د. مَي بَكْلِيزِي تكتب : المُتَنَبِّي مِنَ النَّصِّ الشِّعْرِيِّ إِلَى النَّصِّ الرِّوَائِيِّ: دِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي رِوَايَةِ «سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» لِأَيْمَنَ العَتُومِ
سَارَ أَيْمَنُ العَتُومُ الهُوَيْنَى فِي رَسْمِ مَلَامِحِ هَذَا العَظِيمِ؛ فَاقْتَرَبَ مِنْ شِعْرِهِ طَوِيلًا حَتَّى ارْتَوَى مِنْ مَعِينِهِ، ثُمَّ أَرْوَى قَارِئَهُ بِمَا فَاضَ فِي نَفْسِهِ مِنْ تَأَمُّلٍ وَمَعْرِفَةٍ. انْتَظَرَ حَتَّى امْتَلَأَتْ يَنَابِيعُ رُوحِهِ، فَإِذَا بِهَا تَفِيضُ رِوَايَةً مُخْضَلَّةً بِالحَقَائِقِ، نَدِيَّةً بِالخَيَالِ، لَا يَكَادُ القَارِئُ يُغَادِرُ صَفَحَاتِهَا حَتَّى يَشْعُرَ أَنَّهُ عَادَ مِنْ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ فِي القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ، مُحَمَّلًا بِعَبَقِ الكُوفَةِ، وَأَصْدَاءِ حَلَبَ، وَضَجِيجِ بَغْدَادَ.
بَلَغَتْ لُغَةُ السَّرْدِ فِي الرِّوَايَةِ مَنْزِلَةً رَفِيعَةً مِنَ الصَّفَاءِ وَالعُذُوبَةِ، حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَى القَارِئِ أَنَّهُ يُصْغِي إِلَى رَاوٍ عَادَ لِتَوِّهِ مِنْ زَمَنِ المُتَنَبِّي، يَحْمِلُ إِلَيْنَا أَخْبَارَهُ كَمَا شَهِدَهَا. وَقَدْ أَسْهَمَتِ الحِوَارَاتُ فِي تَرْسِيخِ هَذَا الإِيهَامِ الفَنِّيِّ؛ فَبَدَتْ لِقَاءَاتُ المُتَنَبِّي بِمَنْ أَحْسَنُوا مَثْوَاهُ، أَوْ بِمَنْ تَعَهَّدُوا مَوْهِبَتَهُ، أَوْ بِحُكَمَاءِ عَصْرِهِ، وَمِنْهُمُ الفَارَابِيُّ، لِقَاءَاتٍ نَابِضَةً بِالحَيَاةِ، تَفِيضُ بِالفِكْرِ، وَتَمْنَحُ الشَّخْصِيَّةَ عُمْقًا إِنْسَانِيًّا وَفَلْسَفِيًّا يَتَجَاوَزُ مَا أَثْبَتَتْهُ كُتُبُ التَّرَاجِمِ.
> وَلَعَلَّ القَارِئَ يَتَسَاءَلُ: أَبَلَغَ السَّرْدُ هَذَا القَدْرَ مِنَ الإِبْدَاعِ حَتَّى اسْتَطَاعَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ رُوحًا مَضَى عَلَى غِيَابِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ عَامٍ؟ وَكَيْفَ أَمْكَنَ لِهَذَا الصَّوْتِ القَدِيمِ أَنْ يَنْبَعِثَ بِهَذِهِ الحَيَوِيَّةِ عَلَى يَدِ رِوَائِيٍّ مُعَاصِرٍ مِنْ أَبْنَاءِ العَرَبِيَّةِ؟
>
لَقَدْ جَلَسَ أَيْمَنُ العَتُومُ، فِي سَبِيلِ إِنْجَازِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، جِلْسَةَ التِّلْمِيذِ المُلَازِمِ لِأُسْتَاذِهِ؛ يُفَتِّشُ فِي بُطُونِ الكُتُبِ، وَيُطَارِدُ الرِّوَايَاتِ، وَيَجْمَعُ الشَّذَرَاتِ، حَتَّى بَدَا كَمَنْ يُلَازِمُ الكُوفَةَ نَفْسَهَا، يَسْتَنْطِقُ حِجَارَتَهَا، وَيَسْتَنْشِقُ عَبِيرَ أَزِقَّتِهَا، وَيَسْتَخْرِجُ مِنْ صَمْتِهَا مَا عَجَزَتْ عَنْهُ المَخْطُوطَاتُ. وَلَمْ يَكْتَفِ بِالبَحْثِ التَّارِيخِيِّ، بَلْ بَذَلَ مِنْ وَقْتِهِ وَجُهْدِهِ مَا يَجْعَلُ الرِّوَايَةَ ثَمَرَةَ رِحْلَةٍ عِلْمِيَّةٍ وَإِبْدَاعِيَّةٍ طَوِيلَةٍ.
