فراس النعسان : الملك عبدالله الثاني والمسافة الأقصر إلى الناس
لم يكن مستغربا أن يحضر الملك عبدالله الثاني مباراة المنتخب الأردني الأخيرة أمام الأرجنتين في دالاس، فالملك اعتاد الوجود في المناسبات الوطنية والفعاليات العامة، والأردنيون اعتادوا رؤيته بينهم. اللافت كان حجم الاهتمام العربي بالمشهد، حتى بدا وكأن كثيرين وجدوا فيه ما هو أكبر من مباراة كرة قدم.
هذا الاهتمام يكشف حقيقة مهمة. العلاقة بين الحاكم وشعبه أصبحت اليوم جزءًا من قوة الدولة نفسها. فالمواطن لم يعد يكتفي بما يسمعه في الخطابات أو يقرأه في البيانات، بل يبحث عن مؤشرات بسيطة تؤكد أن من يقود الدولة يعيش همومها اليومية، ويتفاعل مع نبض مجتمعها، ولا تفصله عن الناس حواجز البروتوكول.
لهذا قرأ كثير من الكتّاب والإعلاميين العرب المشهد بطريقة مختلفة. لم يتوقفوا عند نتيجة المباراة، بل عند صورة العلاقة التي عكسها حضور الملك بين أبناء شعبه. بالنسبة لهم، لم يكن السؤال: هل فاز المنتخب أم خسر؟ بل: كيف استطاعت القيادة في الأردن أن تحافظ على هذا المستوى من القرب، في وقت تتسع فيه المسافة بين الحكام وشعوبهم في أماكن كثيرة؟
الإجابة لا ترتبط بمباراة، ولا بصورة انتشرت على وسائل التواصل. فالعلاقة بين الملك عبدالله الثاني والأردنيين لم تبدأ في المدرجات، ولم تُبنَ خلال مناسبة رياضية. هي نتاج سنوات من الحضور الميداني، والزيارات المستمرة، واللقاءات المباشرة، والتعامل مع المواطنين دون مبالغة في صناعة المشهد أو الإغراق في الرسميات. ولهذا بدا وجود الملك بين الجمهور أمرًا طبيعيًا بالنسبة للأردنيين، بينما أثار اهتمام من تابعوه من خارج الأردن.
السياسة، في جوهرها، ليست إدارة مؤسسات فقط، بل إدارة ثقة. وهذه الثقة لا تُفرض بالقوانين، ولا تُشترى بالإعلانات، بل تتكون ببطء، من خلال تراكم المواقف التي يشعر معها المواطن أن قيادته تعرف مجتمعه كما هو، لا كما تصفه التقارير.
ووجود هذه الثقة بين القيادة والمجتمع يمنح الدولة قدرة أكبر على مواجهة التحديات، وربما لهذا السبب تجاوز الحديث حدود الرياضة. فقد رأى كثيرون في ذلك المشهد درسًا في السياسة أكثر منه مشهدًا في كرة القدم. فالقائد الذي يحافظ على حضوره الطبيعي بين أبناء شعبه لا يكسب صورة جميلة فحسب، بل يبني رصيدًا من الثقة لا يمكن لأي حملة إعلامية أن تصنعه.
لا ننكر أن منطقتنا تعاني أحيانًا من اتساع الفجوة بين الحاكم والمواطن، لكن يبقى هذا النوع من العلاقة أحد أهم عناصر الاستقرار. فالمسافة الأقصر إلى الناس هي الطريق إلى دولة أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات بثقة متبادلة بين القيادة والشعب.
ــ الدستور