات حكومة تخشى الحوار وتخاف من المراجعة ....


لذلك فإن البرهان الحقيقي على مصلحة الوطن ليس في الخطب ولا في الشعارات والوعود والأحلام الرقمية ، وإنما في الإجابة عن أسئلة بسيطة وواضحة مفادها : هل يحمي القرار الدستور ..؟

هل يحافظ على المال العام ..؟

هل يحقق العدالة بين المواطنين ..؟

هل يعزز الثقة بالدولة ومؤسساتها ..؟

هل يخدم الأجيال القادمة أم يراكم عليها الأعباء ..؟

إذا كانت الإجابة نعم ، فنحن أمام مصلحة وطنية حقيقية ، أما إذا كانت الإجابة لا ، فإن الحديث عن مصلحة الوطن يصبح مجرد غطاء لغرض آخر مهما كانت العبارات المستخدمة لتجميله ....


وفي النهاية ، فإن مصلحة الوطن لا تقع حيث ترتفع الأصوات ، بل حيث ترتفع قيمة القانون ، ولا تقع حيث تتضخم مصالح الأفراد ، بل حيث تُصان حقوق المواطنين ، ولا تُقاس بما يربحه المسؤول اليوم ، بل بما يكسبه الوطن غداً ، فالوطن ليس الحكومة ، وليس المعارضة ، وليس الأشخاص ،، الوطن هو الدولة والدستور والشعب ومستقبل الأجيال ، وكل ما يخدم هذه الثوابت هو مصلحة وطنية ، وكل ما ينتقص منها هو خروج عليها مهما كانت المبررات والعناوين ....


والله المستعان .


* مستشار قانوني



مواضيع قد تهمك