وَيُلْبِسُنَا العَتُومُ عَبَاءَةَ المُتَنَبِّي، تِلْكَ العَبَاءَةَ الَّتِي نَسَجَ خُيُوطَهَا بِلُغَةٍ شَاهِقَةٍ، قَوِيَّةٍ، آسِرَةٍ، تَمْزُجُ بَيْنَ التَّارِيخِ وَالتَّخْيِيلِ، وَبَيْنَ الوَاقِعِيَّةِ السِّحْرِيَّةِ وَالعَجَائِبِيِّ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَنْفَصِلَ عَنِ الجُذُورِ التَّارِيخِيَّةِ لِلشَّخْصِيَّةِ.
وَمِنْ أَبْرَزِ تَجَلِّيَاتِ هَذَا المَزْجِ حُضُورُ العَالَمِ الغَيْبِيِّ فِي الرِّوَايَةِ؛ فَالجِنُّ الَّذِينَ تَلَقَّفُوا أَحْمَدَ مُنْذُ وِلَادَتِهِ، وَتَنَبَّؤُوا بِمُسْتَقْبَلِهِ، لَمْ يَكُونُوا عُنْصُرًا عَجَائِبِيًّا مَجَّانِيًّا، وَإِنَّمَا جُزْءًا مِنَ البِنَاءِ التَّخْيِيلِيِّ الَّذِي أَسْهَمَ فِي تَفْسِيرِ فَرَادَةِ المُتَنَبِّي وَعُلُوِّ هِمَّتِهِ. فَالخُلُودُ الَّذِي تَنْشُدُهُ العَبْقَرِيَّةُ بَدَا فِي الرِّوَايَةِ هِبَةً أُسْطُورِيَّةً تَدْفَعُ الجِنُّ ثَمَنَهَا مِنْ أَعْمَارِهَا، لِيَبْقَى الشِّعْرُ حَيًّا فِي صَاحِبِهِ، مُتَجَاوِزًا حُدُودَ الزَّمَنِ.
وَقَدِ اسْتَطَاعَ العَتُومُ أَنْ يُحَقِّقَ تَوَازُنًا دَقِيقًا بَيْنَ الوَاقِعِيِّ وَالمُتَخَيَّلِ؛ فَلَمْ تَنْزَلِقِ الرِّوَايَةُ إِلَى الفَانْتَازْيَا المُنْفَلِتَةِ، وَلَمْ تَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ التَّوْثِيقِ التَّارِيخِيِّ الجَافِّ، وَإِنَّمَا أَنْجَزَتْ مَا يُعْرَفُ بِالتَّخْيِيلِ التَّارِيخِيِّ، حَيْثُ يُعِيدُ الخَيَالُ بِنَاءَ الوَقَائِعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَهْدِمَ حَقِيقَتَهَا.
أَمَّا البِنَاءُ السَّرْدِيُّ، فَقَدِ افْتَتَحَهُ الرَّاوِي العَلِيمُ مُتَابِعًا وِلَادَةَ البَطَلِ، قَبْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ الرِّوَايَةُ إِلَى تَبْئِيرٍ دَاخِلِيٍّ، يَتَوَلَّى فِيهِ المُتَنَبِّي بِنَفْسِهِ رِوَايَةَ سِيرَتِهِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ، فَيَغْدُو القَارِئُ شَرِيكًا فِي التَّجْرِبَةِ، لَا مُجَرَّدَ مُتَلَقٍّ لِأَحْدَاثِهَا. وَقَدْ مَنَحَ هَذَا الانْتِقَالُ بَيْنَ أَنْمَاطِ السَّرْدِ الرِّوَايَةَ حَيَوِيَّةً لَافِتَةً، وَأَضْفَى عَلَى الشَّخْصِيَّةِ صِدْقًا وَإِقْنَاعًا.
