اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. باهر يعيش : مقابلة صحافية مع… بيّاع جرايد

م. باهر يعيش : مقابلة صحافية مع… بيّاع جرايد
أخبارنا :  

يقف تحت الإشارة الضوئية التي تنظّم السير. حمراءُ لونُها تمنع هذا من المرور، إلا الشاذّين من السائقين، وخضراءُ تشرح القلب كما يفعل كلُّ أخضر من صنع ربيع بلادنا… تسمح لذاك بالمرور. ذلك الرجل يرتدي مِريولًا (بالطو) أزرقَ غامقًا، وقد خُطّت عليه كلمة الرأي. كبير في السن، ذو لحيةٍ بيضاء وشعرٍ يماثلها لونًا، نحيلُ الجسم؛ فقد التهمت الحركةُ الدائمة معظم ما يتناوله من سعرات حرارية.

 

هو على النقيض من جميع من يؤمون هذه الإشارة. يبدأ الحركة عندما يسطع اللون الأحمر، ويتوقف رافعًا رأسه نحو الإشارة عندما تتحول إلى اللون الأخضر، في انتظار عودة الأحمر… الأخضر بالنسبة له.

عندما تحمرّ الإشارة وتتوقف المركبات، يبدأ الرجل، الذي يقف في عزّ البرد ولهيب الحر، بالسير بين السيارات، يحمل بيده عدد اليوم من الصحيفة، وينادي بصوته الممدود:

"جرايد… جرايد… جريدة… جرااااايد!"

وكثيرًا ما لمحته وهو ينادي، فتعود بي الذاكرة إلى أيام الصبا، حين كنت أسمع: "الجهاد… الدفاع". ثم إلى أيام الدراسة في مصر الغالية، حيث كان بائع الصحف يصدح: "الأهرام… أخبار… جمهورية!" رحم الله تلك الأيام الجميلة.

لم أشترِ من بائع صحف أو من مكتبة عددًا واحدًا منذ سنوات؛ فأنا مشترك في صحيفة الرأي، ويصل عددها إلى صندوق البريد المعلّق على سور منزلي كل صباح، هذا فضلًا عن متابعة القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، أو كما أسميها مازحًا: "لعين الخرَسي".

لكن قبل أيام استوقفتني شخصية بائعي الصحف الواقفين عند الإشارات الضوئية في أكثر من موقع، من زاوية إنسانية هذه المرة، فقررت أن أتحدث مع أحدهم، أو أكثر.

كنت أقف بمركبتي، وأمامي طابور طويل من السيارات ينتظر إشارة حمراء بطيئة الحركة. بدأ الرجل يتحرك عكس اتجاه السير وهو ينادي على صحفه. أشرت إليه من بعيد، فأسرع نحوي بخطوات ثقيلة تناسب الشيب الذي يكسو شعره ولحيته. وصل وهو يحمل عددًا من الصحيفة، ظانًّا أنني زبون جديد وسط طابور طويل من الذين لا يشترون الصحف.

تبادلنا السلام، ثم قلت له" ممكن أن أتحدث معك؟"،قال "تفضل".سألته "منذ كم سنة وأنت تمارس هذه المهنة… مهنة البحث عن الرزق وسط حلبة سباق السيارات؟"، ابتسم وقال كثير…"قلت" وهل دخلها يكفي احتياجاتك؟"، هزّ رأسه وقال "لا… أبيع حتى الساعة الثانية عشرة ظهرًا نحو عشرين عددًا فقط".

سألته وكيف ترى الإقبال على شراء الصحف الورقية هذه الأيام مقارنة بما كان عليه زمان؟" تنهد طويلًا، ثم نفخ من فمه زفرةً خلتُ معها أن عاصفةً ستولد من حولنا…حيث قال"غياب الصحف.. يومين في الأسبوع يجعل قرّاء الصحف الورقية يلجؤون إلى شاشات التلفزيون حيث الأخبار طازه. كنّا زماااان لا نقف ونحن نوزع الصحف كنت أقرأها وأنادي على العناوين لجلب الزبائن. لم يعد لدينا عناوين ممكن النداء عليها".

في تلك اللحظة أضاءت الإشارة باللون الأخضر، واضطررت إلى الانطلاق مع سيل المركبات، على وعدٍ بأن نلتقي مرة أخرى… وإلى الجزء الثاني من السبق الصحافي مع واحد من أهم أعمدة الصحافة في البلد…

… بيّاع الجرايد.


مواضيع قد تهمك