وَعَلَى امْتِدَادِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ صَفْحَةٍ، لَمْ يَفْقِدِ السَّرْدُ تَوَهُّجَهُ، بَلْ ظَلَّ مُحْتَفِظًا بِقُدْرَتِهِ عَلَى جَذْبِ القَارِئِ، مُسْتَنِدًا إِلَى لُغَةٍ رَفِيعَةٍ، وَحِوَارٍ مُتْقَنٍ، وَإِيقَاعٍ مُتَوَازِنٍ، حَتَّى بَلَغَ بِالنَّصِّ مُسْتَوًى يَجْعَلُ القَارِئَ يَنْسَى عَدَدَ الصَّفَحَاتِ، وَيَنْشَغِلُ فَقَطْ بِمُتَابَعَةِ رِحْلَةِ المُتَنَبِّي.
وَتَبْرُزُ قِيمَةُ الرِّوَايَةِ أَيْضًا فِي أَنَّهَا تُقَدِّمُ سِيرَةَ المُتَنَبِّي كَامِلَةً، مُنْذُ مِيلَادِهِ حَتَّى مَقْتَلِهِ، فِي رُؤْيَةٍ رِوَائِيَّةٍ حَدِيثَةٍ تَسْتَنْطِقُ المَسْكُوتَ عَنْهُ، وَتُعِيدُ بِنَاءَ الشَّخْصِيَّةِ بَعِيدًا عَنِ الجُمُودِ الَّذِي وَسَمَ كَثِيرًا مِنْ كُتُبِ السِّيَرِ.
وَلِأَنَّ العُظَمَاءَ يُجَاوِزُ مَنْطِقُهُمْ حُدُودَ الوَاقِعِ، وَلِأَنَّ لِسَانَ حَالِهِمْ يَخْتَلِفُ عَنْ لِسَانِ الآخَرِينَ، وَلِأَنَّ التَّغْيِيرَ حَيَاةٌ، وَالجُمُودَ مَوْتٌ زُؤَامٌ؛ ظَنَّهُمُ النَّاسُ مَجَانِينَ أَوْ سَحَرَةً. فَفِي أُمَّةٍ تَتَّهِمُ نَبِيَّهَا بِالشِّعْرِ، وَتَتَّهِمُ شُعَرَاءَهَا بِالنُّبُوَّةِ، كَانَ المُتَنَبِّي مَالِئَ الدُّنْيَا وَشَاغِلَ النَّاسِ، سَاحِرًا فِي نَظَرِ قَوْمٍ، وَمَجْنُونًا فِي نَظَرِ آخَرِينَ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَتْ عَتَبَةُ الرِّوَايَةِ، مُمَثَّلَةً فِي عُنْوَانِهَا «سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ»، لِتُؤَدِّيَ وَظِيفَةً تَأْوِيلِيَّةً بَالِغَةَ الأَهَمِّيَّةِ؛ إِذْ تَسْتَدْعِي الِاتِّهَامَيْنِ اللَّذَيْنِ وُجِّهَا إِلَى الأَنْبِيَاءِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَتَضَعُ المُتَنَبِّيَ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الأُولَى فِي دَائِرَةِ الشَّخْصِيَّاتِ الِاسْتِثْنَائِيَّةِ الَّتِي تَعْجِزُ الجَمَاعَةُ عَنْ تَفْسِيرِ عَظَمَتِهَا، فَلَا تَجِدُ إِلَّا اتِّهَامَهَا بِالسِّحْرِ أَوِ الجُنُونِ. وَهَكَذَا يَغْدُو العُنْوَانُ مِفْتَاحًا دَلَالِيًّا يُهَيِّئُ أُفُقَ التَّلَقِّي، وَيَكْشِفُ أَنَّ العَبْقَرِيَّةَ كَانَتْ، وَمَا تَزَالُ، مَوْضِعَ رِيبَةٍ قَبْلَ أَنْ تَصْبَحَ مَوْضِعَ إِجْلَالٍ.
هَلْ نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ المُتَنَبِّي؟
نَعَمْ، نَحْنُ بِحَاجَةٍ إِلَى إِعَادَةِ قِرَاءَةِ المُتَنَبِّي؛ فَالعَقْلُ الَّذِي يَقْرَؤُهُ اليَوْمَ لَيْسَ هُوَ العَقْلَ الَّذِي قَرَأَهُ بِالأَمْسِ، وَلَنْ يَكُونَ هُوَ العَقْلَ الَّذِي سَيَقْرَؤُهُ غَدًا. فَالنُّصُوصُ الخَالِدَةُ لَا تَسْتَنْفِدُ مَعَانِيَهَا، بَلْ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ، وَتَفِيضُ بِدَلَالَاتٍ جَدِيدَةٍ كُلَّمَا تَبَدَّلَتْ أَدَوَاتُ التَّأْوِيلِ وَاتَّسَعَتْ آفَاقُ المَعْرِفَةِ.
وَمِنْ هُنَا تَأْتِي رِوَايَةُ «سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ» لِأَيْمَنَ العَتُومِ بِوَصْفِهَا مُحَاوَلَةً جَادَّةً لِإِعَادَةِ اكْتِشَافِ المُتَنَبِّي، لَا مِنْ خِلَالِ مَا قَالَهُ المُؤَرِّخُونَ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا عَبْرَ مَا سَكَتَ عَنْهُ التَّارِيخُ وَاحْتَمَلَهُ الخَيَالُ الرِّوَائِيُّ. إِنَّهَا لَيْسَتِ اسْتِعَادَةً لِسِيرَةِ شَاعِرٍ عَظِيمٍ، بَلْ بَعْثٌ جَدِيدٌ لَهُ فِي قَالَبٍ رِوَائِيٍّ يَجْعَلُ القَارِئَ يَعِيشُ حَيَاتَهُ، لَا أَنْ يَقْرَأَهَا فَقَطْ.
وَسَيَظَلُّ المُتَنَبِّي مَعِينًا لَا يَنْضَبُ، وَمَشْرُوعًا مَفْتُوحًا لِلْقِرَاءَةِ؛ فَفِي شِعْرِهِ الحِكْمَةُ، وَالفَخْرُ، وَالمَدْحُ، وَالغَزَلُ، وَالفُرُوسِيَّةُ، وَفَلْسَفَةُ الحَيَاةِ، وَصُوَرُ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ فِي أَعْلَى تَجَلِّيَاتِهَا. وَلِذَلِكَ صَدَقَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ شَاعِرٌ يَنْطِقُ عَنْ خَاطِرِ النَّاسِ، لِأَنَّهُ اسْتَطَاعَ أَنْ يَصُوغَ التَّجْرِبَةَ الإِنْسَانِيَّةَ بِلُغَةٍ لَا يَحُدُّهَا زَمَانٌ.
وَمِنْ ثَمَّ يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ أَيْمَنَ العَتُومَ لَمْ يَكْتُبْ رِوَايَةً عَنِ المُتَنَبِّي فَحَسْبُ، بَلْ أَعَادَ تَقْدِيمَهُ إِلَى القَارِئِ المُعَاصِرِ حَيًّا نَابِضًا، يَتَحَرَّكُ بَيْنَ صَفَحَاتِ الرِّوَايَةِ كَمَا لَوْ أَنَّهُ لَمْ يُغَادِرِ الدُّنْيَا قَطُّ، مُؤَكِّدًا أَنَّ العُظَمَاءَ لَا يَمُوتُونَ، وَإِنَّمَا تَتَجَدَّدُ وِلَادَتُهُمْ كُلَّمَا وَجَدُوا مَنْ يَقْرَأُهُمْ بِعَيْنٍ جَدِيدَةٍ، وَقَلْبٍ أَكْثَرَ اتِّسَاعًا، وَعَقْلٍ أَكْثَرَ قُدْرَةً عَلَى التَّأْوِيلِ.
د. مَي بَكْلِيزِي